بسم الله الرحمن الرحيم

يقع بركان تامبورا على جزيرة سومباوا في أرخبيل إندونيسيا، وكان قبل انفجاره يُعدّ من أعلى قمم المنطقة إذ بلغ ارتفاعه نحو 4,300 متر فوق سطح البحر. كان البركان خاملاً لقرون طويلة قبل أن تبدأ علامات الانتباه الأولى عام 1812م، حين شرع في إطلاق دخان خفيف وبعض الرعود البركانية التي لم يأخذها السكان المحيطون به بجدية كافية، إذ اعتادوا على طبيعة المنطقة المحفوفة بالبراكين.
ما قبل الانفجار الكبير
بين عامَي 1812 و1815م كانت الجزيرة وما حولها تشهد نشاطاً متصاعداً تحت الأرض. الغازات البركانية كانت تتراكم في الغرفة الماغماتية العميقة تحت القمة، والضغط يتصاعد ببطء لكن بثبات. في أوائل أبريل 1815م بدأت هزات أرضية متكررة ترافقها أصوات تشبه طلقات المدفعية، وهو ما أربك السكان البريطانيين المتمركزين في المنطقة تحت حكم السير ستامفورد رافلز الذي أرسل وقتها دوريات استطلاع ظناً منه أنه يسمع مدافع عدو.
ليلة الانفجار — 10 أبريل 1815م
في مساء العاشر من أبريل عام 1815م وقع ما لم يكن في حسبان أحد. انفجر تامبورا بقوة لم يشهد لها العالم المُدوَّن مثيلاً من قبل ولا من بعد. ثلاثة أعمدة من النيران الضخمة اندفعت نحو السماء في آنٍ واحد من قمة البركان، ثم اندمجت في كتلة واحدة هائلة من الحمم والرماد والغازات المحترقة. في غضون ساعات قليلة كانت القمة بأكملها قد انهارت إلى الداخل، محوِّلةً جبلاً شامخاً إلى حفرة عملاقة يبلغ قطرها 6 كيلومترات وعمقها أكثر من 700 متر.
صوت الانفجار وصل إلى جزيرة سومطرة على بُعد أكثر من 2,000 كيلومتر، وإلى جزر أخرى بلغت 2,600 كيلومتر. من سمعوه في المناطق البعيدة ظنوه قصفاً مدفعياً فخرجت السفن الحربية تبحث عن معركة في البحر لم تجدها.
الدمار الفوري
ما تلا الانفجار مباشرةً كان رعباً حقيقياً. تدفقت تيارات البيروكلاستيك — وهي سيول من الغازات الملتهبة والرماد والصخور المنصهرة — بسرعة تتجاوز 700 كيلومتر في الساعة لتمحو كل شيء في طريقها. ثلاث مملكات صغيرة كانت تحيط بالبركان هي تامبورا وبيكار وسانغار اندثرت من الوجود تماماً وبقي منها لا شيء. موجات التسونامي الناجمة عن انهيار الجانب البحري من البركان ضربت السواحل المجاورة بارتفاع وصل إلى 4 أمتار في بعض المناطق، مودِّعةً بذلك آلاف الأرواح الأخرى في البحر.
تقديرات الضحايا المباشرين تتراوح بين 60,000 و71,000 شخص لقوا حتفهم في الساعات الأولى وما تلاها من أيام، بين من أحرقتهم الحمم ومن ابتلعتهم الأمواج ومن اختنقوا بالغازات السامة.
الرماد والظلام.
أطلق تامبورا إلى الغلاف الجوي ما يزيد على 160 كيلومتراً مكعباً من الرماد والغبار والغازات الكبريتية. هذه الكميات الهائلة ارتفعت إلى طبقة الستراتوسفير على ارتفاع يتجاوز 40 كيلومتراً، وهناك انتشرت على مدى أشهر لتغطي نصف الكرة الأرضية بحجاب رقيق من الجسيمات العالقة.
في المناطق المجاورة لإندونيسيا ظلت السماء مظلمة في وضح النهار لأكثر من 48 ساعة على بُعد مئات الكيلومترات. المحاصيل تحت الرماد، والأشجار مكسوة بطبقة سميكة منه، ومصادر المياه ملوّثة، والحيوانات ميتة. المجاعة التي اجتاحت جزيرة سومباوا وما حولها في الأشهر التالية كانت على الأرجح أشد فتكاً من الانفجار نفسه.
السنة بلا صيف — 1816م
هذا هو الفصل الذي يُميّز تامبورا عن سائر الكوارث الطبيعية ويجعله حدثاً كوكبياً لا محلياً. الجسيمات الكبريتية العالقة في الستراتوسفير عملت كمرايا دقيقة عكست أشعة الشمس قبل أن تصل إلى سطح الأرض، فانخفضت درجات الحرارة العالمية بمقدار 0.4 إلى 0.7 درجة مئوية — وهو رقم يبدو صغيراً لكن تداعياته كانت كارثية.
في أمريكا الشمالية وتحديداً في نيو إنغلاند بالولايات المتحدة الأمريكية وكندا، سقط الثلج في يونيو وتجمّدت البحيرات في أغسطس. الفلاحون زرعوا محاصيلهم ثلاث مرات في موسم واحد وكل مرة كانت الصقيع يقضي عليها. ذلك العام سُمّي في الذاكرة الشعبية الأمريكية بـ"ألف وثمانمئة وستة عشر والمجمّدة.
في أوروبا كانت الصورة أشد قتامةً. ألمانيا وفرنسا وسويسرا وبريطانيا شهدت صيفاً بارداً ورطباً بشكل غير مسبوق. فشلت المحاصيل في معظم أنحاء القارة وارتفعت أسعار القمح والخبز بشكل جنوني. المجاعة ضربت أيرلندا وألمانيا وأجزاء من فرنسا. وباء التيفوس انتشر في أوروبا بين عامَي 1816 و1819م قاتلاً مئات الآلاف من الضعفاء الذين أنهكتهم سنوات الجوع. تقديرات إجمالي الوفيات المرتبطة بتداعيات تامبورا حول العالم تتراوح بين إجمالي 90,000 وما يتجاوز 200,000 شخص.
في الصين والهند فشلت موسمية الأمطار وانهارت المحاصيل وتفشّى وباء الكوليرا الذي يعتقد بعض العلماء أن اضطراب المناخ الناجم عن تامبورا أسهم في ظهوره أو تسريع انتشاره.
الأثر على الحضارة والثقافة
ما يجعل تامبورا فريداً من نوعه هو أنه لم يدمّر جزيرة فحسب بل ترك بصمته على الأدب والفن والتاريخ الأوروبي.
في صيف 1816م كان الشاعر لورد بايرون وصديقه بيرسي شيلي وزوجته ماري شيلي يقضون إجازتهم على ضفاف بحيرة جنيف في سويسرا. الصيف كان بارداً وكئيباً بشكل غير طبيعي ولم يتمكنوا من الخروج لأيام طويلة، فجلسوا داخل فيلتهم يتسامرون ويتبارون في كتابة قصص مرعبة. من تلك الليالي الكئيبة الباردة وُلدت رواية "فرانكنشتاين" لماري شيلي، وقصيدة "الظلام" لبايرون التي يصف فيها عالماً بلا شمس — وكأنه كان يصف ما يعيشه حرفياً.
قلة من القراء حين يقرؤون فرانكنشتاين اليوم يعلمون أن ذلك البركان البعيد في إندونيسيا ربما كان الشرارة غير المباشرة التي أشعلت خيال ماري شيلي.
كذلك يرى بعض المؤرخين أن موجات الهجرة الكبرى من نيو إنغلاند نحو الغرب الأمريكي التي بدأت في تلك الحقبة كانت مدفوعةً جزئياً بانهيار الزراعة في الشمال الشرقي إثر تلك السنوات الباردة، مما يعني أن بركاناً في إندونيسيا أثّر بشكل غير مباشر في خريطة الاستيطان الأمريكي.
ماذا بقي من تامبورا؟
خسر البركان قرابة 1,400 متر من ارتفاعه دفعةً واحدة ليصبح ارتفاعه الحالي نحو 2,850 متراً فقط. الحفرة التي خلّفها الانهيار أصبحت إحدى أكبر الكالديرات البركانية في العالم. والمنطقة المحيطة به اليوم مأهولة من جديد وتعدّ من أخصب الأراضي الزراعية في إندونيسيا — كما هي عادة التربة البركانية التي تمتلئ بالمعادن.
البركان لا يزال نشطاً وإن كان في طور الهدوء النسبي. ويزوره كل عام آلاف من الرحّالة والعلماء الذين يقفون على حافة كالديرته العملاقة متأملين ذلك الفوهة الصامتة التي غيّرت وجه العالم ذات مرة.
خلاصة القول
تامبورا ليس مجرد بركان ضخم، بل هو حدث كوكبي بكل معنى الكلمة. دمّر حضارات محلية وأجاع قارات وألهم روائع أدبية وغيّر مسارات الهجرة البشرية، كل ذلك من جزيرة صغيرة في أرخبيل بعيد.