احصائيات

الردود
0

المشاهدات
12
 
أحمد فؤاد صوفي
كاتب وأديـب

اوسمتي


أحمد فؤاد صوفي is on a distinguished road

    موجود

المشاركات
1,965

+التقييم
0.32

تاريخ التسجيل
Feb 2009

الاقامة

رقم العضوية
6386
اليوم, 09:02 AM
المشاركة 1
اليوم, 09:02 AM
المشاركة 1
افتراضي *قصة سنوات الرماد*

*قصة سنوات الرماد*

*الفصل الأول*
*سجن ومذلّة*
لأسباب يجهلها تماماً، فقد قاموا بالإفراج عنه بعدما قضى في السجن ثلاث عشرة سنة كاملة، قضى آخر أربع سنوات منها في زنزانة انفرادية.
وبدون أن ينسى، يتذكر دوماً كيف قاموا بالقبض عليه، كان في طريقه للبيت بعد دوام اليوم في دائرة الزراعة، وهو محمل بمتطلبات العائلة، أمسكوه ووضعوا الأغلال في يديه، وانتثرت الأغراض المختلفة على أسفلت الطريق، وكان سؤاله: لماذا تقبضون علي، ماذا فعلت، ماهي تهمتي، أعلموني، فلا يجد له جواباً إلا الصفعات واللكمات المتتابعة، ولم يصل إلى مركز التحقيق إلا وهو مدمّى ويكاد ألا يستطيع أن يمشي مستقيماً، وكان في انتظاره محقق يلبس لباساً مدنياً ويتبجح بكلامه، ووضعوه بحالته المزرية أمام ذاك المحقق الجبان، ووقف خلفه عملاق لا يُعرف وجهه من قفاه، يقف ساكناً، يقارب طوله المترين، وقفته مخيفة، لا يُظَنُّ أنّ خلقته قد عرفت الابتسام أبداً، عمله الوحيد أن يصفع المتهم كل خمس دقائق.. وهكذا، ما أن جلس حامد على الكرسي المهترئ أمام المحقق، حتى بادره العملاق بصفعة طرحته أرضاً، ولم يتنبه أنه فقد وعيه إلا بعد أن صبوا عليه كمية وافرة من الماء، ثم بادره المحقق الجبان بعدها بصوت مقرف،
*انظر، ليس لدي وقت أضيعه معك، لو أطلت الجلوس عندي فلن يصيبك خير أبداً، خذ هذه الورقة عليك أن توقعها، ولو أردت أن تقرأها فهذه مشكلتك، وعلى كل حال في النهاية ستقوم بتوقيعها.
وقام حامد بعد الصفعة الأولى التي أصابته من العملاق، والتي رمته عن الكرسي، بتوقيع الورقة المكتوبة سلفاً بسرعة، فقام المحقق الكريه، بمناداة الحارس الواقف مستعداً قرب الباب، وقال له كلمة واحدة،،
*خذوه.
وبهدوء مثير للشفقة، وبدون أي جدال، أخذوه مكبل اليدين بدون تأخير، ورموه في مهجع رقمه 5، واسمه :مهجع المبتدئين، والذي قضى فيه سنتين كاملتين، قبل أن ينقلوه إلى مهجع آخر تخيل أنه سيقضي فيه بقية عمره، ولكنها سبع سنوات متتالية، لم يُعرف ليلها من نهارها، التعذيب عادة يومية يمارسها السجانون بسعادة، من يموت يرمى مع البقايا والقمامة، الطعام أو الماء يوزع وسخاً وحسب مزاج السجان المسؤول عن المهجع، لا يصل للمساجين أياً من الأشياء التي يحضرها الأهالي خلال الزيارات النادرة، والتي لا تحصل على الموافقة إلا بعد دفع رشاوٍ كبيرة لآمر السجن.
كان الذل والتعذيب نهجاً اعتيادياً عند السجانين ومسؤولي السجن، وفي كثير من الأحيان كان مسجون ما لا يتحمل، ويقضي تحت التعذيب، فيحضرونه إلى الزنزانة وهو ميت، ليأخذوه في اليوم التالي إلى الحرق أو إلى الدفن في مكان ما، وذلك فقط ليزيدوا من مذلة المسجونين ويزيدوا من رعبهم، فالهدف لدى السجانين هو الترهيب والتخويف يوماً بيوم، يتلذذون في ذلك.
ومرت سبع سنوات طوال، عندما جاء يوم أخذوه فيه دون إبداء سبب، ووضعوه في الزنزانة الانفرادية الواقعة آخر الممر الطويل، لا يسمع عندها حركة ولا صوت طيلة النهار، أما في الليل فالتعذيب لا يهدأ، وصوت المعذبين يشق السكون بالألم والآهات، وكلما زاد صياح المساكين زاد عيار التعذيب، وزاد تلذذ السجانين، وأيقنوا أن رؤساءهم راضين عن عملهم، وأنهم لابد سيحصلون على مكافأة مجزية آخر النهار.
خرج حامد، وصار خارج البوابة الحديدية الثقيلة، التي أغلقت خلفه بصرير مزعج، عيناه لم تتمكنا من استيعاب ضوء النهار، وقدماه لم تستطيعا حمله، فجلس على حجر الرصيف ليأخذ قسطاً من راحة كاد أن ينساها، وليجد طريقة ما للوصول إلى المدينة، وتذكر صديقه الأثير "يامن"، وبشكل غريب تذكر رقم هاتفه الذي كانت أرقامه متتالية يمكن حفظها، ولكنه لا يمتلك هاتفاً، بل هو وحيد تماماً على رصيف أجرد، في مكان بعيد منعزل.
انتظر مضطراً لأكثر من ساعتين، حتى تنبه إلى سيارة تقترب من بعيد، وينزل منها زائر ما إلى السجن، فوقف متعباً وأومأ للسائق عسى أن يساعده،
*أخي، لقد خرجت تواً من السجن، وأحتاج أن أتصل بصديق لي.
*هذا هاتفي، يمكنك أن تتصل، ولكن الأفضل آن آخذك معي، فأنا عائد الآن إلى المدينة.
وصل حامد إلى المدينة، إلى محطة السيارات وباصات النقل، وألقى نفسه على مقعد متهالك فيها منتظراً صديقه الأثير، وبعد مرور ساعة حسبها دهراً، ظهر "يامن" يبحث بين الوجوه، يتطلع حوله وسط الزحام، حتى اقترب من المقعد المتهالك، وحامد جالس عليه، ولكن "يامن" لم يلحظه ولم يتعرف عليه، فحين قبضوا عليه كان جسمه ممتلئاً، وكان حليق اللحية دوماً، أما الآن فوزنه وصل النصف، ولحيته طويلة تغطي نصف وجهه، غزاها شيب مبكر.
وبصوت ضعيف أجش، نادى صديقه: "يامن"، أنا هنا !!.
ومع ذلك، ومع التفاتة "يامن" نحو المقعد المتهالك، فهو لم يستطع التعرف على صديقه.
*"يامن"، إنني هنا أمامك !.
فوجئ الصديق بصديقه، ومضى يتمعن به، كأنه يريد أن يتأكد من شخصيته، فأمامه نفس الصوت، ولكن بخلقة وشخصية أخرى، لم يعتدها ولم يتخيلها يوماً.
أخذ "يامن" صديقه المعلول إلى البيت، وأسكنه في بيت العائلة، الذي أضحى فارغاً بعد وفاة والديه الواحد تلو الآخر، أعطاه ثياباً نظيفة، وأدخله الحمام، ليأخذ نصيباً من الماء الذي كان محروماً منه سنوات طوال.
*الفصل الثاني*
*الخلاص*
تحسن وضع حامد، وشيئاً فشيئاً بدا يألف أنه خارج السجن، ولكنه كان خائفاً ويرتعش كل حين بلا سبب، يحن إلى النوم المريح، ولا يستطيع أن يفكر بشكل سويّ على الاطلاق.
مرت خمسة أيام، وآن الأوان لحامد أن يتصل بأولاده وأهله، فهم في نفس المدينة، ولكنه كان مرعوباً من الموقف، فخلال زمن سجنه الطويل توفيت زوجته بعد كمد ومرض، واضطر الأولاد إلى السكن في بيت عمتهم طيلة الفترة الماضية، عندما دخل السجن، كان عمر ولده ثماني سنين، وعمر ابنته ست سنين، وهم الآن في الواحد والعشرين والتاسعة عشرة سنة، كيف سيراهم ويتعرف عليهم، وكيف سيرونه وهم لم يتمكنوا من زيارته ولو لمرة واحدة طيلة ما فات من العمر.
تناقش الصديقان حول الموقف برمته، ووجدا أن أمثل طريقة هي أن يتصل "يامن" "بليلى" ابنة "حامد" ويعرفها بنفسه ويسألها عن أحوالها وأحوال أخيها "سعد" ويقرب لها خبر خروج والدها من السجن، ثم وبكل هدوء يعلمها أن والدها قد أطلق سراحه، وهو موجود عنده في البيت، ثم يتصلوا بأخيها "سعد" وبلطف يخبرونه بالموقف، ثم يذهبون جميعهم سوية ليقابلوا والدهم.
اتفق الصديقان على الخطة، وقام حامد ليجهز نفسه للقاء الأحبة، فأخذ ثياباً جديدة من ثياب صديقه، وحلق لحيته، وصار شكله مقبولاً، ولم يعد مشابهاً لسجين الزنزانة الانفرادية، أما "يامن" فقام من فوره واتصل "بليلى" فعرفها بنفسه وطلب إليها أن تقابله لأمر ضروري، وتقابلا في مقهى وسط المدينة، وطلبا فنجانين من القهوة، كانت "ليلى" متوترة ومتشنجة لا تتمكن من السيطرة على نفسها، وقد حسبت أن الخبر سيكون أن والدها قد أصابه مكروه ما، وبدأت ترشف قهوتها بيد مرتجفة وعيون دامعة ترنو إلى الأرض.
*كيف حالك يا ليلى!
*.. الحمد لله .. نحن بخير ..
*وكيف حال أخيك!
*..هو والحمد لله بخير ..
يدور الحديث وليلى لا تنظر إلّا إلى الأرض، لا تريد أن تسمع الخبر الحزين، ترشف قهوتها ببطء، وتستنجد بالفنجان تحضنه بأصابعها المرتجفة.
*علينا دوماً أن نكون أقوياء، حتى لا ننهار في حياتنا.
*.....!
*انظري يا ليلى، أنا ووالدك أصدقاء منذ أول العمر، وهو قد تعرض لظلم كبير.
*الحمد لله على كل حال ..
وبدأت الدموع تنفر من العينين الجميلتين بدون إرادة من صاحبتهما، وزاد وجيب قلبها، وارتجاف يديها صار واضحاً.
*انظري يا ليلى، ألا تودين زيارة والدك!
*وكيف يمكن ذلك؟
*والدك أطلق سراحه.
وأفلتت صيحة من ليلى خرجت من القلب، وسقط فنجان القهوة من يدها، ليتحطم على الأرضية الباردة للمقهى، وتركزت نظرات الحاضرين كلهم على المشهد المؤلم.
*أين والدي الآن!
*إنه موجود عندي في البيت ينتظركم.
*عندك في البيت! هنا في المدينة!
*نعم، وهو بخير وشوق إلى مرآكم، اتصلي بأخيك، وبلغيه بالموضوع، واطلبي منه الحضور لنذهب سوياً إلى البيت.
ومن فورها اتصلت ليلى بأخيها سعد تطلب منه الحضور،
*"سعد"، أنا مع عمو "يامن"، صديق البابا، موجودون في المقهى وسط المدينة قرب دار السينما، عليك أن تحضر الآن وحالاً، لا يمكنك أن تتأخر.
*حسناً، لقد شغلت بالي، سأحضر حالاً دونما تأخير.
ومرت قرابة الثلاثين دقيقة، ووصل "سعد" إلى المقهى، وتفاجأ وانهار بعد سماعه الخبر، ثم رنا إلى الأرض، يمسك بيد شقيقته، يأخذان نفساً طويلاً يتقويان به.
الشقيق وشقيقته يجلسان قرب بعض، كل يمسك بيد الآخر، الدموع في العيون، ينظران إلى وهم الأرض، لا يمتلكان الجرأة أن ينظرا إلى الأعلى، وبعد فترة قصيرة، سيطر سعد على نفسه، ورفع نظره إلى "يامن" يستنجد به،
*أرجوك عمو، هل تأخذنا الآن لنرى الوالد.
*أكيد، بدون شك، هيا قوموا بنا.
وقام الثلاثة من فورهم، وركبوا أول سيارة تاكسي وجدوها، واتجهوا بها صوب البيت، وخلال الطريق، لم يبدر من أحدهم حتى ولو كلمة واحدة، أو حتى همسة صغيرة، كان التوتر عالياً والانفراج ما زال مخبأً في الصدور.
بعد حوالي النصف ساعة، وصل الجمع إلى البيت، كادوا يهرولون أو يطيرون، التوتر مازال عالياً، ولكن الاشتياق كان قد وصل ذروته.
فتح حامد الباب، وتوقف الزمن، لا يدري كلٌّ من الطرفين كيف يفعل، فثلاث عشرة سنة ليست بالزمن القصير، والولدان تربيا بعيداً عن والدهما، ووالدتهما توفيت كذلك منذ زمن طويل، وحالتهما النفسية كانت غير مستقرة، ولم يعرفا للفرح سبيلا، وكذلك لم يستطيعا بناء ذكريات سعيدة أسوة بباقي الأولاد، هذا والدهما قد عاد، ومعه ظهرت نسمات أمل جديد.
كان اللقاء عاطفياً عاصفاً، لا يُسمع إلا صوت البكاء من الأب والابنة وحتى الابن.
دارى "يامن"، الصديق الوفي، عواطفه ودموعه أمام المشهد المبكي شديد الوطأة على الجميع، وقام يحضر شراباً يقدمه للضيوف، وتركهم وحدهم يتعرفون على بعضهم من جديد.
كانت الدموع تنهمر على سجيتها بلا توقف، يكاد لا يسمع إلا همهمات متناثرة، الوالد حي يرزق، وهم لم يعرفوا أي مصير له طيلة السنين المريرة التي عاشوها كالأيتام، شعور قاتل كان يحيط بهم، يوماً إثر يوم.
إذن، عاد أبوهم مكسوراً فاقداً للثقة والشغف، ولكن أولاده وأصدقاءه لم يتركوه وحده يوماً واحداً، وشيئاً فشيئاً استرد حامد عافيته، وجلس بين أصدقائه يفكر ملياً ماذا سيفعل في حياته، وأصر أنه لا يرغب بأي شكل من الأشكال أن يعود إلى وظيفته، التي قضى فيها أكثر من خمسة وعشرين عاماً قبل سجنه.
نصحه بعض الأصدقاء، أن يتقدم بشكوى رسمية يطالب فيها بالتعويض ورد الاعتبار، ولكن أصحاباً آخرون قالوا: النظام الذي قبض عليك وسجنك ظلماً لن يقبل بذلك، بل سيعيدك مباشرة إلى سجن مؤبد لو حاولت استفزازه وطلب تعويض ورد اعتبار، وكان هذا الكلام مقنعاً لحامد كي يلغي هذه الفكرة تماماً من ذهنه.
كان الأولاد يساهمون بابتكار أفكار جديدة، حتى يتمكن والدهم من السيطرة على حياته، وفي يوم خطر في بالهم خاطر جدير أن يؤخذ بجدية، فعرضوه على والدهم، الذي وافق عليه فوراً وبسعادة.
قام حامد في اليوم التالي، واتجه إلى مقر عمله السابق، اجتمع حوله أصحابه القدامى، وشجعوه أن يعود ويلتحق بوظيفته القديمة، ولكن حامد كان لديه خطة أخرى، فقام وقدم طلباً لتسوية مستحقاته القديمة، التي بلغت مبلغاً كبيراً، كان كافياً له لافتتاح مقهى صغير قريب من البيت.
كما تطوع في مؤسسة إنسانية، تعمل في مجال حقوق الإنسان والدفاع عن المظلومين.
وهكذا تحولت التجربة القاسية التي خاضها حامد رغماً عنه، إلى رسالة واجبة، أنسته همومه وأعادته برغبة وفخر مع عائلته إلى الحياة.







مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 13 ( الأعضاء 0 والزوار 13)
 

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: *قصة سنوات الرماد*
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ألوان القمر خلال عشر سنوات ناريمان الشريف منبر الفنون. 7 04-27-2021 05:22 PM
سنوات لاتنسى أ محمد احمد منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير 2 11-29-2015 06:51 PM
أمير مكة: الترحيل والإبعاد 10 سنوات لمخالفي الحج من المقيمين علي بن حسن الزهراني منبر مختارات من الشتات. 1 09-01-2013 10:17 PM
بين الرماد سناء محمد منبر البوح الهادئ 13 12-01-2011 09:16 PM
طفـــل الأربع سنوات ... ناريمان الشريف منبر مختارات من الشتات. 3 09-17-2010 11:42 AM

الساعة الآن 10:34 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.