قديم 12-24-2025, 01:02 PM
المشاركة 431
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
كم للحياة من أطوار متقلبة، وكم لمن يسير في مناكبها من حال يموج ويمور، فلا يكاد يثبت على قرار، ولا يستقر على حال. فهي دول بين إقبال وإدبار، وتقلبات بين صفاء وكدر، وذلك هو المعنى الأصح والأدق حين نتأمل مسيرتها بعين البصيرة لا بسطحية العابرين.


نطوي صفحات أيامنا، فإذا بين سطورها من يسفح سواد حبره على ناصع بياضها، فيلطخ الجمال، ويشوّه المعنى، ويكدر صفو الرحلة. وليس ذلك إلا صدى قلوب اختبأ في سويدائها حقد دفين، فتفرعت منه شعب الحسد، وتشعبت عنه مسالك الغدر، واستفحلت فيه نوازع الأذى. والعجيب أن هذا الأذى قد يصدر ممن لا معرفة تجمعنا بهم، ولا عشرة سابقة تصلنا إليهم، سوى لقاء عابر أو تواصل عابر، ومع ذلك يتولد التنافر، ويشتد التناحر، من غير علة يقبلها العقل أو يبررها المنطق.



وقد يحاول المرء أن يقارب ويهادن ويساير، أملا في احتواء البوادر قبل استفحالها، فيمضي عمره يتلقى القواصم، حتى تتآكل في داخله معاني الإخلاص، وتبهت القيم، ويثقل عليه حمل الحلم، فيغدو الصبر حملا لا فضيلة. وفي المقابل، ثمة من يبتر الخبال من جذوره، ويختار السلام، وينجو بنفسه من استنزاف لا طائل منه، مؤثرا العافية على دوام الخصام، ومقدما صفاء الروح على جدل لا ينتهي.



وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل للصبر حد يقف عنده، ومنتهى ينتهي إليه؟ فالصبر فضيلة إذا كان وعيا، ورذيلة إذا صار استكانة، وهو خلق محمود إذا كان ضبطا للنفس، ومذلة إذا تحول إلى تعطيل للذات. والحكمة أن يُعرف للصبر موضعه، وأن يُضبط بميزان الكرامة، فلا يُجعل ستارا للظلم، ولا مبررا لإهدار النفس.



تمر بنا محطات الحياة ونحن نعلم يقينا أنها جبلت على اللقاء والفراق، فهذا مولود، وذاك مفقود، وبهذا التوازن تمضي الأيام. ومع ذلك نخاصم وننازع، ونحمل في كواهلنا أثقال العداء، كأننا نجهل أن السلام أهون كلفة، وأن الوئام أقرب سبيلا، وأن الصراع لا يورث إلا الإنهاك.



والصبر، وإن كان شحيح الحملة، كثير الفاقدين، يبقى من أعظم الصفات إذا وُضع في موضعه، إذ اقترن وعده بالفرج، وربطت عاقبته بحسن المنال. غير أن للصبر وجوها تتباين، في لونه وطعمه وريحه ومنتهاه، فهو ليس احتمالا أعمى، بل بصيرة نافذة، ومعرفة بحدوده، وإدراك لمخبوئه. وقد دعا إليه كتاب الله، وجعل له منزلة، ورصد له أجرا، لكنه لم يدع إلى صبر يهدر الكرامة أو يقتل المعنى.



وللصبر لذة لا يعرفها إلا من ذاقها بوعي، فهو يصقل الذات، ويهذب النفس، ويكشف المكنون، حتى تهفو الأرواح لمعانقة السكينة. وبه تروض النفس الجامحة، ويستقر العفو في القلوب، لا عن ضعف، بل عن قوة، ولا عن قهر، بل عن سمو.



وفي المقابل، ثمة من جعل الحسد وقود حياته، يتغذى على عثرات الآخرين، ويقتات من كبواتهم، وهو واقف على باب النجاح، لا يدخله، لأن مفاتيحه ليست في يده. وتبقى الدوافع في جوهرها واحدة، هي الأنا المتضخمة، التي لا تحتمل رؤية من ينافسها، ولو كانت مثقلة بالتقصير.


والناس في هذا الباب صنفان لا ثالث لهما: صنف يرفع أناه فوق كل اعتبار، فيقصر عطاؤه على ما يعود عليه بالنفع، ويغلق قلبه دون حاجات القريب والبعيد، ماضيا في دربه لا يلتفت لصوت الضمير. وصنف آخر يقصي نفسه ليدني غيره، فيواسي، ويعطي، ويبذر الأمل في قلوب أنهكها الألم، لا يبخل بجهد، ولا يضن بابتسامة، لأنه فهم أن العطاء بقاء، وأن الإيثار حياة.



وشَتّان بين هذين الصنفين، فالفارق بينهما سحيق، والمسافة بينهما بعيدة. وليس المقصود بالصبر الخضوع للمهانة، ولا القبول بمعاملة لا تليق بالإنسان، وإنما المقصود ألا يُقطع حبل الوصل ابتداء، وأن يُمنح التدرج فرصته، وتُسلك طرق الإصلاح بما لا ينفر ولا يؤذي.



وتلك هي فلسفة العاقل الذي خبر الحياة، فعلم أنها لا تملك وجها واحدا، بل تتقابل فيها الأضداد؛ فالخير يجاور الشر، والصدق يجاور الكذب، والوفاء يجاور الخيانة. واللبيب من يتكيف مع هذه السنن، ويجعل لنفسه متنفسا يتنفس به الحياة، دون أن يحبس روحه في زنازين الألم.



وخلاصة القول أن الصبر، وإن كان مر المذاق، فإنه يحلو بعاقبته، إذا اقترن بالحكمة، وسندته البصيرة، وحُرس بكرامة النفس. فبه يسمو الإنسان، وبه ينجو، وبه يبلغ غاية السلام، فيرتقي، ويكون من الظافرين.

قديم 12-24-2025, 01:12 PM
المشاركة 432
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
كم للحياة من أطوار متقلبة، ولمن يمشي على مناكبها يموج ويمور بين تقلب الحال والأحوال، لا يكاد يثبت على حال، فذاك هو المعنى الأصح والأدق. نطوي صفحات أيامنا، بين سطورها من يسكبون سواد حبرهم على ناصع صفحاتها، مختبئين في سويداء القلوب، بين حقد دفين يتفرع منه الحسد والغدر، وبين عوالم الخير والمودة والوفاء.



العجيب أن ذلك قد يصدر من أناس لانعرفهم، وقد يجمعنا لقاء عابر، أو تصافح بحروف على عديد المواقع، ومع هذا يكون التنافر والتناحر، دون سبب يُفسره العقل، فيبقى الإنسان مذهولًا، متسائلًا عن سر تلك القلوب، عن ما يُغذي ضغائنها، وعن حدود الصبر التي قد تُستنزف قبل أن يرف له جفن.
فالإنسان الواعي يُقارب ويهادن ويساير، متأملاً الخروج من بوادر الخلاف، فيصقل الصبر في داخله، وينتظر أن تثمر الحكمة، بينما يبقى الآخر، ضعيف الحول، صامتًا أمام سياط التجريح، غير قادر على تجاوز العناد، متشبثًا بالأنا، مشغولًا بالذات، متناسيًا قيمة الإخلاص، مغلقًا قلبه عن أي شعور بالضمير، ومحرومًا من بهجة العطاء.



أما الإنسان الذي يتحلى بالوعي، فيقصي ذاته ليقرب غيره، يفتح الأبواب للخير، يملأ القلوب بالسعادة، يواسي الهموم، ويبعثر ورود الأمل، فلا مكان للغضب أو الحقد في قلبه، فيرتقي فوق الصغائر، ويعلو فوق الأنانية، فيصبح صوته نبرة رحمة، وكلماته منارة، وعطاؤه نورًا يُضيء الظلمات، ويحول القسوة إلى عطاء، والغل إلى تسامح، والانتقام إلى صدق في النية، وحسن تعامل مع الآخر.



الصبر هو الملاك الخفي، وهو مفتاح الفرج، وهو الجسر بين الكدر والصفاء، بين الحيرة واليقين، بين السقوط والارتقاء، ومن يقدره، يرفع مقامه، ويصقل ذاته، ويهذب أخلاقه، ويعلو بقيمه، فيصبح العطاء مستمرًا، والإبداع متألقًا، والتجارب دروسًا متجددة، والقلوب مفتوحة على الخير والصفح والرحمة.
النقد البنّاء هو ربيع الفكر، يفتح أبواب الإدراك، ويغرس الحكمة في النفوس، ويوقظ العزيمة، ويحوّل السقوط إلى درس، والفشل إلى تجربة، ويشعل شعلة السعي نحو الكمال، ويمنح الإنسان القدرة على تجاوز كل عائق، ليصبح كالشمعة، تنير دروب الآخرين دون أن تفنى، كالنهر الجاري، ينساب بين الصخور متجاوزًا كل عائق، مغذيًا الأرض من خيره، وموصلًا العطاء إلى كل محتاج.



أما النقد الهدام فهو الريح العاتية، يقلب المعاني، ويعمي الأبصار، ويشل المبادرات، ويقتل روح الإبداع، ويترك أثرًا مدمرًا في النفوس، فيصبح الإنسان رهين الخوف والقلق، مترددًا بين التراجع والانكسار، محاصرًا بسياط التجريح، فاقدًا لمعنى العطاء، ومقيدًا بإرادة الآخرين، ضائعًا بين الظنون والاتهامات، متخبطًا في دهاليز الحيرة.



لذلك، فإن التمييز بين النقد البنّاء والنقد الهدام هو علم وفن ومهارة، من عرفه أفلح، ومن لم يعرفه انغمس في تيه الانكسار. النقد البنّاء هو الذي يصقل الروح ويقوي العزيمة، ويعطي القلب نورًا، ويغرس في العقل بذور الفهم، ويهذب النفس، ويخرج الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة، ومن حيرة العجز إلى ثقة الأداء، ومن ضيق الأفق إلى اتساع المدارك، فيصبح الإنسان قادرًا على تحويل كل تجربة إلى منارة، وكل موقف إلى درس، وكل كبوة إلى فرصة، وكل لحظة فشل إلى عودة أقوى.




بهذا يكون الإنسان قد بلغ حكمة التعامل مع نفسه ومع الآخرين، وقد أصبح متنبهًا لقيمة العطاء، واعيًا بحدود الصبر، متفردًا بالوعي، متناغمًا مع الحياة في تقلباتها، ورافعًا راية التفوق، مزهرًا الخير، باحثًا عن الحقيقة، صانعًا من كل موقف درسًا، ومن كل كلمة أثرًا، ومن كل تصرف جسرًا يصلح النفوس، ويغذي العقول، ويشعل جذوة الإبداع، ويزرع في القلوب الأمل، فيصبح الإنسان نموذجًا حيًا للتميز، ومثالًا للوعي، ومرجعًا للفكر، وموسوعة للحكمة، وقيمة تتوهج في كل زمان ومكان.

قديم 12-24-2025, 07:21 PM
المشاركة 433
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
تثور أحيانا تساؤلات كثيرة تقطع هجعة الراحة، فلا هي توقظ وعيا مطمئنا، ولا تترك للنفس سكينة آمنة، كأنها نداء خفي يطرق أبواب العقل حين يظن أنه بلغ قرار الطمأنينة. وليتها تضيف في سجل حياتي بصمة وجود، أو تترك في هامش الأيام أثرا يدل علي، فتكون لي محطة عبور لا مقام، ووقفة تأمل لا استسلام، أقلب فيها دفتر الذكريات المفقودة، وأعيد ترتيب ما بعثره الغياب، لعل العقل يستعيد نشاطه، وإن كان في يقظته هلاكه، إذ ليس كل هلاك خسارة، ولا كل سلامة نجاة.



غير أنها تفاقم الوجع، وتستحضر ألما نتقن الهرب منه، لا شجاعة، بل حفاظا على آخر ما تبقى لنا من رمق الحياة، فنفر منه بقدر ما نقوى عليه، ونعود إليه بقدر ما يقوى علينا، في دورة لا تنكسر، وسؤال لا ينطفئ.
هي صحارى الجفاء إذا امتدت، وفياف التيه إذا استحكمت، تقطع للسائر فيها الأنفاس، فلا ظل يستظل به، ولا أفق يهتدي إليه، سوى أثر قدميه يتقدمان، وقلبه يتراجع.



وفي زقاق الحياة، نحسب أننا الوحيدون من الخلق الذين كُتب لهم على هذه البسيطة البقاء، وأن ما سوانا عدم عابر أو ظل زائل، فإذا بالحقيقة تكشف وجها آخر، وتدلنا على أن الوجود أوسع من أجسادنا، وأعمق من أعمارنا.
فهناك عوالم تشاركنا الحياة، لا تُرى بالأبصار، ولا تُلمس بالأيدي، وليست من بني جنسنا، ولا من الذين خُلقوا من نار ولا نور، لكنها تسكننا كما نسكنها، وقد تجاوزت النبات والحيوان والطير، وكل ما يخطر ولا يخطر على بال.



تلكم العوالم هي المشاعر والأحاسيس، لا تُرى فتُجحد، ولا تُلمس فتُنفى، لكنها تحكم الفعل قبل الإرادة، وتسبق القرار قبل القناعة، وتختمر في العقل، وتمتزج في القلب، وتصوغ الإنسان قبل أن يظن أنه صاغ نفسه.

قديم 12-24-2025, 07:24 PM
المشاركة 434
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
أهجر نومي قهراً، حين يشاغبني طيفك...
وإن كان طيفاً زائراً، من غير ملامح.

قديم 12-24-2025, 07:26 PM
المشاركة 435
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
قد يقودك قلبك إلى حتفك...
وليس شرطاً أن تكون نهايتك بفناء جسدك...
قد تكون نهايتك بذهاب كرامتك وعقلك.

قديم 12-24-2025, 08:11 PM
المشاركة 436
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
رأيت من أعظم الابتلاءات ما يقصم ظهر صبر الإنسان حين يكون قلبه مرهونًا عند من يستحيل أن يكون نصيبه.

قديم 12-25-2025, 01:37 PM
المشاركة 437
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
لعل من بين الناس من يسير في حياته وفق خطة واضحة المعالم، أو على الأقل يمتلك قدرا من التنظيم يهديه الطريق، فيحمل مبادئ لا يحيد عنها، ووجهات نظر تعبر عن فكره، وقيمًا أخلاقية لا يساوم عليها، وأفكارا يميز بها بين الصواب والخطأ بوعي واتزان. فهؤلاء لا يعيشون عبثا، ولا يتحركون ارتجالا، بل يسيرون على بصيرة، ويقفون عند حدود رسموها لأنفسهم قبل أن يرسمها لهم غيرهم.



غير أن بين البشر من يصنفون في خانة الاستثناء، فيمنحون ما لا يمنح لغيرهم، ويؤذنون لأنفسهم بكسر نظام اعتادوا احترامه، وتبديل قناعات ظنوا أنها لا تتزحزح، وإعادة ترتيب الأهداف بما لا يسمح لسواهم، وكل ذلك بطيب خاطر ورضا نفس، لأنهم يرون في أولئك المختلفين منزلة خاصة، ومكانة لا ينازعهم فيها أحد.


لكن للاستثناء وجها آخر لا يقل قسوة، إذ قد يكون المرء ضحية له لا مستفيدا منه، فتضيع حقوقه في زحام المجاملات، ويؤجل استحقاقه لأن غيره نال التقديم، ويطلب منه الصمت حفاظا على خاطر مستثنى، فيتحول العدل إلى ترف، والحق إلى مؤجل، والإنصاف إلى خيار مؤجل لا موعد له.
وأولئك المستثنون قد يثيرون نفورا مكتوما في محيطهم، بسبب ما خصوا به من امتياز، فمنهم من يدرك ذلك فيستثمره بحكمة، أو يستغله بأنانية، ومنهم من يجهله جهلا تاما، فلا يدري سر الجفاء ولا سبب النفور، فيمضي في طريقه غير مدرك لأثره في قلوب الآخرين.



إن من امتلك رصيدا حقيقيا من المبادئ الراسخة، والأخلاق الثابتة، والرؤية المتزنة، لا عذر له أن يبدد ذلك كله في رعشة عاطفة، ولا مسوغ له أن يهدم بنيانه القيمي من أجل استثناء عابر، فبذلك يهدم ما بناه، ويفرط فيما شاده عبر السنين، ويقايض الثبات بالهوى.



أما من كان يعيش بلا بوصلة، ويتخبط في مسارات الحياة، ويضرب أكباد الفراغ بسياط تضييع الأوقات، فله أن يتشبث بمن يراه طوق نجاة، ونقطة تحول، إذ الحاجة تصنع التعلق، والفراغ يولد الارتهان، غير أن ذلك لا يمنح الشرعية لكل استثناء، ولا يبرر التفريط في الذات.



فالاستثناء الحق لا يمنح اعتباطا، ولا يسلم دون روية، بل يكون ثمرة التمحيص والتنقيب، والنظر المتجاوز لظاهر القول وبريق الحديث، لأننا حين نسلم القياد لغيرنا، نذوب في رؤاه، وننقاد لمعتقداته، فإذا بلغ التعلق منتهاه، استعصى الفكاك، وتعذر الانعتاق.



وعلى الصعيد الاجتماعي قد يلين الأمر، أما في ميادين العمل فإن الاستثناء إذا نزل من قمة الهرم كان أشد وطأة، إذ تتقلص القدرة على الاعتراض، ويغيب ميزان العدالة، فإذا وقع الحيف وجثم الظلم، بدا المشهد جليا حين ينال الامتياز من لا يستحق، ويحرم منه من هو أحق.


وحينها لا يملك كثيرون سوى التذمر والحديث الجانبي، يفرغون فيه الغضب والحنق، ويوجهون سهام النقد إلى المستثنى والمستثني، في غياب القدرة على التغيير، وضعف أدوات استرداد الحق.


أما من علم أنه في معية الاستثناء، واتخذ من تلك المزية مطية لجني المكاسب، وسحق الحقوق، والصعود على أكتاف الآخرين، فحقيق به أن يناله سخط الناس ونفورهم، لأن الامتياز حين يستغل يتحول إلى ظلم، وحين يوظف في غير موضعه يصبح خيانة للأمانة.


وفي المقابل، فإن من خص بالاستثناء وهو لا يعلم، فلا يد له فيما وقع، ولا وزر عليه فيما نسب إليه، وإن رأى الوجوه مكفهرة من حوله، لأنه يجهل السبب، ولا يدرك مواضع الخلل.


ومن نال الاستثناء حقا، فالأجدر به أن يجعله جسرا للخير، وكلمة طيبة، وخدمة صادقة، وأن يكون وسيلة لجمع المتفرق، ورد الحقوق إلى أهلها، لا سببا في سلبها أو تعطيلها.


أما إذا وقع الظلم، أو أخر الحق بسبب استثناء غير مستحق، فإن السبيل الأقوم هو سلوك الطرق النظامية والقانونية، ولا سيما في ميادين العمل، صونا للحقوق، ودفعا للظلم، وحفظا لميزان العدل من الانكسار.

قديم 12-25-2025, 01:55 PM
المشاركة 438
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
لا يخلو منتدى من المنتديات، ولا مجلس من المجالس، إلا ويطرق فيه باب الخلاف بين الرجل والمرأة، حتى كأن الخصومة بينهما قدر سرمدي، وصراع أبدي لا يبرح ساحته أحدهما إلا ليغلب الآخر أو يفنيه. يرفع كل طرف لواء المظلومية، ويسوق من الشواهد والمبررات ما ينوء بحمله الثقلان، ليبرر موقفه ويثبت دعواه، ويلقي بالكرة في ملعب خصمه فرارا من السؤال، وهروبا من مواجهة الذات.


وفي خضم هذا الجدال المحتدم يغيب العقل، وتتراجع الحكمة، ويصبح هدم حجة الخصم غاية في ذاتها، لا وسيلة لبلوغ الحق، فتضيع الحقيقة بين صخب الأصوات، ويغيب الميزان الذي به توزن الأمور. والحقيقة الجلية التي لا تقبل الجدل أن الحياة قائمة على الذكر والأنثى معا، وأن العلاقة بينهما في أصلها علاقة تكامل لا تصارع، وتعاون لا تنافر، وما يتسلل إلى هذه العلاقة من خلافات إنما هو عوارض وهوامش لا تنفك عن طبيعة الحياة المتقلبة، إذ لم تخلق الدنيا على وتيرة واحدة، ولا استقرت على حال واحدة.



فالذكر محتاج إلى الأنثى، والأنثى محتاجة إلى الذكر، حاجة الفطرة قبل حاجة الواقع، ومن تعامى عن هذه الحقيقة، أو حاول نفيها، إنما يمارس مكابرة تخرجه من منطق الحياة، وتضعه في مواجهة السنن التي أقام الله عليها الكون.



وقد جاء الإسلام فأرسى دعائم المجتمع، وسن النظم والقوانين التي تحفظ الحقوق وتصون الكرامات، وجعل العدل مظلة يستظل بها كل من ناله ظلم أو لحقه جور، فجعل الحقوق والواجبات متبادلة بين الجنسين، لا تطغى إحداها على الأخرى، ولا تستقيم إلا بمعرفة حدها ومداها. والجهل بهذه المنظومة هو أصل البلاء، إذ يجعل الإنسان يسير في مناكب الأرض متجاوزا الحد، وهو يحسب أنه يحسن صنعا، فيخاصم الخلق وهو ألد الخصام.



ومن أبرز ما يثار في هذا السياق حديث المرأة عن حقوق ترى أنها جردت منها، أو انتقصت، أو أهدرت تحت مسميات شتى، من عرف، أو تقليد، أو وصاية مغلظة. ويأتي في مقدمة ذلك حق الاختيار، اختيار المصير في الزواج، واختيار مسار التعليم، واختيار ما يتصل بالحياة الخاصة في حدود ما أذن به الشرع، بعيدا عن التقزيم، أو الإهانة، أو الانتقاص من الكرامة الإنسانية.



غير أن النظر المنصف يقتضي التفريق بين حق مشروع، ومطلب متوهم، وبين ما أقره الشرع، وما أملته الأهواء. فحق المرأة في المشورة والاستئذان في الزواج ثابت لا مراء فيه، كفله الإسلام صيانة لها، وحفظا لمصلحتها، غير أن هذا الحق لا يعني إقصاء دور الأسرة، ولا إلغاء نظر الولي، إذ كثيرا ما يكون رفض بعض الزيجات نابعا من إدراك أعمق لعواقب الأمور، لا من تسلط مجرد.



وفي المقابل، فإن من الفتيات من تأخذهن العاطفة، فتغفل عن السؤال عن كنه الخاطب، وأخلاقه، ودينه، واستقامته، فتقصر النظر على ظاهر القول، وبريق الشعور، دون تمحيص أو روية. ومن الحكمة أن تنقل الفتاة نظرتها من موقع الندية المتعجلة إلى موقع التأمل الرشيد، وأن تنظر إلى حرص الولي، إن كان صادقا، على أنه حماية لا قيدا، ووقاية لا حجرا.


أما التعليم، فقد بات حقا مكفولا، تسعى الدول إلى توفيره، وتفتح له الأبواب، حتى بلغت المرأة فيه مراتب عليا، غير أن بعض التحفظات التي تثار أحيانا لا تكون وليدة عداء للعلم، بل خوفا من انزلاق في السلوك، أو تجاوز في القيم، وهو خوف قد يكون مبررا في بعض صوره، ومبالغا فيه في صور أخرى، مما يستدعي الحوار لا القطيعة، والإقناع لا الفرض.




وأما الحب، فإنه لا يكون مشروعا إذا انفلت من ضوابطه، ولا يصح أن يتخذ ذريعة لتبرير علاقات عابرة، أو تواصل خارج إطار الزواج، تحت وهم النهاية السعيدة. فما وضعت ضوابط الشرع إلا سياجا يحفظ القلوب من الانكسار، ويصون النفوس من الخداع، ويقلل من آهات المكلومين والمخدوعين. وقد أظهر الواقع أن كثيرا من العلاقات التي رفعت راية الحب انتهت إلى خيبات موجعة، وكرامات منتهكة، لأن الحب حين ينفصل عن القيم يتحول إلى أداة هدم لا بناء.



ولا يصح أن يضفى على الخطأ ثوب الشرعية لمجرد شيوعه، ولا أن يجعل التواتر دليلا على الصواب، فكم من باطل شاع، وكم من حق حورب، والميزان في ذلك كله هو ما وافق الشرع، وحقق المصلحة، ودفع المفسدة.




وفي خضم هذه المطالب، يقع الإشكال حين تتحول الأعراف إلى دين، وتلبس العادات لبوس المقدسات، فيحرم الحلال، ويقيد المشروع، باسم الحرص تارة، وباسم الغيرة تارة أخرى. ومع ذلك، فإن معالجة هذا الخلل لا تكون بالتصادم الأعمى، ولا بالتمرد الفج، بل بالحوار الهادئ، والتدرج الحكيم، وإيضاح الفرق بين ما هو عرف حسن، وما هو قيد مصطنع.



ولا يمكن إنكار أن بعض النساء في هذا الزمان حملن أعباء مضاعفة، فجمعن بين مسؤوليات العمل ومتطلبات البيت، وتحملن ما كان يفترض أن يتقاسمه الطرفان، مما جعل الحاجة إلى إعادة التوازن أمرا ملحا، لا صرخة عاطفية. وليس في ذلك انتقاص من دور الرجل، بل تصويب لمساره، ليعود إلى موقع القوامة بمعناها الحق، لا بتسلط ولا بإهمال.




وما من ظلم يقع على المرأة إلا وكان وراءه بعد عن منهج الدين، أو جهل بأحكامه، فالإسلام رفع شأن المرأة، وحفظ كرامتها، وجعل إهانتها دليلا على لؤم الطبع، لا رجولة الخلق. ولو التزم الناس بأدب القرآن، وسنة النبي، لامتلأت البيوت رحمة، وسكنت القلوب طمأنينة، ولساد التراحم بدل التنازع.
إن جوهر الإشكال ليس في الحقوق ذاتها، بل في الوعي بها، والتمييز بين مشروعها ومتوهمها، وبين ما يسترد بالحكمة، وما يطلب بالصبر، وما يعالج بالحوار. فالثقافة، والتوعية، والرجوع إلى أصول الدين، هي السبيل لتبديد ظلمات التعصب، وتفكيك عقول الجمود، وبناء علاقة صحية بين الرجل والمرأة، قوامها العدل، وسقفها الرحمة.




فالكون كله قائم على التناغم، من الذرة إلى المجرة، ومن الذكر إلى الأنثى، والخير هو الأصل، والشر عارض طارئ. وما بقاء الحياة إلا بالتكامل، وما اندثارها إلا بالصراع. ومن هنا، فإن الواجب قبل الخوض في أي قضية أن يكون لنا من المعرفة نصيب، ومن الوعي رصيد، حتى لا نخوض لجج الخلاف بغير بوصلة، ولا نرفع رايات المطالبة بغير بصيرة.



فإذا كان الميزان هو الشرع، وكان الحوار هو الوسيلة، وكانت الحكمة هي النهج، استقامت الطريق، وهدأت النفوس، وعاد لكل ذي حق حقه، بلا إفراط ولا تفريط.

قديم 12-25-2025, 05:49 PM
المشاركة 439
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
لا تزال تلك الرحلة إلى البقاع المقدسة، منذ سنوات طويلة، عالقة في عقلي، وقد تشربها قلبي، فما مررتُ بموقف إلا وخطّ أثره في دفتر ذكرياتي، حتى صارت الرحلة لوحة تتنفس بين صفحات حياتي.



فكانت الرحلة برفقة نفسي، رفيقة الروح التي لم تفارقني، وهي أول تجربة في حياتي، تجربة اجتزت فيها حدود الزمان والمكان، واختبرت فيها أعماق ذاتي، واستشعرت فيها نفحات الروحانية التي لا يعرفها إلا من سار في دروب السكون والتأمل.



في كل لحظة رافقتها تفاصيل دقيقة، ولو دقّت حالها، فتعمدت العيش في كل لحظة بكل شعور، مستشعراً كل واجب ومندوب ومسنون جاء به الدين الحنيف، وكأنّ الزمن كله قد تراجع أمام عظمة تلك اللحظات، وكأن القلب قد صاغ له مساراً بين السماء والأرض.



ولم أجد كمثل ذلك يخط طريقك لتصل إلى تلك المقامات، التي استقر فيها وامتزج فيها أبدال الله في الأرض، فكان كل حجر وكل تلّ، وكل نسيمٍ يمرّ عليّ يذكّرني بعظمة الخالق وبحكمته التي تحيط بكل شيء.



وكي لا أغوص في عمق الرحلة، واستجلب لكم الملل، توقفت عند المواقف التي بينت لي معنى الحياة، بعدما انعتقت وانفصلت عن عالم المحسوس، فقد كنت أسير جسداً في الأرض، وروحاً تحلّق في الملكوت، أرى ما وراء الحجب، وأسمع ما وراء الكلمات، وأشعر بما لا يلمسه إلا من فتح قلبه للسماء.
فعندما وصلت مشارف الحرم، رأيت المكان بلا بنايات تناطح السحاب، ولا مركبات تنبعث منها الملوثات، بل كانت بطحاء تحيط بها التلال، سكونٌ يملأ المكان، ونقاءٌ يحيط بالروح، وكأن الأرض نفسها تنحني إجلالاً للقداسة.
كنت حريصاً على اقتفاء الأثر، حتى وإن خضب الطريق ذلك الأسفلت المنيع، وأنا أقلب نظري رجعت إلى الوراء لألف سنة، يتلوها الأربعمئة من بعثة المعصوم، تلك دار عمر، وذاك دار الأرقم، ورأيت الصحابة في الأسواق يتناجون ويتذاكرون، ينظرون إليّ تعجباً، وقد أتيتهم من عالم ثانٍ، عالم الروح والصفاء.




دخلت الحرم، ورأيت الكعبة، وأولئك الطائفون الملبون، كلّ له حاجته، وكلّ له دعاء يرفعه إلى السماء، وكم أحزنني كثيراً تلك المشاهد حين وجدت الغفلة والتقاط الصور، وكأنهم في نزهة سياحية، وكنت أقول في نفسي: ألا يستحون أمام قدسية المكان؟



طفت وسعيت، وفي السعي انتقلت إلى عهد الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وسعي أمنا هاجر، وهي تضرب برجلها لتسقي الذبيح إسماعيل، وعن ماء زمزم لا تسل، ففيه السر العظيم، سرٌ لا يراه إلا من سلك الطريق بصدق القلب، ومن فتحت روحه لتلقي النور.



وفي كل خطوة، شعرت بأن الزمن يتلاشى، وأن القلب يتسرب إلى رحاب السماء، وأن الروح تجد فيها مرساها، فتصبح الرحلة ليست مجرد مسير بين المكان، بل مسير بين النفس والله، بين الخلق والخالق، بين الأرض والسماء، بين الحاضر والخلود.

قديم 12-25-2025, 06:22 PM
المشاركة 440
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
وأنا في رحلتي تلك، وفي مكاني ذاك، توجهت إلى الشارع عازماً الذهاب لزيارة تلك المعالم: جبل أحد، ومسجد قباء، والبقيع. أوقفت سيارة الأجرة، وإذا بقائدها رجل عجوز يسألني: أين العزم؟ فأخبرته بأن وجهتي جبل أحد وقباء والبقيع.



تعجب مني، فقال: يا بني، البقاع التي تذكرها في المدينة المنورة وليست مكة!


أخبرته أن يوصلني إلى الحرم، وفي السيارة اعتذرت منه بعدما اختلط عليّ الأمر، فقال: كلٌ له همومه، وكلٌ له تفكيره، وكلٌ يحمل في قلبه ثقل الحياة وأوجاعها، وكلٌ يسعى بين الدروب ليخفف عن نفسه وطأة الأيام، وكلٌ يبحر في عواصف الحياة ليصل إلى برّ السلام الداخلي. ثم تنهد تنهيدة طويلة، كأنه يسحبها من أعماق قلبه، وسكت طويلاً، كأن الزمان توقف ليصغي إلى صمته، وكأن المكان احتوى ثقل الحزن الذي يحمله.


بعدها سألته عن سبب حزنه، فقال: فقدت زوجتي منذ سنة، وهذا حالي. جعلت الشارع سلواي أتناسى به همي، لكن أعظم هم عندي لا يزول إلا حين أعود إلى البيت، حين أفتح الباب وأجد كل زاوية تنطق باسمها، وكل ركن يذكرني بضحكتها، وكل صورة تعانق قلبي، وكل رائحة تهمس لي بأن الحب لم يمت، بل بقي حياً في صمت المكان، وفي ذكرياتنا المشتركة، وفي أعماق روحي التي لا تعرف النسيان. في تلك البقعة بكينا، وهناك ضحكنا، وهناك تواسينا، وهناك الحياة نفسها أحسست بها تدق في كل شيء حولي، كأن روحها ما زالت تعانق روحي، كأن حبنا لم ينقطع، بل امتد من القلب إلى القلب، ومن الذكرى إلى الذكرى، ومن الماضي إلى الحاضر، ومن الأرض إلى السماء.



حدثني وهو يدافع عن دموعه، ثم انقطع حديثه، وقد خفت عليه بعدما جاش بما في قلبه ونطق به لسانه، وكأن الكلمات لم تعد كافية لتسبر أغوار الحزن، وكأن الصمت أبلغ من أي حروف يمكن أن تنطق بها الشفاه.
هو يحدثني، وأنا في بعد آخر، في تلك اللحظة انفصلت عن الزمان والمكان. استقطبت الحاضر والمعاصر عن حال واقعنا، عن العلاقات العابرة التي ليس لها ميثاق، وتلك التي يحفظها الميثاق، عن الحب الذي يختزل كل شيء، عن الوفاء الذي يحفظ كل عهد، وعن الصدق الذي يروي القلوب ويملأ الأرواح سلاماً.



حينها برز في عقلي هذا السؤال: ما هو الحب؟ ما لونه؟ ما طعمه؟ ما معناه؟ علمت بأن لهذا السؤال آلاف المعاني لتلك المفردة، وأن كل قلب يجيب عليه بطريقته، وأن كل روح تراه بنظرتها الخاصة، وأن لكل تجربة مع الحب لونها ورائحتها وطعمها ووقعها في النفس، وأن الحب ليس كلمات عابرة، بل هو حياة تتنفس في العيون، وهو وفاء يكتب على الجدران، وهو صدق يروي الأيام، وهو تضحيات تسكن في الأعماق وتنبض في الصدور.



وأقطع ذلك الاسترسال باستحضار حال هذا الرجل الكبير في السن، ذلك الحب، كيف يراه؟ الكثير منا يجنح لتلك الكلمات العذبة المتبادلة، وللغزل العميق الذي يزين الحوارات، لكن كيف كان هذا الرجل يتعاطى معه؟ هل كان يغدق زوجته بتلك الكلمات العذبة؟ أم كان الحب لديهم فعلاً لا قولاً، حيث تُرجم ليكون الوفاء والإخلاص، والصدق والتضحيات، هو أساس معناه، هو جوهره، هو روح العلاقة، هو ما يبقى بعد زوال كل الكلمات، وما يصمد أمام مرور الزمن والعواصف؟


مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 105 ( الأعضاء 0 والزوار 105)
 

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:33 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.