صفحة منابر ثقافية على التويتر صفحة منابر ثقافية على الفيسبوك


العودة   منتديات منابر ثقافية > المنابر الأدبية > منبر القصص والروايات والمسرح .

أهلا بآل منابر ثقافية

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: عبارات مؤثرة راقت لك (آخر رد :ناريمان الشريف)       :: مقهى منابر والمقاهي الثقافية (آخر رد :ناريمان الشريف)       :: أبشـــــــروا أيهـــــــــا المذنبــــــــــون (آخر رد :ناريمان الشريف)       :: أليس عجيبا أن ترى (آخر رد :ناريمان الشريف)       :: حفنات ياسمينية تدل طريقها... (آخر رد :ياسمين الحمود)       :: بث مباشر للزميلة ناريمان الشريف (آخر رد :ناريمان الشريف)       :: الحان السماء (آخر رد :ناريمان الشريف)       :: تعالوا نكتب 1000حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (آخر رد :ناريمان الشريف)       :: غرفة ضيافة (آخر رد :ناريمان الشريف)       :: [ كلمات ٌ قصيرة ................. معان ٍ كبيرة ] (آخر رد :ناريمان الشريف)      

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 08-16-2020, 04:34 PM   #1

رشيد عانين

من آل منابر ثقافية

 
الصورة الرمزية رشيد عانين

 
تاريخ التسجيل: Jun 2020
الدولة: المغرب
المشاركات: 39
معدل تقييم المستوى: 0
رشيد عانين is on a distinguished road
افتراضي سبع رصاصات في قلب ودود

سبع رصاصات في قلب ودود
في حديقة هايد بارك بعاصمة بريطانيا لندن التقيت وصديقي للنزهة، فأخذنا الحديث عن الأحداث الأخيرة وتأثيراتها على القضية الفلسطينية وانعكاساتها على القادم من الأيام خاصة ونحن مقبلون على يوم الأرض وتظاهرات يقال أنها ستكون مليونية من أجل القدس الذي يئن تحت وطأة الاحتلال الصهيوني. قلّبنا صفحات الجرائد بحثاً عن مقال يتناول قضيتنا لكن صديقي حاصرني بسؤاله: ماذا تختزن ذاكرتك عن يوم الأرض وأنت المولود هناك؟ وماذا يمثل لك هذا اليوم يا ودود؟ ساعتها أحسست أن صديقي هزّني بعنف بأسئلته التي كانت حروفها صادمة. أخذت نفساً عميقاً وشددت الرحال إلى زمن قريتنا إذ الصباح الجميل والنسيم العليل يَغْسِلُ وجهي كل يوم أستيقظ فيه باكراً كي أطالع دروسي قبل التوجه إلى بوابة العلم والمعرفة؛ مدرستي التي لا تبعد عن بيتنا المتواضع، وعن زيتونتنا الضاربة جذورها في أعماق التاريخ سوى بضع دقائق، في قلب قريتنا الجميلة بنسيم واديها، ووفرة مياهها العذبة، وزيت زيتونها العتيق، ومحبة أهلها الطيبين الطاهرين، عمو ياسين وعمو عزام وعمو صلاح، هؤلاء هم نجوم قريتنا، نجلس إلى مجالسهم، ونأتمر بأوامرهم، والحياة معهم تغدو سلسة، مخملية الملمس، حلوة المذاق، طيبة المعاشرة.
قريتنا هي قيمتنا، فترابها أغلى من الذهب مشى عليه الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، ورائحة تراب قريتنا أطيب من ريح المسك ونباتها مبارك، زيتون و نخل و رمان، وجداولُ مياهٍ تجري بإذن الحنان المنان، تبارك الرحمن صنع كل شيء بإحسان.
في قريتنا لا تخاف الطيور على وُكُناتها، فالسلام والأمان ظاهرٌ جليٌ في كل ركن من أركان القرية، والروابط متينة بين أفراد القرية شيبا وشبابا، ونحن أطفال كنا نتشرب هذه الأخلاق العالية في متون أحاديث شيوخنا العظام، وتميل الشمس إلى الغروب فتزدان قريتنا بنجوم تتسطح تواضعاً فوق وجه الوديان والجداول، ويظهر القمر خجولا متكسرا على سطح الماء، ولليل حكايات أخرى وذكريات مدفونة في بطون بيوت لو سألتها لقالت من هنا مر رجال عمروا الأرض حباً وعدلاً، وعلى هذه الصخرة بكى الفاروق، فكل شيء في قريتنا مسكون بحديث الليل، فالشجر والحجر والبحر والنهر والطير، الكل هنا يتحدث، ولكنكم لا تفقهون حديثهم. مواجع الزمان تركت أخاديداً على المكان سوداً وبيضاً تحكي أهوال القيامة قبل القيامة، في قريتنا رأينا المعجزات رأي العين، أطفالاً رُضّعا يتكلمون ويشجبون كما يشجبون القادة العرب، ويفهمون في السياسة والخطب، في قريتنا حب وحرب، حب للأرض ولترابها وحرب على غزاتها.
في قريتنا الزمن يتوقف، والمكان أديمه صفحات كتاب بين أسطره عز وهوان، نصر وخذلان، غنى وحرمان ..........
في قريتنا، قتلوا أبي وأمي، قتلوا من يمسح دمعتي، قتلوا في قلبي الحنان، قتلوا في براءة الطفولة، قتلوا وما قتلوا في نخوة الرجولة، أقسمت بالذي خلق الكون من عدم وخلق الناس عرباً وعجما أن أنتقم، أنتقم من أولئك الذين جرّفوا وحرّقوا وفرّقوا الابن عن أبيه، من أولئك الذين اقتلعوا الأشجار وجاسوا خلال الديار كل ذلك أتذكره وكأنه البارحة، استشهد من استشهد وهُجِّرَ من هُجِّر، فوجدت نفسي في قرية غير قريتي، تألمت كثيراً لفقدان أهلي لكن كنت أخلط ذاك القسم الذي أقسمته مع صور مرعبة صورتها ذاكرتي وحب وحرب في فؤادي كل ذلك أخلطه في إناء واحد وأصوغ من الهجين عجينا يُزرع فيه الحب حرباً على من شتتوني في البوادي.
تأخذ الحياة في مخيمات لبنان منحى آخر، والقضية تكبر في ذهني يوماً بعد يوم أكثر فأكثر، ويشتد عودي وتشتد الصراعات في داخلي، وينمو حب الانتقام، وتزداد مساحة الفراغ والحرمان، وهناك في لبنان التقيت صديق الطفولة والقرية، صديقي أحمد الذي قصته لا تختلف كثيراً عن قصتي فهو كذلك فقد أمه وأباه، كنت أنا وإياه نتقاسم مرارة العيش، كنا نتلذذ بالعذاب في جو المخيمات التي تنعدم فيها أدنى شروط العيش الكريم. كنت أجوب المخيم طولاً وعرضاً أحكي مأساتي، أحكي عذاباتي، أحكي ذكرياتي، أحكي ألامي، أحكي آهاتي، أحكي أوجاعي، والمأساة ليست قصة طفل ضاع كيانه، وتحطمت حياته، وتمزقت أوصاله، وتشتتت أحلامه، بل هي مأساة شعب ضاق من العذاب ألوانا، وجار عليه الزمان. كنت أجوب شوارع المخيم أصحح للناس فهم القضية، وفي أحد الأيام التقيت بناشط بريطاني وحدثته عن البعد الديني في الصراع الصهيوني وأعجب بتحليلي ونباهتي واقترح علي السفر معه إلى الأردن ومن هناك إلى بريطانيا، لكن رحلتي توقفت في الأردن ولم أستطع السفر إلى بريطانيا، فقلت في نفسي وما يدريك أن مكوثي في الأردن فيه خير، وتدحرجت الحياة ترسم في قلبي خطوط المعاناة، كنت في كل زفرة أخرج رواسب الماضي الأليم، ألفظه أمامي فيشكل صوراً حية تعمق الجرح أكثر فأكثر، وأي طبيب أمكنه مداواة شعب بأكمله حط رحاله بقلب طفل عشق العذاب وتعالى على الجراح وتخطت قدراته على الاحتمال حدود المألوف؟ وأي إنسان يحمل بين ضلوعه قلبا رحيما أن يتصور حياة طفل يصارع أعباء قضية شعب، وهُجِّر وهو ذو التسع سنين؟
في الأردن بدأت تتشكل ملامح المستقبل الغامض للقضية الفلسطينية، فالنكبات ثم النكسات تتوالى وتحدث شرخاً في الوطن العربي، ودعاة القومية العربية فشلوا في توحيد الصف العربي، وخدام بني صهيون يتناحرون على فتات موائدهم، وفي ظل هذا وذاك كنت أعيش حالة من الشتات في مخيمات الشتات ومساحة الانتقام تزداد اتساعاً في قلبي على زمن يذل فيه العزيز، لكن أقولها: للمحن آثار عجيبة في صقل مواهب الرجال.
في الأردن تعرفت على أصدقاء احتضنوني كما يحتضن الأب ابنه وأنا اليتيم، واليتم عندي يتمان، فأنا يتيم الأبوين ويتيم الوطن، فحالة الحب التي كانت تحيطني تنسيني أحيانا الحزن العميق الذي كان يعتريني. كان جمال وفيصل أحب صديقين إلى قلبي، كنا نجلس أحيانا للسمر والليل عندي يُقَلِّبُ مواجع تذهل لها المرضعة عما أرضعت، وفي ليلة من الليالي سألني فيصل هل تتذكر شيئاً عن طفولتك؟ ضحكت وقلت له ما هذا السؤال؟ إني أحمل معي أدق التفاصيل في ذاكرة استفزها العدو فاعتبرت النسيان خيانة للقضية الفلسطينية. فاسمع مني إذن ولا أظن أن هذا الليل سيبزغ له فجر.
في بيت عامر بالحب والحنان كنت أعيش أنا وخمسة من إخوتي، أبي كان مزارعاً يملك سبعة فدادين، كان رحمة الله عليه يزرع العنب والزيتون والنخل والرمان، وكان يرتبط بالأرض أيما ارتباط فمنها نعيش. وفي ليلة حالكة السواد، غاب فيها القمر، وانطفأت فيها النجوم، وعلا فيها الصراخ، دخل العدو الصهيوني إلى قريتنا، هدّموا البيوت وسالت الدماء أنهاراً، ووصلوا إلى بيتنا وخطفتني أمي إلى حضنها، واصطف إخوتي صفاً واحداً للدفاع عن بيتنا والقرية تنهار في يد المحتلين البيت تلو الآخر، ويا لهول المشهد إخوتي يسقطون شهداء واحدا وراء الثاني حتى إذا ما بقي أبي خرّ صريعاً أمام سلاح الكيان الصهيوني، وقتها حضنتني أمي حتى كادت أن تكسر أضلعي، لكن جنود العدو اقتلعوني من صدر أمي وأرْدوها شهيدة أمامي. كيف يكون شعورك وأنت تنظر إلى صدر أمك ينتفض أمامك حتى ماتت؟ فالتفت إلى جمال وعيناه مغرورقتان بالدموع، فقلت له هل تعلم أن سبع رصاصات قتل بها أهلي مازالت آثارها في قلبي محفورة إلى الآن؟ فدمعت عيناه، وقال لي نحن أهلك نموت على ما تموت عليه ونحيا على ما تحيا عليه، فعيوننا ترحل كل يوم إلى بيت المقدس، والقضية بالنسبة لنا إيمان وليست مزايدة ولا متاجرة وأنت تعلم مكانة قلبك في قلوبها، ثم قال أتمم يا ودود عذراً على المقاطعة .....

نعم أخذني جيش الاحتلال وقلبي ينزف من هول المصيبة وعلى وجهي اختلطت دماء أمي بدموعي، كنت أبكي والدمع يجرف دماً في طريقه كان قد تناثر على وجهي من جسد أمي.
أمي ليست كأحد من البشر، أمي من جمالها كان يستتر القمر، أمي بوجودها كان يندثر الضجر، أمي بحنانها كانت تسقي الناس كالمطر، أمي في قلبي خالدة كذاك الزيتون كذاك الشجر، أمي ينبوع دافئ تشقق له الحجر، أمي أمي أجمل من القمر.
أخذني جيش الاحتلال إلى معسكرات الاعتقال ولا أدري كيف أحزن على فقدان سبعة أفراد من أسرتي، ولا أعلم إلى أين أساق، ولا أعلم شيئاً عن التوطين والتهجير، و ما كنت أعلمه يقينا أن ليالي البرد والصقيع ستجدني بعيداً عن حضن أمي، ليس لي سوى رب يحميني ويبتليني حتى أكون في مستوى القضية، ليال طويلة قضيناها في معسكرات الاعتقال، نواصل الليل بالنهار جوعاً وبرداً وصقيعاً وألماً على فقدان أسرنا، تجرعنا فيها كؤوس الذل والهوان على يد الغاصب. وبعد أسابيع تم ترحيلنا إلى جنوب لبنان، ثم كان قدر الله أن التقيت بأناس أحبهم ويحبونني وأكثر من ذلك يحملون هَمَّ القضية بل ولهم الاستعداد الكامل للموت من أجلها.
فتدخل فيصل قائلاً نعم نحبك في الله وليس لسواه ....
آه ثم آه لو لم أجد أناساً حضنوني بقلوبهم لكنت في عداد الحيارى السكارى، لكن تدبير الحكيم الخبير، يهيئ نفوسا دون أخرى، ويبتلي أناسا دون آخرين، وفي كل ذلك حكمة ونعمة.
وبعد ذلك تيسر لي أخيراً السفر إلى بريطانيا ليس حباً فيها ولكن حرباً على أعدائي الصهاينة.
ليس ببعيد عن هذه الحديقة يا صديقي يتربع بيت فيه من الذكريات ما يعود إلى ثلاثين سنة خلت، وقتها مازلت أتحسس شوارع لندن إذ وقعت عيني على شخص لا أرغب في رؤيته، رجل يحمل بين ضلوعه قلبا غليظا ووجها متجهما قبيحا جمع بشاعة الدنيا كلها، مقطب الجبين، يعلوه سواد وظلام يكاد يسبق خطاه. تحاملت على نفسي وسلمت عليه وأعطيته رسالة كنت أحملها إليه، قرأ الرسالة فرحب بي وأضافني رقماً إلى عماله، لكن قلت في نفسي إني لن أكون الرقم المهمل بل سأكون الرقم الذي سوف يحدث فارقاً مهولاً في حياة هذا الصهيوني، ومرت الأيام فوجد في ذلك الشاب النشيط الذي إذا عمل عملاً أتقنه، فقلت في نفسي إني أسلك الطريق الصحيح، فتسللت إلى أسرته وأسرت اثنين من أبنائه ووضعتهم في قلبي، أحببتهم حباً لو وزعته على أهل فلسطين لكفاهم، وحينما سكنت أفئدتهم إلى فؤادي، بدأت أولاً بالحرث ثم السماد، فالأرض قاحلة ليس فيها من نبات إلا بقايا من خردل اقتلعته من جذوره وزرعت مكانه الزيتون والنخل والرمان، فكانت أولى خطواتي أن طلبت من الله الهداية لهؤلاء الشباب، وما حصل بعد ذلك ليس له تفسير إلا أن الله إذا أعطى أدهش، إذ أسلم على يدي هؤلاء الشباب بل أكثر من ذلك زرعت فيهم حب القضية الفلسطينية، فبلغ الخبر إلى أبيهم وجن جنونه، واعترفت أمامه بجريمتي، وقلت له ألا تذكر أبداً بين صفحات كتابك الأسود أنك قتلت سبعة فلسطينيين من بيت واحد فأنا ثامنهم وأقسمت حينها أن أنتقم منك وهذا هو انتقامي، فأنت قتلت وأنا أحييت شباباً إذ أدخلتهم إلى الإسلام وسيحملون لواء الحرب عليك وعلى أعداء القضية الفلسطينية، كل ذلك حدث أمام أبنائه وهم يرمقونه بنظرات قاتلة، ثم خرجت منتشياً كوني انتصرت عليه. وما هي إلا خطوات قليلة خطوتها خارج بيته حتى سمعت صوت سبع رصاصات يخترقن أجساد شباب كرهوا أن يكونوا وقوداً للصهيونية على حد تعبيرهم.
هاهو يقتل أبناءه بيده ثم يجر إلى الاعتقال جراً، فتتراءى لي صورتي وأنا طفل صغير يعتقلني ويعذبني وشاء الله عز وجل أن رأيته وأنا حر طليق وهو مصفد في السلاسل وذنبه قاتل أبنائه غيظاً أن رآهم للإسلام يعتنقون. لكنه رغم ذلك فلقد أبكاني في الثانية كما في الأولى، فلقد بكيت على قتلهما كما بكيت على أهلي، ودعوت لهما بالرحمة والمغفرة والشهادة كما فعلت مع أهلي.


من مواضيعي
0 حبي للفايسبوك ضيعني
0 يوسف وزليخة
0 الابتسامة الباكية
0 سبع رصاصات في قلب ودود
0 مَنْ أَشْبَه أَباه فَمَا ظَلَم

رشيد عانين غير موجود حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رصاصات غبية .. إبراهيم الثقفي منبر القصص والروايات والمسرح . 1 09-14-2013 08:11 PM
نجوى عاشق نجيب الموادم منبر الشعر الفصيح . 7 11-05-2011 04:30 AM

 

الساعة الآن 10:08 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.

a.d - i.s.s.w

  الآراء المنشورة في شبكة منابر ثقافية لاتمثل بالضرورة وجهة نظر إدارة الموقع بل هي نتاج أفكار أصحابها