الموضوع
:
مُهاجر
عرض مشاركة واحدة
12-25-2025, 01:37 PM
المشاركة
437
مُهاجر
من آل منابر ثقافية
اوسمتي
مجموع الاوسمة
: 1
تاريخ الإنضمام :
Feb 2022
رقم العضوية :
16905
المشاركات:
647
رد: مُهاجر
لعل من بين الناس من يسير في حياته وفق خطة واضحة المعالم، أو على الأقل يمتلك قدرا من التنظيم يهديه الطريق، فيحمل مبادئ لا يحيد عنها، ووجهات نظر تعبر عن فكره، وقيمًا أخلاقية لا يساوم عليها، وأفكارا يميز بها بين الصواب والخطأ بوعي واتزان. فهؤلاء لا يعيشون عبثا، ولا يتحركون ارتجالا، بل يسيرون على بصيرة، ويقفون عند حدود رسموها لأنفسهم قبل أن يرسمها لهم غيرهم.
غير أن بين البشر من يصنفون في خانة الاستثناء، فيمنحون ما لا يمنح لغيرهم، ويؤذنون لأنفسهم بكسر نظام اعتادوا احترامه، وتبديل قناعات ظنوا أنها لا تتزحزح، وإعادة ترتيب الأهداف بما لا يسمح لسواهم، وكل ذلك بطيب خاطر ورضا نفس، لأنهم يرون في أولئك المختلفين منزلة خاصة، ومكانة لا ينازعهم فيها أحد.
لكن للاستثناء وجها آخر لا يقل قسوة، إذ قد يكون المرء ضحية له لا مستفيدا منه، فتضيع حقوقه في زحام المجاملات، ويؤجل استحقاقه لأن غيره نال التقديم، ويطلب منه الصمت حفاظا على خاطر مستثنى، فيتحول العدل إلى ترف، والحق إلى مؤجل، والإنصاف إلى خيار مؤجل لا موعد له.
وأولئك المستثنون قد يثيرون نفورا مكتوما في محيطهم، بسبب ما خصوا به من امتياز، فمنهم من يدرك ذلك فيستثمره بحكمة، أو يستغله بأنانية، ومنهم من يجهله جهلا تاما، فلا يدري سر الجفاء ولا سبب النفور، فيمضي في طريقه غير مدرك لأثره في قلوب الآخرين.
إن من امتلك رصيدا حقيقيا من المبادئ الراسخة، والأخلاق الثابتة، والرؤية المتزنة، لا عذر له أن يبدد ذلك كله في رعشة عاطفة، ولا مسوغ له أن يهدم بنيانه القيمي من أجل استثناء عابر، فبذلك يهدم ما بناه، ويفرط فيما شاده عبر السنين، ويقايض الثبات بالهوى.
أما من كان يعيش بلا بوصلة، ويتخبط في مسارات الحياة، ويضرب أكباد الفراغ بسياط تضييع الأوقات، فله أن يتشبث بمن يراه طوق نجاة، ونقطة تحول، إذ الحاجة تصنع التعلق، والفراغ يولد الارتهان، غير أن ذلك لا يمنح الشرعية لكل استثناء، ولا يبرر التفريط في الذات.
فالاستثناء الحق لا يمنح اعتباطا، ولا يسلم دون روية، بل يكون ثمرة التمحيص والتنقيب، والنظر المتجاوز لظاهر القول وبريق الحديث، لأننا حين نسلم القياد لغيرنا، نذوب في رؤاه، وننقاد لمعتقداته، فإذا بلغ التعلق منتهاه، استعصى الفكاك، وتعذر الانعتاق.
وعلى الصعيد الاجتماعي قد يلين الأمر، أما في ميادين العمل فإن الاستثناء إذا نزل من قمة الهرم كان أشد وطأة، إذ تتقلص القدرة على الاعتراض، ويغيب ميزان العدالة، فإذا وقع الحيف وجثم الظلم، بدا المشهد جليا حين ينال الامتياز من لا يستحق، ويحرم منه من هو أحق.
وحينها لا يملك كثيرون سوى التذمر والحديث الجانبي، يفرغون فيه الغضب والحنق، ويوجهون سهام النقد إلى المستثنى والمستثني، في غياب القدرة على التغيير، وضعف أدوات استرداد الحق.
أما من علم أنه في معية الاستثناء، واتخذ من تلك المزية مطية لجني المكاسب، وسحق الحقوق، والصعود على أكتاف الآخرين، فحقيق به أن يناله سخط الناس ونفورهم، لأن الامتياز حين يستغل يتحول إلى ظلم، وحين يوظف في غير موضعه يصبح خيانة للأمانة.
وفي المقابل، فإن من خص بالاستثناء وهو لا يعلم، فلا يد له فيما وقع، ولا وزر عليه فيما نسب إليه، وإن رأى الوجوه مكفهرة من حوله، لأنه يجهل السبب، ولا يدرك مواضع الخلل.
ومن نال الاستثناء حقا، فالأجدر به أن يجعله جسرا للخير، وكلمة طيبة، وخدمة صادقة، وأن يكون وسيلة لجمع المتفرق، ورد الحقوق إلى أهلها، لا سببا في سلبها أو تعطيلها.
أما إذا وقع الظلم، أو أخر الحق بسبب استثناء غير مستحق، فإن السبيل الأقوم هو سلوك الطرق النظامية والقانونية، ولا سيما في ميادين العمل، صونا للحقوق، ودفعا للظلم، وحفظا لميزان العدل من الانكسار.
رد مع الإقتباس