احصائيات

الردود
0

المشاهدات
7
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

اوسمتي


أ محمد احمد is on a distinguished road

    موجود

المشاركات
2,533

+التقييم
0.64

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
اليوم, 03:26 AM
المشاركة 1
اليوم, 03:26 AM
المشاركة 1
افتراضي العصبية القبلية
بسم الله الرحمن الرحيم





العصبية القبلية، أو النزعة القبلية، ظاهرة اجتماعية قديمة متجذّرة في تاريخ الإنسان، تعبّر عن الولاء الأعمى للقبيلة أو العشيرة أو الجماعة، ونصرتها في الحق والباطل دون تمييز. وهي رابطة نفسية واجتماعية تشدّ الأفراد إلى جماعتهم، وتشتدّ قوتها في أوقات الخوف والصراع، فتمنحهم الإحساس بالقوة والانتماء، لكنها في الوقت ذاته قد تزرع بذور التفرقة والظلم. ومن الناحية اللغوية، ترجع كلمة العصبية إلى «العصب» الذي يدل على الشدّ والربط، أما في الاصطلاح فهي التعصّب الأعمى والانحياز المطلق للجماعة. وقد مثّلت العصبية جزءًا مهمًا من تكوين المجتمعات القديمة، خاصة في البيئات القبلية والبدوية، فكان لها أثرها في تشكيل العلاقات والسلوكيات، بين إيجابيات تتمثل في التضامن والتكافل، وسلبيات تتجلى في الصراعات والتمييز. ولأهمية هذه الظاهرة، يجدر الوقوف على تطورها عبر مراحل التاريخ، من الجاهلية إلى الإسلام، ثم إلى العصر الحديث، لفهم أبعادها وآثارها على الفرد والمجتمع.

العصبية القبلية قبل الإسلام
شكّلت العصبية القبلية قبل بزوغ نور الإسلام العمود الفقري للحياة الاجتماعية في المجتمع العربي الجاهلي، إذ كانت القبيلة تمثل الملجأ والحماية والهوية، ويستمدّ الفرد منها قوته وكرامته ومكانته بين الناس. ولم يكن الانتماء للقبيلة مجرد رابطة نسب، بل كان عقدًا غير مكتوب يفرض على الفرد الولاء المطلق والطاعة العمياء، حتى لو تعارض ذلك مع مبادئ العدل والإنصاف. فكان الرجل ينصر قومه ظالمين أو مظلومين، ويقاتل دفاعًا عن اسم القبيلة لا عن الحق، فتتحول النزاعات الصغيرة إلى حروب طويلة تستنزف الأرواح والموارد، كما حدث في حروب مشهورة كداحس والغبراء والبسوس، حيث أشعل التعصب نار العداوة وأجّج روح الانتقام سنوات طويلة.

وقد أسهمت هذه العصبية في تكريس قيم التفاخر بالأنساب، وازدراء الآخرين، واحتقار الضعفاء، فغابت المساواة، وسادت شريعة القوة بدل شريعة الحق، وأصبح ميزان الكرامة يُقاس بمكانة القبيلة لا بسموّ الأخلاق أو رفعة السلوك. كما أدت إلى تفكك العلاقات بين القبائل، وانتشار الخوف وعدم الاستقرار، وتعطيل مظاهر العمران والتقدم. ورغم ما حملته العصبية من بعض الإيجابيات كحفظ التماسك الداخلي وحماية الأفراد، إلا أن آثارها السلبية كانت أعمق وأخطر، لأنها غذّت روح الصراع وأطفأت نور العدالة، وجعلت المجتمع يدور في حلقة مفرغة من الثأر والعدوان.

العصبية القبلية بعد الإسلام
جاء الإسلام ثورة أخلاقية واجتماعية شاملة، فهدم أركان العصبية الجاهلية، وأعاد صياغة مفهوم الانتماء على أساس الإيمان والعدل والإنسانية. فلم يعد التفاضل قائمًا على النسب أو اللون أو القبيلة، وإنما على التقوى والعمل الصالح، فذابت الفوارق، وتلاشت الحواجز المصطنعة بين البشر. وقد أعلن النبي ﷺ موقفه الصريح من العصبية حين قال: «دعوها فإنها منتنة»، فكان ذلك إعلانًا حاسمًا لنبذ كل دعوة تفرّق الصف وتزرع البغضاء في القلوب.

وفي المجتمع الإسلامي الأول، تجسّدت هذه القيم في أبهى صورها، حين آخى الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فامتزجت الدماء بالمحبة، وتلاقت القلوب على مائدة الأخوة الصادقة، وأصبح المسلم يرى في أخيه شريكًا في العقيدة والمصير، لا مجرد فرد من قبيلة أخرى. وتحوّلت النصرة من نصرة العصبية إلى نصرة الحق، ومن الدفاع عن الاسم إلى الدفاع عن القيم. ومع ذلك، بقيت بعض بقايا العصبية تظهر بين الحين والآخر، بحكم طبيعة النفس البشرية وتأثير العادات المتوارثة، إلا أن الإسلام وضع الضوابط التي تكبح جماحها، ودعا إلى معالجة الخلافات بالحكمة والعدل، وربط وحدة الأمة بوحدة الهدف والرسالة.

العصبية القبلية في العصر الحديث
على الرغم من التحولات الكبرى التي شهدها العالم في ميادين التعليم والاقتصاد والتقنية، وقيام الدول الحديثة على أسس النظام والقانون والمؤسسات، فإن العصبية القبلية لم تندثر تمامًا، بل أعادت إنتاج نفسها في صور وأساليب جديدة تتلاءم مع روح العصر. فلم تعد العصبية مقتصرة على القبيلة بالمعنى التقليدي، بل اتخذت أشكالًا أوسع، كالتعصب للعائلة أو المنطقة أو الجماعة أو الفكر، حتى غدت أحيانًا حاجزًا خفيًا يقف في وجه العدالة وتكافؤ الفرص.

وتبرز العصبية الحديثة في بعض المجتمعات من خلال المحسوبية والواسطة في الوظائف والمعاملات، حيث تُقدَّم روابط القرابة والانتماء على معيار الكفاءة والاستحقاق، مما يؤدي إلى إضعاف الثقة في المؤسسات، ونشر الشعور بالظلم والإحباط بين أفراد المجتمع. كما تظهر في الخطاب الإعلامي ومنصات التواصل الاجتماعي، عبر التفاخر المبالغ فيه بالأنساب، أو السخرية من الآخرين، أو تأجيج النزاعات القديمة في ثوب عصري، الأمر الذي يهدد السلم الاجتماعي، ويزرع الكراهية والانقسام بدل التفاهم والتعايش.

ومن أخطر آثار العصبية في العصر الحديث أنها تُضعف روح المواطنة والانتماء الوطني، إذ يتحول ولاء الفرد من الوطن إلى الجماعة الضيقة، فيقدّم مصلحتها الخاصة على المصلحة العامة، مما يعوق مسيرة التنمية والتقدم، ويحدّ من قدرة المجتمع على مواجهة التحديات المشتركة. كما قد تستغل بعض الجهات هذه النزعات لإثارة الفتن وتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية، فتتحول العصبية إلى أداة هدم بدل أن تكون رابطة تماسك. ومع ذلك، لا يخلو الواقع من جوانب إيجابية إذا أُحسن توجيه الروابط الاجتماعية، إذ يمكن أن تسهم في تعزيز التكافل وصلة الرحم ومساعدة المحتاجين، شريطة ألا تتعارض مع قيم العدالة والمساواة واحترام النظام، مما يجعل الانتماء قوة بناء لا سببًا للفرقة.


وخلاصة القول، إن العصبية القبلية ظاهرة ذات وجهين؛ قد تجمع الناس على التعاون والتناصر، وقد تفرقهم إذا انقلبت إلى تعصّب أعمى يطمس معالم الحق ويشعل نيران الفتنة. وقد أثبت التاريخ أن المجتمعات لا تنهض بالتمييز ولا تزدهر بالانغلاق، وإنما تُبنى على العدل، وتسمو بالأخلاق، وتترسخ بالتسامح والتعاون. لقد جاء الإسلام ليحرّر الإنسان من قيود العصبية، ويرفعه إلى أفق الإنسانية الرحب، حيث يكون ميزان التفاضل هو التقوى والعمل الصالح لا النسب ولا الانتماء الضيق. وفي عالمنا المعاصر، تظل الحاجة ملحّة إلى إحياء هذه القيم، حتى تتحول الروابط الاجتماعية إلى جسور للمحبة والوحدة والبناء، ويغدو الانتماء وعيًا راشدًا يسهم في صناعة مستقبل أكثر أمنًا وعدلًا وتماسكًا.



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: العصبية القبلية
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صورة وآية: معجزة الخلية العصبية هند طاهر منبر الحوارات الثقافية العامة 0 11-08-2013 11:21 PM
البرمجة العصبية الفكرية النفسيّة القلبيّة الروحيّة الشموليّة الراقية . . . !?! خلوصي طالب النور منبر الحوارات الثقافية العامة 4 08-31-2011 11:05 AM

الساعة الآن 05:26 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.