احصائيات

الردود
0

المشاهدات
2
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

اوسمتي


أ محمد احمد is on a distinguished road

    موجود

المشاركات
2,552

+التقييم
0.63

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
اليوم, 12:14 AM
المشاركة 1
اليوم, 12:14 AM
المشاركة 1
افتراضي عثمان بن الحويرث




بسم الله الرحمن الرحيم




في زحمة التاريخ العربي قبل الإسلام، تبرز شخصيات تحمل تناقضاً صارخاً بين ما تُظهره وما تُبطنه، وما تدّعيه وما تسعى إليه. ولعلّ عثمان بن الحويرث واحداً من أكثر هذه الشخصيات إثارةً للجدل وتعقيداً في الوقت ذاته؛ فهو القرشي النبيل الذي رفض الأوثان، والحنيف الذي تنصّر، والطامح الذي حاول أن يجعل من الدين سُلّماً للملك، فكان مصيره الموت في غربة السياسة والطموح.

نسبه وبيئته
عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى القرشي، ينتمي إلى بني أسد بن عبد العزى، من صميم قريش وأشراف مكة. وتربطه برابط قربى وثيقة بأم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، إذ كانا ابني عم، وهو ما يكشف عن البيئة الرفيعة التي نشأ فيها والوسط الاجتماعي الذي احتضنه.

نشأ في مكة، قلب الجزيرة العربية وملتقى قوافلها وأسواق عقولها. وكانت مكة في ذلك العهد مدينة تجارية وسياسية ودينية في آنٍ واحد؛ فالكعبة وما حولها من أصنام تجمع الناس وتُدرّ الأرباح على قريش التي أحسنت توظيف هذا الموقع الديني لمصالحها الاقتصادية والسياسية. في هذه البيئة المتشابكة المصالح، ترعرع عثمان وتفتّح وعيه.

روح الباحث عن الحق
لا تُجمع المصادر على كثير من تفاصيل حياة عثمان المبكرة، غير أنها تُشير إلى أنه كان من أولئك القلائل الذين أقلقتهم عبادة الأصنام وأزعجت فطرتهم السليمة. فقد كان من صنف الحنفاء الذين شكّوا في جدوى السجود لحجارة لا تنطق ولا تضر ولا تنفع.

وقد دفعه هذا القلق الروحي إلى الرحلة؛ تلك الرحلة التي كانت في ذلك الزمان هي الجامعة الكبرى لكل باحث عن المعرفة. فشدّ الرحال نحو الشام، تلك البقعة التي كانت تموج بالتيارات الدينية المتنوعة: مسيحية بيزنطية، ويهودية، وبقايا وثنية، وكهانة، وفلسفة.

في الشام، احتكّ عثمان بأهل الكتاب، وقرأ أو سمع من التوراة والإنجيل، وخالط رهباناً ولاهوتيين، فوجد في المسيحية البيزنطية ما أرضى بعض تساؤلاته الروحية؛ توحيد الله في صورته العقدية المسيحية، ورسالة عيسى عليه السلام، ونظام الكنيسة المنظّم.

التنصر والانتماء البيزنطي
أعلن عثمان اعتناقه المسيحية، وكان ذلك قراراً يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز الاقتناع الديني الخالص. فبيزنطة في تلك الحقبة كانت الإمبراطورية الكبرى التي تُهيمن على الشام ومصر وآسيا الصغرى وجنوب أوروبا، وكانت المسيحية دينها الرسمي وعمادها الحضاري.

الانتماء إلى الكنيسة البيزنطية لم يكن مجرد تغيير ديني، بل كان في تلك العصور انتماءً سياسياً وحضارياً. فالمتنصّر كان يدخل في دائرة نفوذ الإمبراطورية، ويكتسب امتيازات التجارة والحماية والعلاقات مع بلاط القسطنطينية.

وقد استثمر عثمان هذا الانتماء الجديد بذكاء، فأصبح على صلة بالبلاط البيزنطي، وتردّد على القسطنطينية، وتعرّف على أمراء الغساسنة، العرب الذين اختاروا المسيحية ودخلوا في فلك الإمبراطورية البيزنطية، وكانوا يحكمون أجزاء من بلاد الشام بوصفهم حُماةً للحدود البيزنطية من الناحية الجنوبية.

المشروع السياسي الكبير
وهنا يتحوّل المشهد من صورة الباحث الروحي إلى صورة الطامح السياسي. فقد طرح عثمان بن الحويرث مشروعاً لم يخطر لأحد من أبناء قريش أن يفكر فيه: أن يصبح ملكاً على مكة.

ولفهم جرأة هذا المشروع، لا بد من فهم الذهنية العربية القبلية في تلك المرحلة. فالعرب لم يعرفوا نظام الملكية المركزية على المستوى القبلي الحجازي؛ فالزعامة كانت شورى غير مُقنَّنة، وسلطة القبيلة كانت تقوم على الإجماع لا على الفرد المطلق. ومن هنا كان طرح الملكية المركزية في مكة فكرة غريبة على النفسية القرشية والعربية معاً.

لكن عثمان لم يكن يريد أن يكون ملكاً وحده، بل كان يريد أن يحكم بدعم بيزنطي. فذهب إلى الإمبراطور البيزنطي وعرض عليه أن يجعل مكة تحت نفوذ بيزنطة، مقابل أن يُمكّنه الإمبراطور من الحكم عليها. وقد لقي مشروعه اهتماماً من البيزنطيين الذين كانوا يتطلعون إلى توسيع نفوذهم في الجزيرة العربية وتأمين طرق تجارتهم.

موقف قريش وأسباب الرفض
بلغت قريش خبر مشروع عثمان، فكان ردّ فعلها قاطعاً وحاسماً. رفضت قريش المشروع رفضاً تاماً، ولم يكن هذا الرفض عاطفياً بل قام على حسابات عميقة:

أولاً: الاستقلالية العربية. كانت قريش تحرص حرصاً شديداً على استقلالها عن القوى الكبرى المحيطة بها، فارسية كانت أم بيزنطية. فمكة بموقعها الجغرافي بين النفوذين كانت تستمد قوتها جزئياً من حيادها النسبي، وهو ما أتاح لها أن تكون وسيطاً تجارياً بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب.

ثانياً: التقاليد القبلية. الملكية المطلقة لفرد واحد كانت تتعارض مع النظام القبلي الذي كانت السلطة فيه موزعة على سادات القبائل وشيوخها، وكان فيه لكل قبيلة حقها ونصيبها في الشأن العام.

ثالثاً: الخوف على المكانة الدينية. كانت قريش تستمد جزءاً كبيراً من نفوذها من ولايتها على الكعبة والمشاعر المقدسة. فالدخول في الفلك البيزنطي كان يعني احتمال تحويل مكة إلى مدينة مسيحية، وهذا ما كان يهدد المصالح الاقتصادية والرمزية لقريش كلها.

النهاية الغامضة
انتهى مشروع عثمان السياسي بفشل ذريع، وانتهت حياته بطريقة غامضة. تذكر الروايات التاريخية أنه مات مسموماً في بلاد الشام، وأن يد قريش أو عملاءها كانت وراء ذلك.

ويُذكر اسم الحارث بن أبي شمر الغساني في بعض الروايات بوصفه الواسطة أو المنفّذ في هذه العملية، وإن كانت التفاصيل تبقى في دائرة الرواية التاريخية التي يصعب التثبت منها بدقة.

ما يمكن قوله بصورة أقرب إلى اليقين هو أن عثمان مات بعيداً عن مكة، ولم يُحقق شيئاً من طموحاته الكبيرة، وطوت الأيام ذكره في ظل أحداث أعظم وشخصيات أكبر.

عثمان بين الحنفاء — مقارنة تحليلية
لفهم شخصية عثمان بعمق أكبر، لا بد من مقارنته بغيره من الحنفاء الذين عاشوا في الحقبة ذاتها:

زيد بن عمرو بن نفيل كان نقيضاً كاملاً لعثمان؛ فهو الذي رفض الأصنام ورفض اليهودية ورفض المسيحية أيضاً، وبقي وحيداً على الطريق باحثاً عن الحق الخالص. كان يقف عند الكعبة ويقول: “اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به.” زيد كان صادقاً في بحثه روحياً خالصاً، لم يبحث عن سلطة ولا عن ملك.

ورقة بن نوفل كان مثقفاً ذا علم بالكتب المقدسة، تنصّر هو الآخر، لكنه لم يكن يبحث عن سلطة سياسية. كان يبحث عن نبي يأتي، وحين بُعث محمد ﷺ كان ورقة من أوائل من آمن بصحة رسالته.

أمية بن أبي الصلت جمع بين الإيمان العقلي بالتوحيد والكبر عن الانصياع. كان يُؤمن بالتوحيد شعراً ولاهوتاً، لكن حين جاء الإسلام أبى الخضوع.

أما عثمان فكان يمثل نموذجاً رابعاً: الباحث الذي حوّل دينه إلى أداة سياسية، والحنيف الذي جعل من إيمانه الجديد سلّماً للسلطة.

التحليل الفلسفي والتاريخي
تطرح قصة عثمان بن الحويرث جملة من الأسئلة العميقة التي لا تزال تُلحّ على المؤرخين والمفكرين:

هل كان حنيفاً حقيقياً؟ الإجابة تحتاج إلى تمييز دقيق؛ فالرجل ربما بدأ فعلاً بدافع روحي صادق، لكن الطموح السياسي ابتلع الدافع الروحي أو تشابك معه بصورة لا يمكن الفصل بينها.

هل يمكن للدين أن يظل نقياً حين يُوظَّف للسياسة؟ هذا هو السؤال الأكبر الذي تطرحه قصته. فحين يتحالف الدين مع السلطة، فإن أحدهما يبتلع الآخر في الغالب. وفي حالة عثمان بدت السياسة هي المحرك الأساسي.

ماذا لو نجح مشروعه؟ هذا سؤال تاريخي افتراضي مثير؛ لو أصبح عثمان ملكاً على مكة تحت الحماية البيزنطية، لتحوّلت الجزيرة العربية ربما إلى مجال نفوذ بيزنطي مسيحي، ولتغيّرت خريطة تاريخ المنطقة كلياً.

خاتمة
عثمان بن الحويرث شخصية تاريخية لا تُقرأ في بُعد واحد. ففيه الباحث الروحي الذي أقلقته الأصنام، والمثقف الذي احتكّ بأهل الكتاب، والطامح السياسي الذي رأى في الدين طريقاً إلى العرش، والفاشل الذي دفع حياته ثمناً لأحلامه الكبيرة.

ولعل أهمية هذه الشخصية تكمن في أنها تعكس لنا صورة المجتمع العربي قبيل الإسلام في تعقيده وتنوعه؛ فلم يكن ذلك المجتمع كتلة واحدة متجانسة من الجاهلية العمياء، بل كان فيه أفراد يبحثون ويتساءلون ويرحلون ويُجربون، وكان فيه طموحات وصراعات ومشاريع تتشابك فيها الروح والمصلحة والسلطة.

وفي ذلك كله درس بالغ لكل من يظن أن الإيمان وحده كافٍ دون الإخلاص، وأن المعرفة بالحق لا تُغني إن لم يصحبها الإذعان والصدق مع النفس.


المصادر:
ابن هشام في السيرة النبوية، ابن الأثير في الكامل في التاريخ، الطبري في تاريخه، وأبحاث المستشرقين في تاريخ شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام.





منقول



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: عثمان بن الحويرث
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عثمان بن طلحة رضي الله عنه أ محمد احمد منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير 2 10-13-2025 07:00 AM
عثمان بن فودي رحمه الله أ محمد احمد منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير 0 03-09-2016 08:50 PM
اللمع في العربية - أبو الفتح عثمان بن جني د. عبد الفتاح أفكوح منبر رواق الكُتب. 0 05-30-2014 10:54 PM
د. قيس عثمان أسعدنا حضورك ريم بدر الدين المقهى 5 08-29-2012 11:45 PM

الساعة الآن 02:05 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.