« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: أستغفر الله العظيم في كل دقيقة ... (آخر رد :حميد درويش عطية)       :: جمعةٌ مباركةٌ ميمُونة (آخر رد :محمّد الموصلي)       :: الخيلُ والبِغالُ والحَميرُ (آخر رد :عبد اللطيف السباعي)       :: للآلئ ريم و ماسات موباسون (آخر رد :ريم بدر الدين)       :: ن ديواني العطر من الدهر صروف لوّنت للدكتور عبد الولى الشميرى (آخر رد :رنيا الحارثى)       :: جوهر العدني للشاعر الدكتور عبد الولى الشميرى (آخر رد :رنيا الحارثى)       :: معتكم نور ولياليكم سرور أهديكم من ديواني أزهار للشاعر الدكتور عبد الولى الشميرى (آخر رد :رنيا الحارثى)       :: بين عام مضى وعام تولى للشاعر الدكتور عبد الولى الشميرى (آخر رد :رنيا الحارثى)       :: القلوب المتعبات استودَعَت من ديواني عطر للشاعر الدكتور عبد الولى الشميرى (آخر رد :رنيا الحارثى)       :: من يصنع التاريخ - بقلم فارس كمال محمد (آخر رد :فارس كمال محمد)      


العودة   منتديات منابر ثقافية > منابر النقد والدراسات النقدية والأدبية > منبر الدراسات الأدبية والنقدية .

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-31-2012, 07:40 PM   رقم المشاركة : [761]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

إلياس فركوح

ماذا يعني أن يعمل كاتبٌ على إنشاء موقع له على شبكة الإنترنت؟
أهو فعل إشهارٍ وإعلام، أم ثمّة ما هو أعمق في دلالته يقارب إعلان الحضور الفاعل في العالم ، والجهر بوجود كينونة تملكُ إضافتها المتواضعة إلى هذا العصر ؟ بمعنى : تملك "مذاق" أسئلتها الوفيرة حيال حفنة إجابات مفتوحة·
رُبّما هي هذه الأسباب والدوافع جميعاً ·
ولمَ لا ؟
قد تكون هذه الشبكة الكونية الحرّة في انفتاحها حتّى أقصاها ، حين الحضور الدائم في خلاياها ، هي المنفذ الأنسب للخروج من "شبكة/مصيدة" الإعلام المتخلّف الذي يشرنقنا (ككتّاب عرب) حدّ الاختناق، ويجعلنا رهائن مزاجية الأفراد وأنانياتهم تارةً ، والمصالح الضيّقة للسُلطات وآنيّاتها تارةً ، وعماء الصحافة "الشعبية": هذه المهتدية ، غالباً ، بصلف الإسم وسطوة العلاقات·
وبالمقابل : أهي>"شبكة علاقات" من نوعٍ آخر ، مغاير ، ومضاد ؟
أجل ·
ولمَ لا تكون كذلك ، حيث يُصبح التأكيد في كل لحظة على أنّ الشجرة ، مهما طالت وتطاولت ، فلن تكون هي الغابة ولن تختزلها أبداً، أو تنطق بصوت آلاف أشجارها ·
إنّ نشيد الأحراش والبراري ليس سوى همس ملايين الأوراق المعلّقة في أذرُع الريح وسواعد الأشجار : الخضراء منها ، والصفراء ، وتلك المابين ·· أيضاً·
نحنُ ، حين نحدّق كثيراً في اللامع المضاء بصخبه العالي ، نعمى فلا نُبصر·
ونحنُ ، لحظة نُغمض أعيننا حيال المترائي الشفيف المتخايل ، نتبصّر ما لا يُدركه غيرنا.

==
2010/11/14،
إلياس فركوح: اكتب ما دامت معرفتي ناقصة ومدينتي تتفلتُ مني حاوره: محمود منير
اختار مدينته والسرد معاً. تؤثث ذاكرته رواياته عن مكان يهوى الأقنعة ويرفض الإفصاح والإبانة, في ثلاثة أعمال روائية أصدرها خلال فترة جاوزت عقدين من الزمن, وبقدر إخلاصه لمدينته المختلة نبش أرشيفاً استثنائياً يمتد ستين عاماً تبدأها الحرب والأسئلة لتنتهي عنده عبارة حاسمة هي: لا شيء يكتمل.
إلياس فركوح وعَمّان على موعد قديم لم يتغير منذ الصفعة وطيور عمّان تحلّق منخفضة ومجموعات أخرى, لكن القصة القصيرة دفعته إلى تجديد مواعيد أخرى مع مدينته في الرواية, فنشر رواياته: قامات الزبد, أعمدة الغبار وأرض اليمبوس, لذلك كانت فكرة محاورته تفترض لحظة تداعي لا تحتمل تلصص الصحافة بل اعترافات متدفقة متوالية حملته على نشرها جملة تداعيات, أرسلتها له عبر البريد الإلكتروني, تمثل قراءة متأملة لروايته الأخيرة.
اعترافات فركوح ل¯ العرب اليوم ابتعدت عن المباشرة في تناول تجربته الإبداعية المتعددة في القصة والرواية والترجمة والنشر والكتابة الصحافية, إنما أتت نصاً موازياً لها يشبه كاتبها وتقترب من مناطق قد تبدو معتمة بقصد إضاءتها, لكن منطقة وسطى تبقى ملازمة له.
* في أرض اليمبوس, تبدأ الحيرة ولا تنتهي, وربما كانت عمّان كذلك, هل كانت عباراتك لا زلتُ لا أعرف. لا زلتُ أكتب, هي مفتاح الكتابة ومفتاح المدينة في آن?
- بعد قطعي لشوطٍ في التجربة القصصيّة, وخلال كتابتي لقصص المجموعة الثالثة إحدى وعشرون طلقة للنبي, أدركتُ بأنني فقدتُ كثيراً من ركائز اليقينيات التي انبنت في سياقها القصص السابقة; إذ بِتُّ على غير ثِقةٍ بما كنتُ أراه رؤية العَين! ففي لحظات إعادة تشكيل تلك المرئيات, عبر كتابتها باللغة, وخلال بذلي المجهودَ لاصطيادها على هيئاتها المُجَرَّبَة, وجدتني أُصابُ بما يشبه الفَزَع! كانت تنفلتُ من تشكيلاتها الأُولى عندما أعملُ على التحرّش بها, حائراً ومتسائلاً عن النقطة, أو الزاوية, التي سوف أبدأُ منها لأستطردَ من ثَم في عمليّة بِنائها بالكتابة. كانت تتحررُ من أجسامها الأُولى وتمثلاتها السابقة لتتخذ لنفسها أجساماً وتمثلاتٍ جديدة! جديدة ومغايرة كأنما ما كانَ موجوداً هناك, في الخارج قبل الكتابة, ما عادَ ليتكررَ ثانيّةً هنا, عند الكتابة وفي داخلها! كأنما التماسُك الظاهر للعيان في (المصادر) و(المراجع) لا يعدو أن يكون وهماً, أو سراباً سرعان ما يتلاشى عند إخضاعه للامتحان برؤيا الكتابة; فلقد تحوَّلَت محسوساتُ العالَم الواقعي المنتظمة والمتسقة والصلبة إلى حالاتٍ من الهشاشة بحيث افتقَرَت لِمْا يشدُّّ ويُمَتِّنُ عناصرَها, وبالتالي لِمْا يؤهلها لأن تكون ذات تعيين متَفَقٌ عليه, أو أشتركُ فيه مع غيري!
عندها, اكتشفتُ بأنني لا أكتبُ قِصصاً بالمعاني المتعارَف عليها, تلك السائدة, وإنما هي حالاتٌ تستبطنُ قصصها المتعددة القابلة, بدورها, للتكاثر أكثر. كما أنها قابلة, أيضاً, لكثرةٍ لا تنفدُ من تقنيات التناول الفني. فإذا كان ذلك كذلك, أعني مرئيات العالَم الواقعي بمحسوساته الجامدة وحيواته المتحركة, فإنَّ المراهنة على جوهرٍ حقيقي فيها ليست سوى مراهنة خاسرة. كما أصبحَ التسليمُ بما نراه, والقبول به, والرِضا عنه, من المحظورات التي يأباها الوعي الكتابي في أعماقي وينفرُ منها. وأحسبني أصبتُ بالتعبير عن هذا كلّه, عندما خصصتُ في بداية رواية أعمدة الغبار صفحةً لأشهدَ بالتالي:
كلّما حاولتُ ذاكرةً تسترجعُ ما فاتَ;
انكسرتُ على شفرة الغياب.
قلتُ: لعلَّ الكلمات هي القادرة.
لكنَّ شيئاً, في الخارج, لم يحدث.
إذَا; ولأني افتقدتُ الثقةَ في ثَبات الموجودات على أحوالها عند الكتابة, والتفَّت الريبةُ حول ثبوتيتها لدى (المنطق) الفني إبّان إعادة تشكيلها على الورق; أصبحَ العالَمُ يتحركُ في دوائر من الاحتمالات. والاحتمالات, كما نعرف, مجموعة افتراضات لا بُرهان عليها قبلَ إخضاعها للفحص والتجربة. ولكن; ماذا يحدث لتلك الاحتمالات/ الافتراضات في ورشة الكتابة الأدبيّة? وهل نبتغي الوصول إلى البُرهان, أم نكتفي بما يمنحنا الفحصُ والتجربةُ من فضاءاتٍ انفتَحَت لنا لتنفتحَ, بالتالي, الكتابةُ السرديّةُ على احتمالاتٍ تجددُ نفسها من خلالها? ناهيكَ عن أنَّ ما تخرجُ به ورشةُ الكتابة الأدبيّة والفنيّة لا يخضع لقياس ومعايير العمل في المختبرات! وبذلك; فإنَّ السعي الأدبي (السعي الأدبي الواعي, أعني) لا يريد الوصول إلى بُرهانٍ هو زائفٌ بمعايير العِلْم الوضعي, بقدر ما يستمتعُ بالوقوع على عوالَم جديدة أخرجتها الكتابة, وأنضجتها جسارةُ المُضي في ملاحقة احتمالاتها المحمولة على خَيالٍ يرى ما أسميته (المصادر والمراجع) دون التنكُّر لسياقها الاجتماعي والتاريخي ولحظتها السياسيّة, ولكنه لا يلتزمُ إلاّ بآليّة إعادة التركيب ومنطق الحذف والإضافة.
نعم, الكتابةُ رحلتي نحو المعرفة التي أضاعت نفسها وسط فوضى العالَم. أو لعلّني أنا مَن تاهَ داخل أكاذيب العالَم وتلفيقاته القيميّة وتوليفاته المضادة للإنسان الفرد وإخصائها لحريّته في الحلم والتخييل, تلك المسنودة بأيدولوجيات شتّى تَدّعي بناء عالَمٍ نظيف, لكنها, حين تصطدمُ بلحمنا وترتطمُ برؤوسنا, تَسقطُ وتُسقطنا معها في مستنقعات الدم ومدارات الوهم القاتل. لأنها كذلك; فهي كتابةٌ تتلبسها الحيرةُ المشفوعة بالمرارة ابتداءً. حيرةٌ تجاه المدينة, رغم أنها مدينتي أنا. مدينةُ هذه الذات المكلومة على وَقْع الجروح المفتوحة في أرواح ساكنيها, التي لن تشفيها أو تغلقها جميعُ أبراج الإسمنت المتعاليّة عليهم وعلينا وعلى الفضاء الذي تتواقح لتغلقه أيضاً!
سأواصلُ الكتابةَ ما دامت معرفتي ناقصة, ومدينتي تتفلتُ مني. سأواصل بالكتابةِ حَفْري المعرفي المتواضع بحثاً عَني أنا. أبحثُ عني في مدينتي, وأبحثُ عن مدينتي فيَّ. لأننا, ندري أو لا ندري, نحن الذين نُسْكِنُ المُدَنَ فينا! نحن, كُلُّ واحدٍ مِنّا, إنما يحتفظُ في داخله بمدينةٍ تخصّه وحده.. رغم أنها تخصُّ سواه في الوقت نفسه.
* معرفة لن تكتمل, ومدينة تهوى التفلت, إلى أين ستمضي ببحثك عن نفسك في عمّانك, وعن عمّانك فيك?
- حين نباشرُ سَرْدَ المدينةِ إنما ننطلقُ, بحَذَرٍ وبما يقاربُ الخوفَ من أن ننزلقَ إلى حيث لا نقدر على الفكاك من أسْرِ اللغة واستطراداتها المغوية, من صورةٍ ما, معينة ومحددة بمعنى أنها واحدة. غير أنَّ الانطلاق, بحسب تجربتي, لا يكون نحو الأمام باتجاه توسيع الصورة وتطويرها بمراكمة فضاءات تتعدّاها, لكن بالحفر فيها ومحاولة معاينة ما تخفيه تحتها من أصداءٍ هي التي أبْقَت عليها ماثلةً تنتظرُ مَن يكتبها. الصورةُ المُرادُ البدء منها صورةٌ جامدة, أو هي مركونةٌ في ثَلاّجة الذاكرة مُجَمَدَةً, لكنها ليست فوتوغرافيّة أبداً. إذ تختزنُ المجموعةَ الكاملةَ من الروائح, والأصوات, والألوان, وذبذبات الكلام الكثير - أو القليل - التي تتفاوتُ في درجات وَخْزِها لذاكرتنا حتّى تفيق.
هي الصورةُ إذَا نعاينها الآن, لحظة الكتابة. وإنها قديمة. الصورةُ القديمةُ نفسها نستعيدها من زمنها الذي انقضى لنُحييها, ونبعثها جديدةً بكلماتٍ ينبغي أن تكون, هي أيضاً, جديدة. ولكن: كيفَ تتجددُ الصورةُ إنْ ظَلَّت كما انتهت إليه في لحظة زمنها العتيق? هل نُبقي على عناصرها كاملةً, أم نُضيفُ إليها أو نحذفُ منها? هل نحافظُ على علاقات تلك العناصر ببعضها, وبما/ بمن جاورها وحايثها وارتبطَ بها, أم نعملُ على خَلْقِ/ اختلاق علاقات مغايرة قد لا تقلبها رأساً على عقب; لكنها تجعلُ منها صورةً أقربُ إلى المنظور إليها من زاوية جديدة?
حَسَنٌ; ما الزاوية الجديدة? ماذا أقصدُ ب¯الزاوية تحديداً?
الاجتهادُ, في نَظَري, قراءةٌ جديدةٌ, أو قُلْ معاينةٌ جديدةٌ لصورةٍ قديمة أبتغي رسمها بكلماتٍ تشيرُ إليها وتأنفُ من نسخها أو استنساخها. فالكاتبُ فيَّ, وبإصرارٍ نهائيّ لا رجعةَ عنه, ليس ناسخاً, وليس مقّلداً, وليس مصوِّراً, وليسَ ذاكرةً صافيةً لا يشوبُ شفافيتَها الخالصة عَكَرٌ, أو شَغَبٌ يحطّمُ الانسيابيّةَ الكاذبة التي يتوهمها الخيالُ الكسيحُ المستكينُ إلى قُدسيّة الواقع وقداسته!
إذَا: نحنُ حيالَ آليّة الخَلْق من جديد. نحنُ بمواجهة زيف اليقينيات نعملُ على زحزحةِ أعمدة الماضي/ التاريخ, ونجتهدُ في تقويض أركان المعابد المُكّرَسَة لتبجيل وَثَن السَلَف الذي لم يكن صالحاً غالباً, ولا نشبعُ من التهامِ كُتَل التَمْر في أصنامِ هُبَل وغيره; إذ نحنُ لا نعبدُ الزائلَ لا بل, في حقيقتنا, إنما نجعلُ من ذاك الزائل عنصراً نستثمرهُ في نصوصٍ تستبيحُ عِصْمَتَهُ الكاذبة, وتشهدُ على فَرادةِ الفرد مِنّا في مواجهته لهذا العالَم المُريب بأسئلةٍ لا تجيب عنها مزاعمُهُ الصفيقة.
الإفصاحُ والإبانةُ غايةُ صورة الكاميرا (الثابتة دائماً رغمَ وجود المتحركة), لكنها ليست مهمة الكتابة أبداً. فالكتابةُ, في المبتدأ منها وفي مطافها الأخير, حالةٌ دائمةُ التغيُّر ودائبةُ الانقلاب على سابقها من نُصوصٍ هي مَحَلُّ شَكٍّ; إذ ثمّة العَينُ المستطلعةُ تُمْعِنُ في أن تَدَعَ الصوَّرَ تتألبُ على نفسها لكي تتداعى.. ولكن شريطة الاحتكامِ إلى بصيرة الوعي المستريب. وبذلك; فإنَّ الاستثناءَ في أرشيفي عن مدينتي عمّان يطلعُ من منطقةٍ غائرةٍ لا ترى محتواها سوى عَيني أنا, لا عَين سواي. ولذلك; فإنَّ عَمّاني ليست كمثل أيّ عَمّانٍ أُخرى. كما يجدرُ التذكير, لكُّلِ الذين يَنسون, أنَّ لِكَّلِ واحدٍ مِنّا مدينته, حتّى وإنْ كُنا نشتركُ جميعاً في العيش داخلَ هذه الواحدة المتعددة المُسمّاة: عَمّان!
* بدأت أرض اليمبوس بالحرب وانتهت بها, كأنها اليقين الوحيد, ومَرّت بينهما نساءٌ كثيرات وحبٌّ يتحوَّل ويتغيّر... ولا شيء يكتمل. هل هي لعبة السرد وغوايته, أم هي ضرورة المكان وخُلاصة التاريخ فيه?
- أهي فجيعتُنا بفقدان أحبّتنا بالموت الذي تجلبه لنا الحروب, رغم عدم رغبتنا فيه وفيها, ورغم هشاشتنا حيال وحشيتها الطالعة مِنّا? أم هي رهبتُنا الشخصيّة من ذاك الآتي إلينا يخطفنا إلى العَدَم, أو المجهول, بعد أن كُنّا ذات تاريخ? أم هي خِشيتُنا من هذه الوحشة والتوّحُد, في حياتنا الراهنة لَمّا نتنفس, وتالياً من ذاك التلاشي والاندثار والاندغام بالتراب لَمّا نقضي, فنمضي?
نحن نقضي. إذَا: نحن ننتهي.
ولكن: أين نمضي, حقاً, لنبدأ من جديد?
وهل ثمّة جديد ينتظرنا, أو ننتظره?
ربما يكون هذا هو السؤال الوحيد المفتوح على آخره, وبلا حدود, ومن دون أي نهاية. إنه سؤالُ الفراغ! هو كذلك لأنَّ فراغاً محتوماً, مهما أعملنا الخرافةَ, والأسطورةَ, والإيمانَ الديني, والعقلَ في تعبئته بالإجابات, فلسوف يبقى بُرهاناً يشهدُ على نفسه فقط, ليتركنا في رَحِمٍ مُصابٍ بالحمل الكاذب! ولستُ هنا بصدد البحث عن حَلٍ ما حيال هذا الفراغ والعُقْم, لكنني أبحث, بالأحرى, عن تعبئة عَيشي الشخصي, الفردي, ما دُمتُ أتنفسُ, بما يقيني من أن أنتهي قبلَ أن أقضي. كما لستُ أخجلُ من الجَهْرِ بخوفي من الفراغ, وتحديداً ذاك الفراغ الذي يعني خُلو ذاتي من المعنى. أيّ معنى. صحيحٌ أنَّ لا شيء يكتمل, غير أنَّ قدراً هائلاً من المعنى نتحلّى به لحظةَ اعترافنا بنقصنا. لسنا مخلوقات كاملة, لكننا, في الوقت نفسه, لسنا كائنات تسبحُ في فراغ المعاني.
هذا يقينٌ أؤمنُ به, مثلما أؤمنُ إيماناً كاملاً بواقعة الموت. لكني أجدني أستطردُ متسائلاً عن أشكال الموت وضروبه. إذ ليست الحرب وحدها تعادلُ الموتَ. فالحُبُّ, في موازينه المختلَّة وأهوائه المتقلبة, والمتحرك ضمن سياقات لسنا أحراراً في اختيارها, إنما يضعنا وجهاً لوجه أمام (موتٍ ما) ربما نعاني قسوته وضراوة خساراتنا فيه أكثر مما نتوقع من ذاك الحامل للعَدَم! مَن يدري? وها نحنُ نتخبطُ وسط المتاهة. متاهة ما نريد الاكتمال به, ومعه, وفي داخله, غير أننا, وعلى صدور محبوباتنا وفي عيونهنَّ, نبدأ بخوض حروبنا المهزومة حتّى الثمالة نتجرعها محاذين, بصمتنا الرُخامي المكابر, حجارةَ المدافن الملوكيّة التي خَضَّرتها عُفونةُ السراخس والجهنميات الناغلة في بقايانا!
أيُّ معنى يتبقى لنا, والحالةُ هذه, سوى أن نكتب? أعني أنا: أن أكتب?
فأن أكتبَ خُلاصةَ تاريخ المكان هو أن أكتبني في حالات الوجد الشفيف, وثمّة المرأة وجهي الآخر الذي خطفتهُ الحربُ مني. وأن أكتبَ هو أن أكتبَني في حُمّى اشتعالات الحروب الخاسرة, وثمّة المرأة التي غادرَت المكانَ وخلّفتني وحدي لأستنسخها صُوَراً لن تكون هي أبداً. فعَن أيّ حروبٍ نكتب, إذَن?
ليست غواية السرد ما يكمن خلف أرض اليمبوس. ربما هي كذلك في قلب تلك الأرض التي أُقيمُ عليها, أنتظرُ امرأتي تأتيني بالجوابِ عني أوّلاً, عَلّني, إنْ فَعَلَت, أحظى بقليلٍ من الطمأنينةِ عند خطوي عَتَبَةَ الما بعد. عَلّها تمحضني, بلمسة أصابعها الحرير, راحةَ روحٍ أتعبها النقصان.



ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-31-2012, 07:46 PM   رقم المشاركة : [762]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

2010/02/02،


الروائي الأردني الياس فركوح: بالحربِ نمتحنُ جوهرنا أمام الموت.. وبالمرأة نفحصُ جوهرنا حيال الفكرة أجرى الحوار: سميرة عوض


عمان ـ ' القدس العربي' ـ بإصداره ' أرض اليمبوس'، يمكن القول إن الروائي الأردني فركوح يكمل ثلاثيته الروائية التي بدأها بـ ' قامات الزبد' (1987)، التي تتناول الفترة الفاصلة بين نكسة 1967 وسقوط مخيم تل الزعتر، ثم ' أعمدة الغبار' (1996) التي تبدأ من سقوط تل الزعتر حتى خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت في العام 1982.


ولد في عمّان عام 1948، حيث تلقى تعليمه حتى الثانوية العامة متنقّلاً بينها وبين القدس. حاصل على بكالوريوس في الفلسفة وعلم النفس، من جامعة بيروت العربية. عمل في الصحافة الثقافية من عام 1977 ـ 1979، كما شارك في تحرير مجلة ' المهد' الثقافية طوال فترة صدورها.


شارك الشاعر طاهر رياض العمل في دار ' منارات' للنشر حتى 1991، إلى أن أسس دار ' أزمنة' للنشر والتوزيع عام 1991، حيث يعمل مديراً لها.


حازت روايته ' قامات الزبد' على جائزة الدولة التشجيعية للعام 1990


وكذلك حاز على جائزة الدولة التقديرية / القصة القصيرة للعام 1997.


كما نال جائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة على مجمل مجموعاته ـ والتي تمنحها رابطة الكتّاب الأردنيين. وكانت الرابطة، قبلها ، قد منحته جائزة أفضل مجموعة قصصية لعام 1982 ' إحدى وعشرون طلقة للنبي'، كما نال جائزة تيسير السبول للرواية عن العام 2007 عن روايته ' أرض اليمبوس'، إضافة الى دخولها القائمة القصيرة 'البوكر' للعام 2007 عن الرواية ذاتها.



حفاوةً لم أكن أتوقعها



*حققت روايتك الثالثة 'أرض اليمبوس' حضوراً لافتاً جداً. كيف تشعر إزاء الرواية الآن؟


*أعتبرُ نفسي من فئة الكُتّاب الذين حين ينشرون عملاً جديداً، وبعد انقضاء أيام النشوة فور صدوره من المطبعة، سرعان ما تفترُ حماستهم تجاهه بعد وقتٍ قصير، ليبدأوا التفكير بالعمل القادم. ما هو؟ كيف سيكون؟ ولو على سبيل التكهُّن العارف أنَّ أي جوابٍ لن يحيط بمفاجآت الكتابة لَمّا تحدثُ على الورق. غير أنَّ ' أرض اليمبوس'، وخلافاً للأعمال السابقة، عملت على إيقاف تفكيري بالمشروع الجديد ـ أو بالأحرى أربكتني وأجَّلَت ملاحقتي له ـ وذلك نتيجة الاهتمام والمتابعة الاستثنائيين. لاقت الرواية حفاوةً لم أكن أتوقعها بصراحة، داخل الأردن وفي الخارج، رغم إدراكي أنها شكّلت حَفْراً وتحوّلاً ومغايرةً في كل من بنيتها، ولغتها، وتضمنها لأسئلة الكتابة الخاصّة بالرواية الحديثة. ولأكُنْ أكثر صراحةً : لأنَّ ما يشبه الجفاء النقدي الذي قوبلت به الرواية السابقة، ' أعمدة الغبار'، وبحجّة صعوبتها، هو ما حال بيني وتوقـُّع الانفتاح على ' أرض اليمبوس' بهذا التفهُّم والفحص والقراءات الذكيّة المحترمة لها كعملٍ يتطلب بذل الجهد المقابل، وبالتالي التقدير. فأين كان يختفي ذلك كلّه؟ أكان ' الخلل' ( سأسمح لنفسي باستخدام هذه المفردة) في الرواية والأعمال السابقة الأخيرة، أم في ' الوَسَط الثقافي' الكسول المُقْبِل على الأعمال السهلة التي تُقرأ بسرعة، والابتعاد بالتالي عن أعمالٍ يراها ' صعبة' فيكتفي بما هو شائعٌ عنها دون تكبُّد عَناء قراءتها؟!


أعتبرُ ' أرض اليمبوس' رواية محظوظة ـ بمعنى تراكُب جُملة عوامل لا يمكنني تحديدها بدقة، أدّت للالتفات الجاد إليها، وبالتالي كشف ما تحمل من قيمةٍ تخصّها. وكذلك، وبسبب هذا، أعتبرُ نفسي محظوظاً بها.


*حصول روايتك على جائزة تيسير السبول للرواية عن العام 2007 التي تمنحها رابطة الكتّاب الأردنيين ـ وهو رائد الرواية الأردنيّة الحديثة في روايته 'أنتَ منذ اليوم' ـ ماذا يعني لك؟ وأنتَ الحائز على عدد من الجوائز، منها جائزة الدولة التقديرية عن القصة القصيرة، وجائزة الدولة التشجيعية للرواية؟


*أفرحني ذلك واعتبرته تأكيداً إضافياً لخصوصية الرواية. غير أن الحصول على جائزة جديدة، بقدر ما يعني في جوهره تقديراً مُعْلناً للإنجاز الكتابي الفائز بها؛ فإنه يشكِّلُ لي على الصعيد الشخصي تحفيزاً وحَثّاً لمواصلة مسيرة الكتابة التي بدأت قبل ثلاثين سنة. كأنما الجائزة تجديدُ اعترافٍ بحصيلة الجهد السابق، وكذلك هي إشارةٌ إلى ' جدوى الكتابة' كما أفهمها، وعلى نحوي الخاص، خلال حِراكها في بيئة اجتماعيّة أدارت ظهرها للثقافة وللمثقفين منذ زمن، للأسف. الجائزة تشير إلى معنىً باتَ غائباً، أو مَنسيّاً، أو مشكوكاً به وسط مجتمع تفسَّخَت منظومة قيمه السابقة، وأحَّلَ محلها تبجيله العالي لمعنى الاستهلاك، والسلعة، والمال. وكل ذلك كان على حساب الإنسان الفرد في جوهره الرافض لأن ينمسخ فيتحوّل هو نفسه إلى سلعة قيد الشراء!


الجائزة تَدُّلُ على حصيلة تلك المعاني. كما أنها نقلة تتحداني في كتابتي المقبلة.


*لندخل بوابة الرواية: من أين انبثق عنوانها؟ هناك سؤال عن معناه لمن لم يقرأ الرواية بعد، خصوصاً من جهة المفهوم الديني المسيحي؟


* لطالما كان لمفردة ' اليمبوس' وقْعها الجاذب لي. أوّلاً لغرابة الاسم وإثارته لمخيلة الصبي الذي كُنتُهُ حين تلقيته لأوّل مرّة في درس الدين. كان ذلك في مدرسة ' الفرير'، في القدس، وهي تابعة لرهبانيّة كاثوليكيّة متبنّية لمفهوم اليمبوس، بينما لم أكن قبلها قد سمعتُ به، إذ جئتُ من أُسرة أرثوذكسيّة يونانيّة الانتماء. وثانياً؛ لأنَّ اليمبوس منطقة رحيمة ناسَبَت مخيلة الصبي وروحه؛ فهي رَحْبَةٌ تثيرُ فيه حيوية تشكيل ما يشتهي من صُوَر. ليست الجَنّة وليست الجحيم، حيث رُسِمَ هذان العالمان على نحوٍ قاطع ومفهوم. أما اليمبوس، فعالَمٌ ثالث كَسَرَ ثنائيّة الأبيض والأسود، والخير والشَّر، متيحاً لِمَن ليسوا هنا أو هناك حيّزاً للخلاص!


وكذلك، لأنَّ حالة ' الما بَين' شَكّلت لي موضوعةً مركزيّةً في الروايتين السابقتين ـ وعَلّها أحد ملامحي الداخليّة الغائرة عميقاً داخلي، حيث تتم ترجمتها في رفضي الدائم لأن أكون عند واحد من موقفين متناقضين يزعمُ كل واحد منهما حيازة ' الحقيقة'. فالعالَمُ أكثر رحابةً وأوْسَع مدىً وغَنَيّ ٌ بالتعدد، وأنا لا أطيق اختزاله ( وبالتالي اختزالي) في نقطتين وحيدتين حين الاحتكام إلى منطوقهما فتستقر ' حقيقته' في نقطةٍ واحدة فقط! ـ أقول: ما دامت حالةُ 'الما بَين' موضوعة مركزيّة في العملين السابقين، والرواية الأخيرة هي ثالثةُ هذه الثلاثيّة غير المُعْلَنَة؛ فإنَّ ' اليمبوس' كجزء من عنوانها أو اسمها سيكون إعلاناً مضمراً وصريحاً في الوقت نفسه لجوهر المعنى الكامن فيها. إضافةً إلى مجاورة ما هو مادي ومحسوس في مَشاهد القدس، ورهبان المدرسة، والأرض الحَرام بين القدس الشرقيّة والغربيّة قبل الاحتلال، لِما هو مَجازي بحيث تتسّع الدلالات ويغتني التأويل.



كبرَ الصبي الذي كُنتُهُ



* ' اليمبوس' هي المنطقة الوَسَط، بحسب المفهوم الكاثوليكي، أو الثالثة ما بين الجنة والجحيم، أو ' منطقة الما بين'. إلى أي مدى تتشابك وتتقاطع مع ما يُسمّى ' المنزلة بين المنزلتين' عند المعتزلة، وهي أشهر الفِرَق الاسلامية؟



*في الحقيقة أنا لم أفكّر، عند كتابة الرواية، بمقولة المعتزلة ' المنزلة بين المنزلتين'، رغم معرفتي المنهجيّة بها؛ إذ كانت مثلها مثل ' اليمبوس' مصدر جَذب، ولكن لإعمال العقل هذه المرّة لا المخيلة ـ فلقد كبرَ الصبي الذي كُنتُهُ وباتَ شابّاً يدرس الفلسفة كتخصصٍ أساس. وعَلَّ صداها كاجتهادٍ عبقري انشبكَ مع اليمبوس دون وعيٍ حاضر، مما نتجَ عنه موقفي حيال مسألة الاختيار المرفوض مني لأن أكون هنا .. أو هناك! لا شك، ثمة تقاطُع وتَدَاخُل بين هذين المفهومين رغم اختلاف المصدر والغاية. فـ'اليمبوس' اجتراحٌ لاهوتيٌ أُتيَ به من أجل إيجاد حَلٍ لمعضلة المصير ما بعد الموت لفئةٍ من الناس. بينما ' المنزلة بين المنزلتين' اجتهادٌ عَقليٌ خالص احتكمَ إلى المنطق الفلسفي ليطرحَ مَخْرَجاً لثنائيّة منزلتي الإيمان والاجتهاد، أو التوفيق بين النَقْل والعقل.



ابنُ عمّان بامتياز



* كتبَ عنها كثيرٌ من النقّاد والكتّاب مشيرين إلى أنها تمس التطور الاجتماعي والسياسي لعمّان، وتشابكها مع القضية المركزيّة (فلسطين)، كيف تمكنتَ من الجمع بين العام والخاص بشفافيّة واضحة؟


*أعتبرُ نفسي ابن عمّان بامتياز، وكثيراً ما رددتُ على الملأ بأنني ' كائنٌ عَمّاني'. ولأنني هكذا، ولأنَّ عمّان هي الحاضنة الأكبر في الأردن لجميع الحشود الاجتماعيّة الآتية من أُصولٍ ليست أردنيّة خالصة ( وأنا من ضمنها)؛ كان أن توفَرَت لي الرؤية القادرة على ملاحظة تسلسل التطور الاجتماعي والسياسي لها كمدينةٍ جامعة وصاهرة.


فالخاص والعام في داخلي منسجمان متداخلان يثير الواحدُ منهما الثاني، فيتحوّل التاريخ الشخصي ليكون تاريخ الجماعة، مثلما يتماهى تاريخ الجماعة بتاريخي الشخصي. وربما حين التدقيق بحالةٍ كهذه، يصيرُ لي أن أُفَسّرَ مقولةً كنتُ أطلقتها قبل أكثر من عشر سنوات، ومفادها: ' أنا ابنُ عمّان، لكني أحد بُناتها في الوقت نفسه!' فكيف لا يحدثُ التشابك داخل النصّ بين عمّان وفلسطين بينما الشخصيات الفلسطينيّة، بما تمثّل كحالاتٍ خاصة ليست منفصلة عن حالة الهجرة الكبرى والتهجير القسري، تعيش معي وأتعايش معها يومياً، حيث نتبادل الخبرات والحكايات؟ حينها، تتحوّل حكاياتها لتصبحَ حكاياتي أنا، وبها أبني ذاكرة المدينة التي ترتبط بآصرة المصير مع فلسطين وقضيتها: ففلسطين قضية شعب وأرض، وها الشعب معي وفي داخلي مثلما يتنامى خارجي جيلاً بعد جيل، ويشاركني في بناء عمّان وتأثيث ذاكرتها الجمعيّة.




التنويع على مبدأ التشظية



*تعتمد أسلوب الاسترجاع ـ الفلاش باك ـ في كتابتك الروائية، وهو أسلوب سينمائي يصور ويستشرف ويشرح، فضلاً عن تعدد الأصوات، الغائب منها والحاضر. إلى أي مدى استلهمتَ السينما في روايتك؟


* لطالما كانت السينما أحد عناصر تكويني التخييلي. أذكرُ أن أبي اعتاد القول كلّما طلبتُ منه السماح لي بالذهاب إلى السينما حين كنتُ صبيّاً: ' أنتَ إذا عصرتكَ، فلسوف تخرجُ منكَ الأفلام!' كان ذلك منذ بداية وعيي على العالم، فبدوتُ وكأني أوائمُ بين هذا العالم ' الواقعي' والعالم ' المتخيّل' كخيالات تتحرك على شاشة السينما، بحيث امّحت المسافة بينهما فشكّلا عالماً واحداً في داخلي.


بالكتابة، وهي عمليّةُ حَفْرٍ أمارسها لداخلي غالباً، تستحيلُ مَشاهدُ الرواية إلى مُقتَطعات قائمة بذاتها ـ إنْ قرأناها هكذا. وكذلك، يمكن من خلال وعيٍ فني وقدرة تأويلٍ ورَبْط أن تنشبك تلك المَشاهد المقتطعة لتشكّلَ بانوراما الرواية بكافة مستوياتها. وكما أرى، فإنَّ تقطيعاً سينمائيّاً ( مونتاجاً) أصاب الرواية، فساعدني في التنويع على مبدأ التشظية للزمان، وللشخصيات، وللأحداث.



المرأة تُناقِضُ الحربَ!



الدمج بين المرأة والحرب، في مستهل الرواية وفي خاتمتها؛ كيف ينظر الروائي فيكَ للمرأة؟ وما العلاقة بينهما، بين المرأة والحرب؟


* ربما يشكِّلُ صوت الروائي القابع في داخلي بلاغةَ أو انكشاف المعنى الذي أختزنه للمرأة. وربما هي المرّة الأُولى التي عثرتُ فيها، عبر الكتابة، عن طبيعة الصِلة الواصلة بينها وبين الحرب. هنالك تلازُمٌ بينهما على امتداد الرواية، اعترفتُ من خلاله ببديهيّة أنَّ المرأة تُناقِضُ الحربَ في كونها عنصر إخصابٍ ومساحة لواذٍ للرجل، بينما تمثّل الحرب العنصر النافي، والمدّمر، والقاتل، والإجداب. فغالباً، وعند ورود الحرب في المَشهد، أجدني باثّاً فيه المرأةَ كأنما هي ملاذي وعلى صدرها أبيحُ لبوحي عن ضعفي حريّة الانطلاق.


غير أنَّ هذا ليس إلاّ وجهاً من وجوه التقابُل بينهما، وهو تقابُلٌ ضِدي ومتكرر وعام. الجديد الذي أتت به الرواية، عبر الكتابة وليس قبلها كفكرةٍ مسبقة، كان كشطي لهذه الطبقة من العلاقة وإظهار أنَّ التلازم لا يكون بالضرورة، ودائماً، تلازماً لعنصرين أو كينونتين متناقضتين. فالحربُ، بالنسبة للرجل، هي امتحانه لرجولته وذكورته حيال المرأة. ثمة ما يقاربُ التوتر في المساحة بينه وبينها. وغالباً لا يستند هذا التوتر إلى ما يُفسّره ـ وأنا أقصد الرجل هنا ـ حيث انه كلّما تخطاها مقترباً منها وداخلاً عالمها، باتت هي الكاشفة له عنه لا عنها!


بالحربِ نمتحنُ جوهرنا الصامد أمام محسوس الموت ومَجازه. وبالمرأة نفحصُ جوهرنا الحائر حيال ' الفكرة / الإرث' أننا، كرجال، الأطول صبراً والأنفذ فكراً والأكثر حكمةً والأقلّ عاطفة. وهنا تحديداً نسقطُ، كرجالٍ بالعموم، في الامتحان؛ إذ كانت ' مريم' أو ' ماسة' أو ' العَمَّة' أو ' منتهى' الذوات الأسطع حضوراً من شخصيات الرواية الذكوريّة! فنحن، عبر علاقتنا ذات الأوجه المتعددة بالمرأة، نفاجأ بأننا لحظة اعتقادنا باقترابنا منها إنما نكون اقتربنا فعلاً من عَرضنا لأنفسنا دون مبالغة على شاشة وعيها.


العلاقة بين المرأة والحرب لدى الرجل علاقة ملتبسة تحتمل أكثر من وجه، وتحمل أكثر من معنى، ولهذا كانت وستبقى موضوعة أساسيّة من موضوعات الرواية المتحركة في فضائهما.


*ماذا بعد ' اليمبوس'؟ وهل تخشى خوض حرب رواية جديدة قد تتفوق أو لا تتفوق عليها، خصوصاً وأنها حظيت بعناية نقديّة و' جوائزيّة' فائقة لم تحظ بها أي من روايتيك السابقتين؟


* نعم. باتت ' أرض اليمبوس' أرضاً تتحداني وتتحدى أي مشروع كتابي أُقْدِمُ عليه. وهذا ليس بالأمر الهيّن أبداً؛ إذ عَليَّ ارتقاء قامتها أو جدارها والنظر إلى ما بَعدها بتجاوزها. علّمتني هذه الرواية أنَّ مفهوم ' التواضُع' ليس مقبولاً في الفن، وأنَّ ' غرور التفوق' يشكّلُ شرارةَ إشعال.


*هل تؤمن بأن الجوائز وسيلة مُثلى لتحفيز الإبداع؟


*قد لا تكون الجوائز بذاتها هي الوسيلة المُثلى، لكنها تشكّل في حالة الفوز بها تحفيزاً مباشراً للكاتب؛ إذ هي، مثلما تتبدّى لي، عامل تحدّ ٍ واستفزاز للخروج على ما تم إنجازه والتجديد والتجويد فيه وعليه. وأيضاً؛ طرح مسألة مُساءلة الذات الكاتبة عمّا سيكون منها في عملها القادم؟ فمن الطبيعي أن يعتبر الكاتب الواعي الجائزةَ إشارة تحفيز إضافةً إلى التقدير، وليست بأي حال تتويجاً، كما هي ليست عَزْفاً ' للّحن الرجوع' أو خِتام المشوار.


*هل لهذا التحفيز دوره في تحفيز القرّاء أيضاً، في ظل هروب معلن نحو وسائل أخرى؟


*استناداً إلى ما لاحظته وعاينته، كان للإعلان عن روايات القائمة القصيرة فور ذيوعها، أن عملت على تحفيز الطلب عليها بُغية الاطلاع والاكتشاف ـ أو تلك التي لم يكن قارئ الروايات عموماً قد تنبّه لها سابقاً ـ بسبب عدم توفرها في بلده، أو لعدم قراءته مراجعات لها في الصحف والدوريات التي اعتادَ تصفحها. ولقد صادَفَ وقتها أن كان تاريخ ذلك الإعلان اليوم الرابع أو الخامس من أيام معرض القاهرة للكتاب، فولدت ظاهرة الطلب على جميع الروايات والسؤال والبحث عنها. كأنما التوق للمعرفة لدى عدد كبير من القرّاء كان ينتظر ما يستفزه فظهر.


بيعت جميع النسخ المتوفرة من الروايات التي شاركت دور نشرها في أجنحةٍ لها داخل المعرض، ومن ضمنها رواية ' أرض اليمبوس' في جناح دار ' أزمنة'. كما بيع منها 450 نسخة في طبعتها الثانية من جناحي دار ' أزمنة' و' المؤسسة العربية للدراسات والنشر' في معرض أبو ظبي.


نعم، للجوائز دورها التحفيزي، كما لها دورها المؤكد في إثارة التساؤل والفضول عن روايات، وربما عن روائيين كانوا غائبين عن ذاكرة أو معرفة القارئ العام، فباتوا بسببها وباتت رواياتهم محل قراءة ونقاش وتقييم.


*كيف ترى إلى دور الكتابة، خصوصاً وأن البعض يقول أنها أصبحت غائبة وغير ذات تأثير يُذكَر؟


*علينا أن لا نخدع أنفسنا بخصوص دور الكتابة في المجتمع. فنحن حين نتطرق لمفردة ' دور' ينبغي أن نَعي أولاً إنْ كانت للكتابة مكانتها بين أفراد المجتمع، وكم هي منتشرة بمنتوجها المتمثّل في الكتب بينهم. إذ ليس من المعقول أو العملي قياس دور الكتابة في التأثير إذا لم يكن الكتاب، كحاملٍ لها، مُدرَجاً على أولويات المجتمع. حينها، ولكي نتحلّى بالشجاعة الأدبية ومواجهة الحقيقة كما هي، علينا القول بأن لا دور حتّى للأعمال الفائزة يمكن الإشارة إليه أو إلى مداه وسط شروط حياتية كهذه.


نحن ما زلنا، ككتّاب وقُرّاء عرب، نتحرك على هوامش المجتمعات الغارقة بتدبير شؤونها اليومية المعيشية التي تزداد صعوبةً واستيلاءً على أوقاتها، وهمومها، وطموحاتها، وتوقها لحيازة تجليات الجَمال... ومن ضمنها حيازة منتوج الكتابة = الكتاب والاستغراق في عوالمه.


*وكيف ترى علاقة الروائي بالأحداث السياسية التي مرّت وتمّر بها المنطقة العربيّة؟


*ردّاً على سؤال مُعِدّ ومذيع أحد البرامج الثقافيّة في إذاعة أجنبيّة عن السبب وراء انشغالي بالحروب والسياسة في رواياتي كلّها، بما فيها ' أرض اليمبوس'، كما في روايات عربيّة أُخرى كثيرة، أجبته بأنه من المستهجَن أن لا ننشغل بذلك في كتاباتنا. فكيف يمكن لنا أن نتغافل عنهما في حين كانا السبب الرئيس في رسم طبيعة حياتنا العربيّة، كجماعات وأفراد، وأيضاً في قوة تأثيرهما على مصائرنا!


نحن، بالإجمال، نشكّلُ الحَصاد المُر لأكثر من ستين عاماً من السياسة الفاشلة والحروب الخاسرة. نحن، كأفراد، شخصيات أعطبتها التفاصيل السياسيّة لَمّا تجلَّت في طبيعة العلاقة الشائكة بينها وبين السلطات والحكومات والأنظمة القائمة على تسيير وتيسير شؤون هزائمها. نحن، كمجتمعات، نُصاب بالتشوهات والنمو المنقوص دائماً والمعكوس نتيجةً لهيمنة التخلّف والاستبداد الداخليين من جهة، ولهيمنة القوى الكبرى على دولنا بإملائها لـ' سياساتنا' العرجاء العمياء والعاجزة!


علاقة الروائي العربي بالأحداث السياسية علاقة عضوية بكل معاني الكلمة. ومن جهتي؛ شكلَّت تلك الأحداث المناخات الدائمة التي أنتجت شخصياتي الروائيّة، والتي تحركت فيها وعاشت تتنفس هواءها الملوث بالخسارات، كما كانت الفاعلة والحافرة فيها إذ تجَلَّت كخلفيّة تؤشّر على تحولاتها.


أنا لم أكتب عن الأحداث السياسيّة والحروب، لكنني كتبتُ عنهما في قوة فعلهما داخل الشخصيات وتأثيرهما الكبير في تكوينها. لا مهرب لنا، كروائيين عرب، من السياسة وإن اختلفنا في كيفيّة معالجتها.


*كيف تشعر إزاء أبطال رواياتك الذين يعانون غالباً من بؤس الحياة وظلمها؟


*الحياة ذاتها ليست هي البائسة والظالمة، بل القائمون على التحكم بتسيير مجتمعاتنا والعالم هُم مَن يحوّلون جَمالها ومفرداتها الرائعة إلى مسلسل لا ينتهي من البؤس، فيقع الظُلم بشتّى مسمياته: الظُلم الاجتماعي، القهر السياسي، السحق الاقتصادي، فتكون الحصيلة بالتالي إنتاجهم لعالَمٍ يُدار وفقاً لقانون الغاب: الأقوى يبطش بالأضعف ويعمل على نهشه، ليصل البعض مِنّا إلى تمني الموت لكي لا يشهد هذا الانحطاط الإنساني المريع!


أبطال رواياتي أبطالٌ مهزومون مقهورون غالباً. أبطالٌ لا يملكون من البطولة إلاّ ما استطاعوا الاحتفاظ به من إنسانيتهم ـ وهذا يكفي لمعاينة القليل من الحُب المفجوع، والدفء المنقوص، والقُبلات المحترقة الشِفاه، ولمسات الحنان المضروب: هذا يكفي لأن أُصَفّق لهم وأن أرثي أحلامهم النائسة في آن.


* لِمَن يكتب إلياس فركوح؟


*إلياس فركوح يكتب لنفسه أولاً، ومن داخله، وفي داخله ـ وهو بسبب ذلك إنما يكتبُ لكِ ولكل مَن يرغب مشاركته هذه المدونة الشخصيّة الخاصة. فإنْ تحققَ له أن حازَ على قارئ أو أكثر؛ فإنه يكتب لهم. إنه يكتبُ لقُرّاءٍ محْتَملين يؤمن بوجودهم رغم جهله بهم.


باختصار: إلياس فركوح يكتبُ لِمَن يرغب في أن يقرأ، وبشرط المَحَبّة.


ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-31-2012, 07:47 PM   رقم المشاركة : [763]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

كتب عن : أرض اليمبوس بتاريخ 2007/10/29
لماذا يـلجأ الـكاتب الى كتابة الحياة الشخصية؟ - روائيون أردنيون يجيبون بقلم حسين جلعاد - جريدة النهار فركوح.


عمايرة. خريس.
شهدت الأعوام الأخيرة ميل بعض الكتّاب الاردنيين الى الاتكاء على السيرة الذاتية، الذين أخذوا يغرفون من حياتهم الخاصة، ويصدرونها في روايات ونصوص سردية. السيرة الذاتية ليست موجودة هنا بوصفها فنا يؤرخ للذات؛ بل هي "حوادث" روائية، أريد لنا نحن القراء أن ننظر إليها بعيون مفارقة. فما يُكتب هو أدب بقدر ما، لكن ثمة إيحاء مرةً، وتصريح مرةً أخرى، بوجود الكاتب في النص. وليس ملائماً وفق معادلة "التخييل" الرجراجة وحالة المخاتلة العامة، أن نحدد ما هو "أدبي" وما هو "سيرة".
مسألة كهذه قد لا تعدّ ظاهرة جديدة في تاريخ الأدب. إنها سؤال نقدي، وربما فكري، مطروح منذ عمر الكتابة نفسها. وقد انقسمت حولها نظريات عدة، فظهرت نظريات في الأدب الملتزم والواقعي، ونظريات أخرى محورها "الفن من أجل الفن".
في عصر ما بعد الحداثة، وما بعد النص، وما بعد الشمولية، بدا أن الصخب الايدولوجي هدأ، واصبحت الكتابة حقيقة تختص بالكاتب وبطبيعة الكتابة أكثر منها جزءا من بناء اجتماعي وثقافي عام. لكن ثقافة التخصص و"الميكروسكوبية" في عصرنا الالكتروني الصاخب هذا، لم تقترح بعد إجابات متماسكة حول السؤال: لماذا يلجأ الكاتب الى حياته الشخصية لكتابة أدبه؟ سؤال نطرحه على كتّاب أردنيين تتفاوت أعمارهم وأجيالهم وإنجازاتهم الأدبية.
الروائي والقاص إلياس فركوح يُعدّ من رموز الكتابة الأردنية، وهو واحد من جيل يشكل الآن صدارة الرواية في الأردن. حملت أعماله ما يمكن وصفه بـ"رؤيا جيل" كامل، أولئك الذين وسموا بنكبة فلسطين عام 1948 وحملوا لاحقا نكسات العرب وانهياراتهم. هذه الموضوعات ظهرت بقوة في أدب فركوح وخصوصا في ثلاثيته الروائية: "قامات الزبد"، "أعمدة الغبار"، و"أرض الينبوس"، وهي الأحدث والأكثر قربا، وربما التصاقا بشخص فركوح، الذي يتعين حضوره في الشخصية الرئيسية، بقليل من المجاز والكناية والتمويه!
في الإجابة على السؤال يقول فركوح: "إذا ما اتفقنا من حيث المبدأ على أنّ الحياة لا تتعيّن "موضوعاً"، في الفن كما في الحياة، إلاّ بوجود "ذات" لا تعاينها فحسب، بل تعيشها كشرطٍ يوجب التلازم معها، فإنّ لجوء الكاتب إلى حياته الشخصيّة لكتابة أدبه يصير أمراً مفهوماً". ويرى فركوح ان المفهوم (concept) يتوجب النظر إليه "ليس باعتباره حجّةً، أو ذريعةً، أو مبرراً، وإنما هو حالة تكتسب مشروعيتها واستقلالها ضمن الكتابة المتصلة بالواقع الممسوك من خلال شخص يقع في القلب منها إلى درجة يتحوّل إلى موشور لها بكل المعاني".
وبحسب هذا "المفهوم"، كما يقول فركوح، "تنتفي الذاتية أو الشخصنة عن كتابةٍ كهذه"، لتكون هي بذاتها "واقعاً آخر ممهوراً ببصمة كاتبها وتوقيعه". ويبقي فركوح أجابته مفتوحة إذ يقلب السؤال ويقول: "أهي رؤية/ رؤيا للعالم، أم "تذويتٌ" له؟ أهو "حَرْفٌ" لوقائع العالم الحقيقية، أم "تحققٌ وتحديقٌ" لعالمٍ طاله الحرف والتزييف في وقائعه؟".
الروائية سميحة خريس حاضرة بقوة في المشهد الروائي الاردني الراهن، كما أن شخصيتها حاضرة في ما تكتب. في روايتها "الخشخاش" تحضر باسمها وشخصها بوصفها شخصية عامة تظهر على التلفاز في حياة الشخصية المركزية في الرواية. وتحضر أيضاً في أحدث رواياتها "امبراطورية ورق: نارة"، حيث تخبرنا الشخصية الروائية التي تدور الرواية حولها انها أوكلت الى الصحافية سميحة خريس مهمة كتابة سيرة حياتها بعدما استبعدت كتّابا مشهورين في الحياة الثقافية الاردنية وناقشت معنا اسماءهم واحدا واحدا.
تمهّد خريس لإجابتها بنفي السخرية من سؤال الذات والكتابة، لكنها تسرّب استنكارها من طرح مسألة كهذه: "لا اقصد السخرية بقدر ما أسأل بصورة جادة: من أين إذاً يستقي الكاتب كتاباته إذا لم يكن من حياته؟ بالطبع ليس من حياتك مثلاً"، لتضيف: "حياة الكاتب تعني مجمل معرفته وتجربته وهي الحقل الذي يتحرك فيه، فكل ما عرفه من مواقف وأشخاص، وشاهده وقرأه وفهمه أو غاب عنه هو حياته، فنحن لا نصدر عن فراغ ولسنا نبتاً شيطانياً، ولا يقودنا التخييل إلى ما هو خارج هذا الكوكب".
القاصة جميلة عمايرة، والتي تعد واحدة من أبرز الجيل التسعيني في القص، تبدي حيرة مشوبة بالشغف تجاه كيمياء الكتابة والحياة: "لا اعرف كيف يحدث للكاتب ان يصطاد نفسه، ليوقعها في شباك من صنع يديه. شباك الكلمات، تتحول الذات الكاتبة او الساردة معها الى ذات مسرودة: تراقب وتعاين وتسرد اناها بمنظور جديد، بأحلامها وانكساراتها ورغباتها غير المتحققة اصلا في مجتمع اسمه الشرق".
وترى عمايرة أن تحولا يطرأ على الذات وعلى الموضوع معا، لحظة يبدأ تخليق النص: "تبدأ الذات الجديدة التي تحضر في النص بالظهور بأشكال وصور قد تختلف عن ذاتها، لكنها في الجوهر تشبهها او تحاول ان تكون ندا قويا لها، واحيانا تحضر بصورة احلام وكوابيس سوداوية".
الكاتب نادر رنتسي من أحدث الكتّاب سنا، ويمكن وصفه بأنه من كتّاب الألفية الجديدة، فلم يكد يغادر مقاعد الدراسة الجامعية حتى أصدر مجموعة قصصية وثقت تجربة ذاتية في الحب، ثم أتبعها بكتاب ثان هو "زغب أسود/ الرواية الناقصة". وفي كتابه الجديد يفصح رنتسي صراحة عن ذاته، ويجيء على ذكر اصدقائه وحياته الشخصية.
رنتيسي له وجهة نظر في ذلك إذ يقول: "لو أتيح إجراء مسح لأهم الروايات التي كتبها أهم الروائيين والقصاصين في العالم لوجد أن أكثر تلك الاعمال إثارة للجدل تلك التي كانت سيرة ذاتية صريحة أو مواربة. أكثر ما يدعم الاجابة المفترضة هو أن القراءة البوليسية، للقراء والنقاد معا، لأهم الاعمال الروائية والقصصية وقياسها على حياة كتّابها، تشير إلى رغبة المتلقي دائما، عاديا أكان أم استثنائيا، في البحث عن معادل واقعي للكتابة حين تتفوق على الواقع بأقصى حالاته غرابة وقسوة وجرأة". ويقول رنتيسي إن ذلك "اجتهاد لبعض ما تبنته مدرسة التحليل النفسي في محاولة الاحاطة بتعريف الابداع بأنه محصلة لتفاعل ثلاثة متغيرات للشخصية: الأنا والأعلى والهو". وهو، بحسب رنتيسي، ما يزيد من اللبس بين الكاتب وشخوصه.

شجاعة أم فقر في الخيال؟
بعض التنظيرات تذهب الى أن الاعتماد على الواقع الشخصي في استلهام الأدب يُعدّ جرحاً في مخيلة الكاتب، فيما يراه آخرون جرأةً وإغناءً للنصّ. فكيف ينظر الكتّاب الاردنيون إلى المسألة؟
يرى فركوح في المخيلة "ما هو أبعد من مجرد الاختلاق والاختراع والكذب الجميل"، ويقول ان المخيلة الأدبية تعني كذلك، "الأخذ بواقعة شخصية وإعادة تركيبها لأتمكن من إشباعها بدلالات لم تكن لتتحلّى بها في الأصل. وإني، عبر متوالية هذا الفعل، أكون اخترعتُ شخصيةً أخرى ليست أنا بكل تأكيد، تماماً مثلما لم تعد الواقعة الجديدة تملك تحديدات أصلها وحدوده في الواقع الذي جُلبت منه".
ويقول فركوح ان ما بين عمليتي "الجَلْب" و"الجَبْل" ثمة مسافة من "التخييل يتطلب تعبئتها بما هو أكثر من مجرد الخيال الواسع"، اي "بمخيلة مثقفة ترى إلى باطن ما تعنيه التغيّرات الحاصلة في جملة الجبلة الحادثة وفي تفاصيلها"، موضحاً "أنّ ذلك يتجاوز محددات الشائع عن "الجرأة"، بمعنى التجاسر على كشف المستور من سيرة الشخص، بما يعني، بدوره، السير في اتجاه "الفضيحة" أو ما يظللها في عيون مجتمعاتنا المحافظة. إنها جرأة الخروج على مألوف الكتابة، وعلى مألوف مفهومها، وعلى افتراضات الواقع، والأهم: الخروج على مفهوم الخيال والمخيلة".
وتؤكد خريس من جهتها أن كتابة حوادث لصيقة بالكاتب "ليست فقراً في المخيلة إذا كان في تلك التفاصيل ما يستوجب الخوض فيه ويثري المعرفة العامة". وتضيف صاحبة "شجرة الفهود": "لا شك أن هذه جرأة كبيرة وشجاعة أن يسمح المرء للعيون بالتلصص على أدق خصوصياته، وهو أمر صعب في مجتمعنا، لأن هناك من يسمح لنفسه بالحكم الاخلاقي على الخلق، وهناك من يتردد في تقويم المكاشفة".
وترى خريس أن مسألة كهذه ليست مطروحة حين يتعلق الموضوع بالحديث عن كتّاب الغرب، وهي تستنكر الاشادة "بالافصاح الذي يمارسه كاتب غربي"، فيما "يُذمّ الكاتب العربي إذا أقدم على ذلك". وتؤكد أن حالة الازدواجية هذه تزداد "قسوة وتخلفاً في التحليل والتقويم، إذا كان الكاتب انثى"، لافتةً الى أن "هذا الأمر سيشهد اندحاراً حقيقياً بسبب شجاعة الكاتبات وإقدام الكتاب إزاء حياتهم الخاصة، أما من ينكفأ فهذا يعني ضعفاً في تكوينه ككاتب وقدراته على رفض السائد والمتعارف عليه".
القاصة جميلة عمايرة، التي أصدرت حديثا كتابها الجديد "بالابيض والاسود"، بعد ثلاث مجموعات قصصية، تعترف بأن نصها الجديد ملتصق بذاتها، وتقول بدون مواربة إنه "مرثية للذات والاحلام في واقع لا يعترف الا بالظاهر"، وتضيف أن كتابها الذي جاء كرواية قصيرة يعتمد "على الذات الساردة التي توظف ضمائر متعددة لتتحدث عن نفسها عن الماضي، عن الاحلام بالمناجاة حينا والبوح والاختلاء مع النفس حينا آخر؛ لتدور الفكرة الرئيسية عن علاقة الذات مع الاخر المهيمن الذي يملك حق الاقصاء والادناء، انه الاسود الذي سميته في النص امام نقاء الابيض وطهارته".
وتعلن عمايرة صراحة أن الكتاب "سيرتي غير المعلنة، وجهي كما رأيته في مرآتي، لتحضر سيرتي كما عاينتها وعشتها؛ فلا كتابة خارج الذات"، لتقرّ بأن الكتابة من حيث المبدأ هي "محاولة للخروج الى فضاء الحرية"، لكنها بحسب وصفها، تظل "مسوّرة بالذاتي". هذا السور يتأتى من "الخسارة والجرأة وألم الفقدان"، ولهذا فإن الذات تحاول ان "تلجأ الى الاحلام كوسيلة من وسائل الحماية من دون اهدار او اقصاء او مصادرة او تنظير". إنها "احلام تستند في جوهرها الى حياة الساردة الشخصية والنفسية بكلمات تقطر بالصدق والمكاشفة التي تحبذها الأنا الساردة".
يقول رنتيسي إنه تردد كثيرا في كتابة صادمة حول تجربة شخصية، ما دفعه إلى "تقديم مجموعة قصصية على كتاب يتطرق إلى تفاصيل دقيقة للجسد والروح في إطار علاقتين عاطفيتين"، ويعترف: أحسب أني كنت قاسيا على نفسي"، ويرى أن الكتابة إذا كانت "مقياسا شديد الدقة لمدى عمق تجربة الكاتب، وتعدد حيواته؛ فإنها أيضا حين تتجه إلى الذات تخرج بصدقها وجرأتها عن كونها فعل استشفاء ونقاهة أو ممارسة باردة على شرشف أبيض، واستدراكاً سريعاً للحياة، وزهداً كاذباً بالمرأة التي ذهبت"، مستنتجاً أن التخليق الأدبي في المحصلة "مجرد ورقة في اضبارة مريض على أتم الاستعداد للشفاء


ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-31-2012, 07:50 PM   رقم المشاركة : [764]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

كتب عن : أرض اليمبوس بتاريخ 2009/10/10
الواقعي والمتخيل في "أرض اليمبوس" لإلياس فركوح بقلم د. محمد عبد القادر عمان- تمثل رواية أرض اليمبوس لإلياس فركوح، والتي وصلت الى القائمة القصيرة لجائزة "البوكر" للعام 2008، نموذجاً للسمات المميزة للرواية الجديدة أو لرواية "الحساسية الجديدة" على حد وصف إدوارد الخراط. وبصدور هذه الرواية يكون إلياس قد أبدع ثلاثية روائية بدأت بـ"قامات الزبد"، تلتها "أعمدة الغبار"، ثم "أرض اليمبوس"، لتشكل في مجملها مشروعاً روائياً نهل فيه الكاتب الكثير من مكوناتها الفنية، من تجارب ذاتية، هي في حقيقة الأمر ليست ذاتية محض، بقدر ما هي حصيلة لذاكرة جماعية أيضاً. ومن هنا تبرز إشكاليتان أساسيتان فيما يتصل بكتابة إلياس فركوح الروائية: الأولى: هل يظل النص السردي المرتكز الى السيرة الذاتية عملاً ينتمي بجدارة الى عالم الرواية؟ والثانية: إلى أي مدى يشكل الواقع متن الرواية، وأي دور للمخيلة في إنتاج رواية فنية يلعب فيها التخييل دوراً رئيساً في إنتاج العمل الفني؟
إن قولنا أن إلياس عكف على كتابة مشروع ثلاثية روائية – حتى الآن في أقل تقدير – يدعونا الى توضيح الصلة الأساس بين رواياته الثلاث:
في قامات الزبد يرسم الكاتب ملامح مرحلة معينة تبدأ بانطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة وتواجدها في كل من الأردن ولبنان باعتبارها رداً على هزيمة حزيران 1967 مروراً بأيلول 1970، وحرب تشرين 1973، وسقوط مخيم تل الزعتر في عام 1976. على أن السرد الزمني في الرواية لا يتسم بهذا التسلسل التاريخي المتصل، لعلاقة ذلك بالأداء الفني، وكذلك الحال في الروايتين التاليتين.
ثم صدرت أعمدة الغبار، لتتناول مرحلة أعقبت سقوط تل الزعتر، ثم زيارة السادات لفلسطين المحتلة، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية ثم الحصار الاسرائيلي لبيروت.
وها هي أرض اليمبوس تستكمل بعض الحلقات عبر تداعي السيرة بدءاً من الولادة في العام 1948 والتنقل ما بين عمان والقدس، ثم سقوط القدس الشرقية في العام 1967، وامتداد السيرة حتى مشارف اندلاع الحرب على العراق في العام 1991. ولست أزعم بذلك اكتمال المشروع الروائي لالياس فركوح، فالحياة ما تزال زاخرة بالتجارب الفردية والجماعية وإن كانت ذات طبيعة مأساوية في غالب الأحيان.
وما يدل على مشروع الثلاثية الروائية أيضاً، هو البناء السردي المتشابه الى حد كبير في الروايات الثلاث، وهو بناء قائم على تفجير الفضاءات الروائية بأمكنتها وأزمنتها وأحداثها وشخصياتها، ليقدم لنا الكاتب عالماً من التشظي والتفكك والانقطاع، وبالذات ذلك الانقطاع الوجداني الإنساني الذي يخلفه انقطاع مسار الذاكرة. كما أن الروايات الثلاث تحمل الكثير من الآراء والأفكار السياسية والفلسفية والأدبية (الفنية) المشتركة، وليس هذا بغريب على كاتب ينهل في رواياته من عالمه الفكري والوجداني والثقافي والسياسي.
إن لفظة "اليمبوس" قد وردت في مغزاها ودلالاتها على لسان خالد الطيب في الرواية الأولى قامات الزبد، في سياق وصف دقيق للصراع الداخلي الوجودي الحاد الذي تعيشه الشخصية والذي عبر عن نفسه في "مونولوج" أو حوار ذاتي جاء فيه:
"أنت تقضي علي بترددك الدائم، بخوفك الخروج من نقطة الوسط. أتعرف؟ أنت في الوسط، وأنا ... أنا أريدك أن تقفز معي الى النقطة الأخرى. لكنك تكبلني. فلا أقدر على المغادرة".
ثم يتابع:
"أتهرب مني؟ تختفي في عتمة المرآة؟ سألاحقك وأقتلك عند نقطة جبنك. عند نقطة الوسط أيها الجبان. أيها الجبان لن تفلت مني مهما هربت".
على أن لفظة اليمبوس تولد بحروفها ودلالاتها في أعمدة الغبار:
"أدركت هي مساحة البساطة المثلى، تلك المفروشة في غور شخصيته، وتلك الواضعة إياه في منطقة "اليمبوس" الكاثوليكية: طفل لم يخطئ ليساق الى جهنم، لكنه لم يتعرض لماء المعمودية لينال خلاصه من جرثومة الخطيئة الأصلية، ويفوز بالجنة".
وظلت اللفظة في سياقها تعكس ثيمة من ثيمات الروايتين، حتى إذا ما صدرت "أرض اليمبوس"، وإذا بالفكرة تحتل المشهد بكامله لتغدو ليس فقط عنوان الرواية، أو عنوان قسمها الأخير بل عنوان مرحلة تصوّر أزمة أمة، ومأزق بناها الفكرية وقياداتها. إنها المراوحة عند منطقة الوسط. حين يستعيد السارد الشاب مرحلة من حياة الشباب الأول يقول لنفسه "علّني تورطت في منطقة الوسط، ما بين مناظر صالات السينما ونقاشات المقاهي عن آخر كتب قرأناها."
وهنا تكون منطقة الوسط تعبيراً عن غياب الوعي وغياب الطريق. ولكنها في سياق لاحق ستكتسب دلالات أخرى ذات صلة بالهوية حين يستدعي الشاب الباحث عن دور وطني فاعل السؤالين اللذين تلقاهما من مصدرين مختلفين:
لست منا فلماذا تكون معنا؟
لست منهم فلماذا تكون معهم؟
وهنا لا نتحدث عن شاب يقع ضحية نزق أو لامبالاة بل نرى شاباً وطنياً يواجه نماذج من الوعي البدائي المتمثل بالتمييز على أساس العرق أو الدين، أو أي شيء آخر، ليقذف به في منطقة اليمبوس.
ثم يبرز القسم الثالث تحت عنوان "اليمبوس" لتستقر الدلالة بأن جمهور الأمة ومثقفيها يقفون في الأرض الحرام، بلا فعل، وبلا رؤية، وبلا قدرة على القيادة. لكن السارد إذ يخاطب قرينه لا يغلق الباب أمام الحركة، ذلك أن اندماج الوعي بالفعل سيبقى هو الطريق. في نهاية الرواية نقرأ الخاتمة التالية:
"حاول. أنت تعرف. لن أكون بعيداً عنك. يدي في يدك، ولسوف نعبر معاً الى الضفة الأخرى بأقل الخسائر".
ولا شك أن "أرض اليمبوس" استلهمت مخزون الذاكرة الواقعية والتاريخية لكاتبها، عبر انتقاءات من سيرة ذاتية، فكان أن حضرت حروب شهدتها الساحات العربية من العام 1948 حتى العام 1991، وحضرت رموز وشخصيات حقيقية: جورج حبش ومنيف الرزاز، وصادق جلال العظم، وحضرت مدن القدس وعمان ويافا واللد ومخيم الوحدات ومدارس وكالة الغوث، وغير ذلك، وحضرت تجارب سياسية وحزبية ووجدانية وعلاقات اجتماعية لها ارتباطات بشكل ما بالسيرة الذاتية. لقد كان حضور الواقع ملموساً الى حد بعيد، وما كان في مقدور ذلك الواقع ببصماته السياسية والتاريخية والاجتماعية من دون التخييل أن ينتج عملاً إبداعياً. هذا التخييل الذي بدأ من عنوان الرواية والذي يفضي إلى مرجعيات دينية وأدبية ورمزية وثيقة الصلة بالواقع في ظلالها ودلالاتها.
لا بل إن المشهد الروائي الفني الأول يحيل الى التخييل حين ينظر الراقد في المستشفى الى لوحة السفينة التي تتقاذفها الأمواج مشارفة على الغرق، فيخترق التأمل العالم الفني وينفذ الى الواقع عاقداً مقارنة بين المشهد التشكيلي والواقع الخارجي، إذ يتماهى المشهدان بحيث لا يستطيع القارئ أن يميز بين سفينة توشك على الغرق وواقع عربي موغل في التردي والسقوط.
على أن القيمة التخييلية الأساس في أرض اليمبوس تكمن في البناء السردي الذي شيده الكاتب، متجاوزاً خط السرد الواقعي التاريخي للحدث وإلاّ كانت روايته سرداً موضوعياً تاريخياً لسيرة ذاتية خالية من الأبعاد الجمالية والفنية التي يخلقها التخييل. أرض اليمبوس رواية تخلو من الحبكة أو العقدة أو التسلسل الزمني للأحداث، بل هي سرد مركب تتعدد فيه أصوات الساردين ويغيب المؤلف كسارد، بل يصبح شخصية أساسية من شخصيات العمل، ويمضي الى أبعد من ذلك بأن جعل الشخصية تخلق قرينها تعبيراً عن الازدواجية القائمة فيها، ما يساعد على تأمل الشخصية لذاتها، ومساءلتها، ومساندتها، أملاً في أن تتوحد الشخصية والقرين ليصبحا كياناً إنسانياً واحداً بوعي فاعل وطريق واحد.
في هذا البناء السردي المفتوح، لا توجد قمم ولا تلال، لا مد ولا جزر بل سهل فني منبسط تتعدد فيه أساليب السرد، فأحياناً يكون الوصف، وأحياناً تكون الذاكرة الشفوية عبر آلة التسجيل، وأحياناً توظف النصوص وقصاصات الصحف، وأحياناً الحلم أو الكابوس، والمونولوج (حوار الذات وتأملها)، وأحياناً الحوار بصوت عال مع القرين. هذا البناء التخييلي يجد له جذوراً في الواقع: الذاكرة انقطعت عن أزمنتها وأمكنتها، العالم فوضى لا ضابط لها، والأحداث شظايا متناثرة على امتداد العمر. كأن الياس يكتب محاوراً ذاته: أي عمر هذا؟ تولد في عام 1948 فتضيع فلسطين! فيصبح عام ولادتك عام شؤم، ويشتد ساعدك فتى قبل العشرين فتضيع القدس وينقطع امتداد التجربة والذاكرة، وما أن تدخل مرحلة الشباب حتى يسقط تل الزعتر، ويمتد بك الشباب قليلاً فإذا بيروت تحت الحصار الكامل، وإذ تغدو كهلاً تشهد حرب التحالف على العراق. هي وقائع على أية حال لا تخص المؤلف وحده، بل هي ذاكرة الجيل الذي شهد هذه المرحلة، وذاكرة أمة ما تزال تبحث عن بوصلة. في مشروعه الروائي الناجز قدم إلياس فركوح محاولة لإدراك الذات من الداخل، وإدراك الذات في تفاعلها مع الواقع بأحداثه وناسه، ليكتب رواية تستند إلى سيرة الذات باعتبارها سيرة جماعية أولاً وقبل كل شيء، ولا شك في أن قيمتها الفنية العالية هي التي بلغت بها قمة الصفوة الروائية العربية للعام المنصرم



ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-31-2012, 07:51 PM   رقم المشاركة : [765]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

2006/03/17،
الروائي والقاص الأردني الياس فركوح يتخلى عن «لعبة الأقنعة» ليتقدم إلى كتابة السيره .. حاوره- حسين جلعاد - الرأي بعد نحو ثلاثين عاما من الإبداع، يتخلى الروائي والقاص الياس فركوح عن «لعبة الأقنعة»، ليتقدم إلى كتابة سيرية، يتهيبها كثير من المبدعين، وهو بذلك يضع قلبه وروحه باسمه وتاريخه الصريحين على بياض الورق، ليستنطق ذاته التي تحمل ارثها الشخصي والاجتماعي والتاريخي في ضفيرة تجدل تحولات الذات بفردانيتها وعقلها الجمعي معا، حيث التاريخ العام جزء من الذات، وحيث الفرد بؤرة للتحولات والأفكار الكبرى.
في روايته الجديدة، قيد الكتابة، يعود فركوح إلى «ذات لم تبن أو تتشكل بمعزل عن الآخرين والاشتراطات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي وضعتهم جميعا في أتون لا يستطيعون الفرار منه. ولا يستطيعون، في الوقت نفسه، إلا أن يجابهونه بمقدار ما يملكون من وعي» حسب ما يوضح في حوارنا هذا معه.
الرواية الجديدة كانت أيضا مدخلا للحديث حول تنظيرات الكتابة والنقد، وكذلك مكانة الأدب الأردني وتواجده في الساحة الثقافية العربية، وكذا إشكالية العلاقة بين الإبداع والسياسة.
والياس فركوح من مواليد عمان عام 1948، تلقى تعليمه حتى الثانوية العامة متنقلا بينها وبين القدس، وهو حاصل على بكالوريوس في الفلسفة وعلم النفس، وعمل في الصحافة الثقافية من عام 1977 - 1979، كما شارك في تحرير مجلة «المهد» الثقافية طوال فترة صدورها، وأسس دار أزمنة للنشر والتوزيع عام 1991، ويعمل مديرا لها. حازت روايته «قامات الزبد» على جائزة الدولة التشجيعية للعام 1990 وكذلك حاز على جائزة الدولة التقديرية/ القصة القصيرة عام 1997 كما نال جائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة من رابطة الكتاب الأردنيين، وكانت الرابطة، قبلها، منحته جائزة أفضل مجموعة قصصية للعام 1982 (إحدى وعشرون طلقة للنبي).
صدر له نحو عشرين كتابا في حقل الرواية والقصة والمقالة والنصوص والترجمة ومنها: «أعمدة الغبار» (1996)، «قامات الزبد» (1987)، وفي القص: «شتاءات تحت السقف»، «حقول الظلال» (2002)، «من يحرث البحر» (1999)، وفي المقالة «أشهد علي.. أشهد علينا: السرد، آخرون، المكان» (2004) وفي النصوص: «الميراث الأخير» (2002). وفي الترجمة: «آدم ذات ظهيرة - قصص مختارة» بالاشتراك مع مؤنس الرزاز، وتاليا الحوار:

* «ميراث الأخير» مجموعة نصوص بحسب التوصيف المكتوب في سيرتك الإبداعية، لكن قياسا إلى حجم المؤمل وما كنت تتمناه فهو نصوص شعرية، لماذا كنت أعلنت عنها بداية على نحو «سري»، إن جاز التعبير، حيث كنت نشرتها في الصحف تحت اسم مستعار (راكان خالد)، ولم تعلن عن تبنيها سوى لاحقا؟ وهل الشعر بالنسبة لك يحتاج مغامرة لتكشف عن وجوده فيك؟ ما الذي يريده الروائي والقاص من الشعر؟ ماذا يحقق له مما لم يقله، خصوصا أنه امتلك ناصية التعبير في كل ذلك السرد الذي أنتجه؟

ليس جديدا حين أقول أن مجموعة نصوص «ميراث الأخير»، كانت محاولة مني لاستكناه معنى الشعر الذي توسم به لغتي أو تشكيلي للفضاءات المتوفرة في كتابتي السردية، وهذا يعني أنني، بقدر ما كنت أريد أن أطرح السؤال على الآخرين الذين يقرأون تلك النصوص بالاسم المستعار المشار إليه. كنت أيضا أسأل نفسي واستفسر عن ماهية الشعر أو جوهره بعيدا عن الأشكال والأوزان، وبعيد هنا أشدد على ما سأقول- عن صخب المعارك والسجالات التي اعتدنا عليها في المجلات والصحافة الثقافية. وإني لأسأل، حتى هذه اللحظة: ما هي طبيعة نصوص «ميراث الأخير» إذا ما أخضعناها لترسيمات الأجناس وحدودها؟ أهي قصيدة نثر بمعنى احتمال تضمنها لشعرية ما جاءت على نحو سردي؟ ما زلت حتى الآن عاجزا عن الإجابة. أما عن كون الشعر طموحا أو أمنية لطالما أردت أن أدخل غمارها؛ فلا أعتقد أنها كانت كذلك حقيقة. هذا البعد أشعره أو أشعر به يتحرك في داخلي حتى في خضم انشغالي بصياغة مشهد سردي، يوقفني ليسألني عن هويته في لحظة أشركه فيها بسردية واضحة قد تبدو هجينة إذا ما انضفرت في هذا البعد.

انفتاح الكتابة «ميراث الأخير» إشارة على انفتاح كتابتي، بالعموم، على فضاءات أو مناطق لا تحبسها الأجناس، ومن ثم فلن تجيء رغما عني، إلا بنصوص تتسم بخلاسية لا ارفضها، بل أرغب في أن تكون، وربما لإيماني بأن اختلاط الدماء في حد ذاته، أو إذا ما استعرنا تشبيهات المستشرقين أو المستعمرين الغربيين هذه «الهجنة» الجميلة. إن لجوئي إلى التخفي وراء اسم مستعار، كان بسبب من عدم وثوقي مما أكتب، جازما، في الوقت نفسه، بأن هذا ليس سردا- وهو ميداني المألوف. وكنت أخشى إذا ما وضعت اسمي الصريح أن تقرأ النصوص لدى الجميع مغلفة بأحكام مسبقة تأتت من قراءاتهم لسرودي. وأعود فأقول أن النصوص بالاسم المستعار كانت تجربة لاكتشاف هويتها من جهة، وربماهو خبث مني للوقوع على مدى عمق أو هشاشة شرائح كبرى من القراء/ المثقفين/ الكتاب.
ما أريده من الشعر هو أن أمتلك،حقيقة، بعض تمشيحاته، إن جاز التعبير. أن يثري سردي وأن يساعد، في الوقت نفسه، على توسيع مسألة المخاتلة وتعميق المعنى، وتعدد مستوى الدلالات. هذا ما أريده من الشعر في داخل نصي السردي، ولا أدري حتى الآن كم كنت قد نجحت في ذلك أو في جزء منه، أو تطعيمه وتعميق معناه ودلالاته.

تجربة شعرية
* بالقياس إلى ما أتيت على ذكره الآن بخصوص المخاتلة، واستعارة الاسم للتعبير عن «تجربة شعرية»، إلى أي مدى تعتبر التجربة الروائية لديك مخاتلة أيضا؟ بمعنى كم اسما حملت شخوصك الكثيرة والمتعددة المناخات- لاسمك الحقيقي الأصلي؟

لا أخفي- لا بل أعلن- أنني كشخصية خارج النص كاتبة له في الوقت نفسه، عن تواجدي المستمر والمتصل بحيث لا أستطيع الفرار مني، حين أتعرف في سرودي الروائية إلى كل تلك المراحل التي مررت بها، أسوة بمجايلي.
هذا يعني أنني تقنعت بأكثر من اسم دون أن أخفي هذا القناع أيضا، لا بل أعمل في روايتي الجديدة على استنطاق القناع نفسه، فربما يخبرني عني بما لا أعرف، داعيا إياي إلى السفر في وكشف ما كان مطمورا قبل الكتابة، فبات مكشوفا على وقعها. قد تكون أو تندرج الرواية الجديدة في إطار الرواية السيرية أو السيرة الروائية، ولست هنا بمعترض على التسمية؛ إذ ليست هي العنوان الذي كتبت في مناخاته واشتراطاته هذه الرواية، بقدر ما أحاول فيها، مثلما حاولت في سابقتيها، أن أقول عني في نسيج رؤيتي لسواي في الإطار الزمني المشار إليه بالمراحل. وكذلك امتحان مكاني وسط هذا الحشد الهائل من تفاصيل كانت في نتيجتها قد شكلت لوحة الانكسار الكبير الذي عشناه وما نزال حتى هذه اللحظة. كأنما الانكسار يطالبنا بالكتابة عنه علنا، إذا ما فعلنا وعلى نحو صادق، نقدر أو نستطيع أن نجبر شظاياه؛ لكي نرانا دون تزييف.

كشف الذات للذات
* نجهد في أولات الكتابة إلى التقنع وراء الشخصيات، ثم ها أنت الآن تعود إلى كشف الأقنعة للوصول إلى ما تخفي وراءها، ما الذي تحاوله الكتابة إذن؟
بل ما هي الكتابة بعد كل تلك التجارب، وكل ذلك العمر؟


المزيد من كشف الذات للذات ضمن مفهومي الواضح والقائل بأن هذه الذات لم تبن أو تتشكل بمعزل عن الآخرين والاشتراطات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي وضعتهم جميعا في أتون لا يستطيعون الفرار منه. ولا يستطيعون، في الوقت نفسه، إلا أن يجابهونه بمقدار ما يملكون من وعي، أو نصف وعي، أو شبه وعي أو بوعي مشوه. الكتابة الآن هي كتابة الذات غير المعزولة عن محيطها، وليس هذا اختيارا أو التزاما بلحن قديم لا يزال ينبعث من الكراريس والكتب الأيدولوجية؛ بل هو الصوت الصادق الذي يحاول، على الأقل، أن لا ينسب أخطاء هذه الذات إلى الآخرين، وكذلك أن يواجه الآخرين بأخطائهم حتى وإن عبسوا وتولوا.
الكتابة، كما أراها وأعاينها في كل حرف أكتبه في هذه الرواية الجديدة، هي كشف حساب لمجموع الأخطاء والخطايا. الكتابة تراكم أخطاء ينبغي، على ضوء رؤيتي الخاصة لها، أن أعيد ترتيبها لتكون الفضيحة في «أجمل» صورها و«أزهى» تجلياتها.
الكتابة ليست بطولة، تماما مثلما أن البطولة قد انتزعت منا حيال واجبات بناء ما كان مكسورا وما يزال؛ ولهذا قد استعير مفهوم البطولة في إعلاني عن افتقاري لها.

فضيحة مجتمع

* الكتابة السيرية تفتح شهية القارئ على تتبع «فضائحية» ما، أو أسرار يبوح بها الكاتب. إلى أي حد تلبي روايتك السيرية الجديدة شروط حيازة الشجاعة في كشفها والإخبار عن السيرة الذاتية؟ هل هي كتابة منقادة فعلا، أم أنك تغالب فيها ضميرك الجمعي والاجتماعي؟

أنت تعرف أن الكتابة، حتى وإن كانت من الذات عنها، إلا أنها وبسبب وعيي على أنني لست سوى الفرد الواحد وسط حشد من الأفراد الآخرين؛ إذن فلن تكون الرواية إلا صورة ما من صور اشتباك أو امتزاج هذه الذات بذوات أخرى تتلاقح معها وتتصارع، تتآلف أو تتنافر، لكنها سيرة وجه يحمل ملامحه، ويحمل ملامح أخرى ليست له أيضا. وهذا من صميم الكتابة، كما تعرف أيضا.
سيجد القارئ مناخات أخرى وجديدة، وسيقع على اعترافات قد لا تكون في تفاصيلها فضائحية، لكنها في صميمها وفي جوهرها إنما تدل على أن الفضيحة، إن مارسنا أفعالها، ليست سوى فضيحة مجتمع أجبرك وأجبرنا جميعا على اقترافها.

باب التجريب

* أين تصنف كتابتك هذه قياسا بتجارب السرد العربي، هل تراها «معمارا نافرا» كما وصفها أحد النقاد، أم أنك تقدمت إلى مساحات إبداعية جديدة أردت فيها أن تناسب أشكالك مواضيعك؟

إذا نظرنا إلى هذه النصوص من الخارج، فلن تكون إلا نصوصا مفارقة للسائد إن في لغتها أو في بنائها. أتفق مع هذا الرأي لأنني، حين كتابتي، أتقصد ذلك بوعي حاد منطلقا من أن الكاتب في النهاية هو أسلوبه، وأن الكتابة في محصلتها هي كاتبها.
هذا من الخارج. أما إذا نظرنا إلى هذا المنتج المكتوب من زاوية داخلية (إذا جاز التعبير)، فأزعم أن رؤيتي إلى العالم وبالتالي إلى ذاتي تتحلى بخصوصية هي محصلة طبيعية لا بطولة فيها ولا تميز. وإذا ما صح هذا الزعم، فإن هذه الرؤية الخاصة ستتشكل بالكتابة على نحوها الخاص كتابة خاصة بالتالي. هكذا تتبادل عمليتان أدوارهما لتكملا مشهد الكتابة: رؤية خاصة إلى العالم، رؤية خاصة إلى الكتابة، مما يؤدي إلى: الكتابة على غراري.
هل هذا تجريب؟ أنا لا أستريح تماما إلى توصيف هذه الكتابة وإدراجها في خانة التجريب؛ لأن التجريب يعني التقصد من أجل المغايرة، وهذا يتضمن افتعالا بمعنى ما لست أحبذه. أزعم، من جديد، بأن مغايرتي تأتت من كوني في داخلي، وكيفية تفاعلي مع محيطي، إنما هي تجلية لخصيصة أفردت وأفرزت كتابة مغايرة. فالمغايرة بهذا المعنى مغايرة طبيعية لا تقصد فيها ولا تكلف، أو هذا ما أراه.

نزعة التفكيك

* في مناحيك «التجريبية» ثمة نزعة إلى التفكيك، وإعادة بناء المواضيع التي تعالجها من زوايا مفارقة للوعي السائد، كيف يمكن الوصول إلى كتابة إبداعية يوازن فيها الروائي بين رؤاه الخاصة، وبين ما يجريه من سرود على ألسنة شخوصه؟ أم أن الرواية فعلا هي رواية صاحبها؟

هي رواية صاحبها دون مواربة أو تزويق في الكلام. غير أن سؤالا يطيب لي أن أطرحه علينا كلينا: من هو الكاتب؟ من الفرد؟ أوليس هو، في عمقه، أكثر من كائن واحد، بمعنى أكثر من وجه واحد!!. بمعنى أنه حمال لأثقال من التناقضات هي ملامح منه ومن غيره؟ إذا وصلنا إلى اتفاق على هذا الضرب من التعريف؛ فإن جملة الشخصيات المتباينة أو ملامح الشخصيات المتباينة في قصصي وروايتي ستكون نسخة فنية، وصورة أحيانا بالأبيض والأسود وأحيانا أخرى بالرمادي، وأحيانا ثالثة بالألوان بفضاءات داخلية تكرس مبدأ التناقض وصراع صاحبه من أجل خلق توازن لا يتحقق، في نظري، إلا بالكتابة.

الإبداع الأردني
* استطعت مع عدد من مجايليك أن تذهبوا بالإبداع الأردني إلى مساحات غير مطروقة سابقا، وحين يتم الحديث الآن عن إبداع روائي أردني، فإنكم تذكرون كجيل رسخ أدبا أردنيا ذا ملامح مميزة. إلى أي حد استطاع المبدعون الأردنيون الوصول إلى الساحة الثقافية العربية، بحيث يمكن القول أننا أصبحنا الآن جزءا صلدا منها؟

من الضروري الإشارة والتأكيد على أن نضجا ملموسا قد تحقق في عديد من النصوص السردية (قصة ورواية) والشعرية، ما كان له أن يتبلور إلا لأن تراكما قد لحق بهما أنتج، بالضرورة، ملامح نوعية لا يجوز إغفالها من جهة. كما لا يجوز عدم إدراجها عند دراسة المنجز الأدبي العربي وفي حدود التميز من جهة ثانية. وإني حين أدلي بشهادة كهذه لا أصدر عن مبالغة، ولا عن جهل وعدم إطلاع عما يسجل الآن في المدونة العربية.
هنالك ما ينبغي الإلتفات إليه في كتابات أنجزتها مجموعة أسماء أردنية، وذلك لاستحقاقه هذا وبعيدا عن مجاملة الذات لذاتها، أو خداعها بالتحرك داخل إطار الوهم.
فعند تصفح مضمون ومحتويات المدونة العربية، فإننا سنقع للمبدع الأردني فيها على نصيبه الواضح دون شك. غير أن جملة أسباب تكمن في الإبقاء على هذا المنجز بعيدا عن الضوء وسط منطقة الظلال والعتمة على نحو يلحق به الظلم.
ولكي لا نلجأ إلى تبرئة ذمتنا ؛ علينا أن نعترف بتقصيرنا في حق أنفسنا ؛ إذ لم تعمل جهة رسمية أو أهلية ذات صلة بالثقافة على «تسويق» هذا المنجز بصورة منهجية وعملية. لم تعمل هذه الجهات على ذلك حتى أردنيا ! حتى في الداخل ؛ فكيف سننتظر منها أن تفعل هذا في الخارج ؟! كما أن الصحافة المحلية لا زالت تتعامل مع نفسها على أنها مجرد صفحات تقرأ في عمان ومدن ثلاث أخرى، دون أن تتحلى بطموح أكبر لأنها، للأسف، تفتقد الرؤية المتجهة للعالم خارج حدودنا. علينا الإقرار بدوام مركزية بعض العواصم العربية في حقل الثقافة دون أن تتخلى عن نظرتها لنفسها كونها كذلك. أما الأخطر؛ فهو توطن هذه النظرة حتى عند مبدعينا على الأغلب. فهم يرون بأن الاعتراف بهم خارج الأردن سيعمل على تكريسهم داخله !.. ولعل في هذا شيء من الصحة.. للأسف.

الثقافي والسياسي

* جهد الأدباء في دفع تأثيرات السياسة، وكذا جهد المثقفون في دفع تأثير السياسيين عن نصوصهم وإبداعاتهم، ولكن رغم أن المبدع/ المثقف وازن بين إبداعه وحضوره الثقافي في الحياة الاجتماعية والسياسية، بمعنى أنه تعاطى مع الفعل السياسي والتغييري على هدي من تجربته الثقافية، إلا أننا نلمس مؤخرا طغيان النظرة الأدبية الصرفة في تعاطي المثقف مع ثقافته، فيما العالم الآن غدا أكثر تسييسا، وأوغل السياسي في سيطرته تحت مسميات «محاربة الإرهاب» أو «الدفاع عن حرمة المقدسات»، فيما نرى المثقف ينسل مثل خيط ماء دقيق بدعوى حريته وتنسكه الإبداعي.؟
كيف ترى إشكالية علاقة الإبداع بالسياسة الآن وكيف يمكن الوصول إلى صيغة متوازنة بين الثقافة والسياسية؟


إن علاقة الإبداع بالسياسة علاقة إشكالية بامتياز، نظرا لصعوبة التوفيق بين البرغماتية والمثالية. ففي الأولى، غالبا وكأنما هي القاعدة، تنحى الأخلاق والمبادئ جانبا لتحل محلها اشتراطات المنفعة والجدوى الآنية، مكرسة نفسها على نحو تبريري قوامه أن السياسة «فن الممكن». ولأن الأمر هكذا ؛ فلنا أن لا نفاجأ بكم الأخطاء بل الخطايا التي سوف تلحق بالإنسان لحساب «تحقيق الممكن» في خضم صراعات الدول أو تحالفاتها رغم براقع الأخلاق والحقوق الكاذبة وباسمها زورا وبهتانا.
ولهذا ؛ فإن إشكال التناقض يبرز قاطعا صارخا عندما يكون الإبداع، ممثلا بمنتجيه، يقف على الطرف النقيض تماما من السياسة ؛ والسياسة العربية تحديدا كونها لا تتحلى بالأخلاق أساسا، وفي الوقت نفسه لا تملك وزنا حقيقيا في تقرير «سياساتها» الاستراتيجية فتفقد لهذا السبب حتى شرف الانتساب لمصطلح السياسة لأميتها الفادحة في كلا الوجهين.
الإبداع، في جوهره العميق، معاكس تاريخي للفساد بكافة تجلياته. فما بالك، إذا ما كان للفساد الكلي صفة الجامع المشترك للسياسات العربية وكتائب العاملين فيها من (سياسيين) يفتقدون حتى الخصائص الاحترامية لهذا.
غير أن ذلك كله لا يعني انصراف الإبداع بمبدعيه، عن الخوض في المسائل والقضايا التي تفرزها السياسات العمياء أو الحمقاء عندما تطال في نتائجها تفاصيل الإنسان الفرد في حياته اليومية. ولأن ما أشير إليه ليس استثناء؛ فإن نسبة عالية من الإبداع العربي ما يزال غير مستنكف عن التعرض في نصوصه لتلك الحالات، رغم تسربلها ضمن الجيلين الأخيرين بعوالم الذات التي تبدو خالصة تماما. وحتى لو افترضنا نسبة عالية من هذه الكتابات قد انصرفت فعلا إلى دواخل كتابها / كاتباتها ؛ فذلك أحد آثار غياب العمل السياسي المحترم والمقنع في جانبي السلطة والمعارضة معا.
هنالك (صيغة غير متوازنة) تعيشها مجتمعاتنا العربية بكل ما يحمل التوصيف من معان. فهل ننتظر من النص إلا أن يكرس ذلك إما رفضا، أو كفرا، أو انكفاء درءا لمزيد من خسائر الروح.. والبدن.
* شاعر اردني

خرزة زرقاء

أنا صاحب مريم الأول. ومريم صاحبتي الأولى. ولي اسم اقتبسه أبي من معجم القديسين المحفوظ في ذاكرته، وأطلقه علي. لم أستطع تحمل تبعات الاسم. إنها ثقيلة فادحة، ولست أنا سوى بشري لا يطمح إلى أن يكون أكثر من ذلك. لست سوى رجل يشقى ليكون بشريا ويحافظ على هويته هذه. وهذا، مثلما اكتشفت عبر العمر المار كالبرق، ليس بالأمر الهين. أبدا. فأن تصون بشريتك يعني أن تنخرط في ألف معركة لن تفوز إلا في أقل قليلها.
للاسم الذي أحمله كرامات وهالات لا أستحقها. أنا ضعيف، غالبا، ولعلني ضعيف دائما إذ أعجز عن تحديد أو تذكر جولات فوزي في المعارك الألف التي خضتها. وربما يكون هذا هو سبب إغفالي لإسمي، بقدر ما يسعني ذلك، وإلباس شخصي إسما آخر حين الاقتضاء. غير أني، عند تأملي بالمسألة، أراني أراوح في نقطة التجاذب لنقطتي السؤال : من يتلبس الآخر ؛ الإسم أم حامل الإسم ؟ ثم أخلص إلى التشكك بالقول الذائع :«لكل إمريء من اسمه نصيب.» ففي داخل جميع الذين حملوا بأسماء ذات تاريخ بطولي أو استشهادي، أو أي تميز آخر ؛ إنما ثمة صخرة تربض هناك تجرهم إلى تعاسة العجز ومرارته. فالواحد منهم، رجلا أو امرأة، كان أن لقح بجرثومة التناقض. الاسم في جهة، وصاحب الاسم في جهة أخرى، وبين الجهتين يدور صراع التماثل المستحيل. مساكين هم إذا ما عملوا على أن يتماثلوا مع تاريخ أسمائهم. أنا لم أفعل ولم أسع. غير أن ذلك لا ينفي احتمال أن أكون مثلهم، آخذا بالاعتبار لاوعيي عما يدور داخلي من محاولات كهذه. فالأمور تتحدد بخواتيمها كما نعرف.
نعرف هذا لأنه عادة ما يقال.
ويقال، في العائلة، أن أبي أسماني باسمي المقدس والجليل حماية لي من مصير قضى على أخ وأخت سبقاني إلى الحياة، وسبقاني إلى الموت صغيرين، أيضا. فنذر أبي بأن لا يقص شعري، مهما طال، إلا في كنيسة مار إلياس في خربة الوهادنة ناحية عجلون. وكذلك، في صيدنايا، سوف يتم تعميدي صبيا، لا طفلا، في جرن الدير المقدس هناك. فسافرنا برفقة عرابي إلى سوريا.
كان له ما أراد. وكان علي أن انتظر طويلا، محتملا إزعاجات النذر الذي جعل جنسي الطفولي محل إشكال، ومصدر خطأ الآخرين وارتباكهم، وسخريتهم أحيانا لن أنسى ذلك كلما مثلت مريم في الذاكرة.
«ماشاء الله !»،
لاحظت امرأة تجاور أمي في مقعد الحافلة الذاهبة من شارع الملك طلال إلى المحطة. ثم رفعت الملاية السوداء الشيفون الشفيفة عن وجهها، وأتبعت:
«شو هالبنت الحلوة !»
بسملت، ومسدت على رأسي حتى نهاية شعري الملموم ب«شبرة» من القماش الأزرق. ربما كانت من «فضلة» ثوب خاطه أبي لإحدى سيدات عمان أواخر الأربعينيات. «يوه !»، ردت أمي بلكنتها الشامية المميزة، وصححتها مستنكرة على الفور :
«هذا صبي يا ست.»
وعندما عادت بي إلى البيت، أوصت أبي، فاشترى خرزة زرقاء علقاها حول عنقي بأنشوطة من الجلد الناعم.


مقطع من رواية قيد الكتابة



ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-31-2012, 07:59 PM   رقم المشاركة : [766]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

الياس فركوح

(روائي/ الأردن)
لا أزال أنتسب إلى الجيل الذي تعلّم حكمة قديمة تعود الى الوراء، عميقا داخل عجينة الطفولة، تحضّه على "نام بكّير فيق بكّير شوف الصحة كيف بتصير"! ليس الأمر بيدي. كما لست مطيعا إلى درجة الإذعان (مع اعترافي بوجاهة هذه الحكمة بعمومها)؛ غير أن وراثة جينيـة، ربما، أدخلتني في عداد الذين يستيقظون فجرا على نداء "الصلاة خير من النوم" فأقوم، من فوري، لأواصل مسلسل فناجين القهوة، وحرق السجائر، ووصل ما انقطع قبل ساعات: الكتاب. أو الكتابة. إذاً: الصحة ليست هدفا وغاية؛ وإلاّ لماذا أصبت بجلطتين كانت الثانية قبل خمسة أشهر؟ ناهيك بعوارض مرضيّة أخرى (كنت مهذبا فوضعت الضمّة فوق همزة الألف، بينما لسان حالي يقصد الفتحة)؟
ثمة متعة غامضة في الاستيقاظ قبل طلوع "الشمس الشموسة". أو علّها خواطر الزهو في الإطلال على الدنيا في سكونها وانبثاقها، كالوردة، من حافة الشفق المخايل؛ فيكون الواحد منا قد تلبسته حالة الخالق وهو يشهد ميلادا يفتق سرّة الأرض بعد الغمر عند التكوين: بطيئا ورويدا، مثل الطفل حين يتنفس في نومه، وليس هنالك من أمر يمكن التثبت منه وتأكيده سوى أن هذه الحالة المتخلقة من تلقائها تتخلق. ليس أكثر وليس أقلّ. حالة تتخلق من منطقة غموض لتمضي إلى منطقة غموض. وهذا هو جوهر جمالها وسر سحرها، في ظني.
وفي ظني، أيضا، أن افتتاني بهذه الحال كما هي في طبيعتها الأرضية، وملازمتي لمعناها العميق عند كتابتي لنصوصي والتزامي الطوعي لذلك؛ إنما يكشف لي احتمال إعراضي الباطني عمّا هو بيّن، وواضح، ومتماسك. يكشف لي عن اعتراضي وتشككي بكل ما هو ذو قوام يشمخ على شاشة العالم ويفقأ عيني؛ إذ أعدّ ذلك تواقحا وفجاجة طفرا من كينونة هي مشبوهة في نظري. كينونة مريبة تفتقر الى جملة شرعيات تمنحها لها صناديق الروح - بصرف النظر عن نتائج فرز صناديق الاقتراع؛ بما فيها تلك التي تراقبها لجان دولية!
ليس لعملي، الذي أخرج إليه صباحا، مفهومه التقليدي أو الصارم. عملي ليس وظيفة تجرّني رغما عني لأتقاضى عليها مالا أنفقه على ضرورات الحياة، بقدر ما هو ممارسة يومية للذات لا يستقيم معناها بغير إحساسها بالإنجاز. فأن تنجز أمرا يعني أنك أنجزت قدرا من ذاتك؛ يعني أنك حققت قسطا من كينونتك؛ يعني أنك اكتسبت حقك بيدك في الوجود؛ يعني أنك اكتسيت بالمعنى الأعمق لأنك، ببساطة ليست بسيطة، قمت بحلب لبن أن تكون وأن تحظى بجدارة ذلك كلّه.
يـاه!
هذا كلام كبير يقارب الوعظ المكرور الممل وينتهي، في الضرورة، إلى السقوط في ركاكة تبشيرية ساذجة. أو هو فذلكة أخلاقية دعيّة ذات طنين مزعج يشبه ذاك الذي تحدثه ذبابة زرقاء كبيرة تحوم حول رؤوسنا بإلحاح! ولأن الأمر كذلك، كما يبدو عبر هذه اللغة؛ فإني أزيد على هذا مستكملا معزوفتي: عليك أن تنجز عملا تحبّه! وأنا، بصراحة، أحب عملي. فأن يعمل كاتب في حقل النشر إنما يعني، في جوهره، أنه يشتغل داخل مناخات الكتابة وآفاق التفكير الهادف إلى لا غاية تسليعية مباشرة: أنه لم يحدث قطعا في نسيجه الشخصي، لا من الخارج ولا من الداخل: أنه لم ينفصم متحولا إلى شخصيتين متباينتين؛ وخصوصاً إذا كان هذا الكاتب يستمتع بتفاصيل "صناعة" الكتاب ويجيد بنسبة ما تصريف مراحلها: قراءة النص، اختيار الحرف وحجمه، إخراج الصفحات الداخلية، توليد التصميم الأولي للغلاف ثم تنفيذه على الكومبيوتر، إلخ. أما عن تسويق ذلك كله، بيعا وشراء؛ فحدِّث ولا حرج: ليست هذه لعبتي، ومن هنا تبدأ متاعب العمل ومآزقه!
لا بأس. على الحياة أن تمضي، وعلينا أن نعبرها بدورنا. بأقلّ الخسائر.
أوصل إبني، الحديث التخرج، إلى مقر عمله قبل مروري اليومي بالبريد لتفقد صندوقي هناك. في السيارة لا يتحرج بإعلان تأففه من دخان السيجارة العابق؛ فالفصل شتاء، والبرد الصباحي قارس، والنوافذ مغلقة، لكن السبب ليس هذا فحسب: إنه قلق عليَّ وخائف! فإثر الجلطة الثانية بات الخطر ماثلا في الثالثة. كما ليس لديَّ أي تأمينات صحيّة في زمن العلاج الأكثر من باهظ، والرقود المحترم الذي لا يتوافر إلاّ في المستشفيات ذات الخمس نجوم!
أبتسم بنصف تهكم، بنصف مرارة؛ وأحوّل نظره تجاه فتاة يافعة بمثل عمره، تذكّرني بأني تجاوزت منتصف العقد الخامس، وأقول: "أنظر! أليست جميلة يا ولد؟ أنظر إلى الصدر! أنظر إلى القد الميّاس! أنظر إلى القفا! يا لطيف!". فلا يكون منه إلاّ أن ينحرج، هذه المرّة، محتجا بلطف وتهذيب حقيقي: "بـابـا!". فأفكر في كم سيصمد إبني البكر هذا محتفظا بحشمة باتت من مخلّفات عصر الديناصورات، وهل سيقوى على سفالات الأيام المقبلة؟ أم تراه، إذا صان ما علّمناه إيّاه من أخلاق الصدق والأمانة وسواها من "بضاعة" انتهت صلاحيتها، كما يبدو، سوف يحقق نجاحه الخاص؟ أثق به؛ غير أني لا أستطيع إخراس مخاوفي عليه.
أدخل مكتبي، ملقيا تحية الصباح على إحسان ونسرين، وأمارس محبتي لهذا المكان حتى الظهر. عند الثانية وحفنة دقائق بعدها، أغادر إلى البيت. بدأ التعب ينال مني ويتجلّى عليّ. لم أعد كالسابق. أمنّي نفسي بقيلولتي الباذخة، بعد وجبة غداء لا أسأل عنها.
قيلولتي نوم كامل أغرق فيه. أغرق فيه تماما. قيلولتي ليست قيلولة أبدا؛ إذ هي إبحار في لذة ربما تكون، في وجهها الآخر، مرضا غير معلن! أو علّها أحد وجوه الهرب من أثقال لم أعد أتحملها، والفرار من مواجهة سدود الأفق وصدود العلاقات وانغلاقها على بناها الناقصة! ولِمَ لا يكون النوم، في هذه الحال، خيراً من صلات بتنا نفشل في مدّها بهواء الحياة؟ أجل. هذا هو الأرجح. أنام في صدفتي وألتذّ بذلك. أحلم بالآخرين، فأرى الواحد منهم يتخندق في جزيرته، مكتفيا بذاته! عجيب! أقوم من قيلولتي الخرافية عند التاسعة أو العاشرة ليلا؛ مثلما حدث اليوم. أعدّ فناجين قهوتي وأشربها. أفتح علبة سجائري وأحرقها. أجلس لأكتب ما سوف أنهيه الآن، قبل أن يصل من نافذتي نداء صلاة الفجر. وأشرع بابي على وردة أعرف أنها طفقت تفرد بتلاتها بالسرّ المستور لتنفرد (وأنا معها) بالشهادة على خليقة لا تتعب من تكرارها لنفسها ولخلائقها العاشقين لها رغم تعبهم، أو ربما بسببه.


ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-31-2012, 08:01 PM   رقم المشاركة : [767]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

إلياس فركوح


ولد الياس جورج باسيل فركوح في عمان عام 1948، حصل على ليسانس فلسفة وعلم نفس من جامعة بيروت العربية عمل في الصحافة الثقافية خلال السنوات 1977 -1979، وشارك في تحرير مجلة المهد الثقافية، كما شارك الشاعر طاهر رياض العمل في إدارة دار منارات للنشر خلا السنوات 1980 -1991، ثم أسس دار أزمنة للنشر والتوزيع عام 1992 حيث يعمل مديراً لها. وهو من مؤسسي اتحتاد الناشرين الأردنيين، وهو عضو في الاتحاد المذكور، وفي اتحاد الكتاب والأدباء العرب، ورابطة الكتاب الأردنيين التي عمل عضواً في هيئتها الإدارية لعدة دورات.

حازت روايته قامات الزبد على جائزة الدولة التشجيعية للعام 1990، وحاز على جائزة الدولة التقديرية في حقل القصة القصيرة عام 1997، كما نال جائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة من رابطة الكتاب الأردنيين، وكانت الرابطة قد منحته جائزة أفضل مجموعة قصصية للعام 1982 عن مجموعته أحدى وعشرون طلقة للنبي.

مؤلفاته:

  • القصة القصيرة:
  1. الصفعة بغداد، وزارة الثقافة، 1978.
  2. طيور عمان تحلق منخفضة ، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981.
  3. إحدى وعشرون طلقة للنبي ، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1982.
  4. من يحرث البحر ، عمان: دار منارات، 1986.
  5. أسرار ساعة الرمل ، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1991.
  6. الملائكة في العراء ، عمان: دار أزمنة، 1997.
  7. شتاء تحت السقف (مختارات) أمانة عمان الكبرى، 2002.
  8. من رأيت كان انا (مجلد المجموعات الست) دار أزمنة، عمان، المؤسسة العربية، بيروت 2002.
  9. حقول الظلال، دار أزمنة، عمان، 2002
  • الرواية:
  1. قامات الزبد (رواية) عمان، دار منارات ومؤسسة الأبحاث العربية، 1987.ط2 المجلس الاعلى للثقافة، القاهرة،2004.
  2. أعمدة الغبار (رواية) عمان، دار أزمنة، 1996.
  • نصوص:
ميراث الاخير، دار أزمنة، عمان، 2004.
  • شهادات ومقالات في الثقافة والكتابة:
  1. الوعي المستريب، من جدل السياسي - الثقافي، دار أزمنة، عمان،2003.
  2. النهر ليس هو النهر، عبور في أسئلة الكتاية والرواية والشعر، دار الثقافة، الدار البيضاء، 2004.
  3. أشهد علي أشهد علينا، دار أزمنة، عمان، 2004.
  • الترجمات الأدبية والفكرية:
  1. موسيقيو مدينة بريمن (قصص أطفال مترجمة) عمان: دار ابن رشد، 1984.
  2. آدم ذات ظهيرة (قصص مترجمة) عمان: دار منارات والمؤسسة العربية، 1989 (مشترك).
  3. الغرينغو العجوز (رواية مترجمة) عمان، دار منارات، 1990.
  4. نيران أخرى (قصص لكاتبات من أمريكا اللاتينية) (مشترك) دار أزمنة عمان، 1999.
  5. القبلة (قصص) دار أزمنة، عمان، 2004.
  6. ما هذا "البيت المشترك"؟ (حوارات)، دار أزمنة، عمان، 1996.
  7. جدل العقل: من حوارات آخر القرن، (بالاشتراك مع حنان شرايحة) المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، 2004.


ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-01-2012, 12:58 AM   رقم المشاركة : [768]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

الياس فركوح: أدركُ بأني ما زلتُ الناقص الباحث عن اكتمال ما!
في ندوة 'مبدع وتجربة' أقامها منتدى الرواد الكبار في عمان


2011-05-09


عمان ـ 'القدس العربي' ـ من سميرة عوض درج منتدى الرواد الكبار في العاصمة الأردنية عمان على اجتراح أنشطة إبداعية مبتكرة في إطار برنامجه الثقافي ومنها 'مبدع وتجربة'، التي استضافت الروائي الياس فركوح، الذي قدم شهادة عن تجربته في روايته 'ارض اليمبوس'، فضلا عن مشاركة نقدية حول الرواية ذاتها قدمها د.فيصل دراج.
الندوة التي أدارها المدير التنفيذي للمنتدى استهلت بكلمة ترحيبية لرئيسة المنتدى هيفاء البشير، عبرت فيها عن سعادتها باستضافة 'مبدع متميز في إنتاجه الذي يجمع فيه بين الرواية والقصة القصيرة والترجمة، وقد جاء في مجمل ذلك مبدعاً، له صوته الخاص وأسلوبه المتميز، إنه الروائي المبدع الأستاذ الياس فركوح. كما ونسعد ونعتز باستضافة ناقد عربي كبير هو الدكتور فيصل درّاج، المثقف الطلائعي الذي تجمع كتاباته بين النقد الأدبي في صيرورته ومرجعياته الاجتماعية، ليقدم لنا نسيجاً نقدياً عميقاً قادراً على ربط الظواهر الأدبية الفنية بمرجعياتها التاريخية الاجتماعية'. لافتة إلى 'خصوصية برامج المنتدى الثقافية والاجتماعية التي يجري تنظيمها من خلال لجان المنتدى وبخاصة من خلال اللجان الثلاث النشطة والمتميزة: الثقافية / الفنية التشكيلية من جهة، واللجنة الاجتماعية من جهة ثانية، ولجنة المكتبة من جهة ثالثة'، منوهة إلى أن 'هذا العمل الجماعي الذي تقوم به هذه اللجان الثلاث هو مؤشر على نجاح العمل المؤسسي وتميزه'.
الناقد د.فيصل دراج: الحقيقة المؤجلة في الإبداع الروائي
يخلص الناقد د.فيصل دراج في شهادته المعنونة 'إلياس فركوح في أرض اليمبوس: الحقيقة المؤجلة في الإبداع الروائي' إلى أن 'الياس فركوح وصل في (أرض اليمبوس) إلى عمله الروائي الأكثر إتقاناً، منتهياً إلى نص نوعي يضيء معنى الكتابة الروائية'، منوها إلى 'سعي إلياس فركوح، منذ بداياته الأولى، إلى تمييز ذاته، مدركاً أنّ الشخصية الكتابية أسلوب لا يختزل إلى غيره، وأنّ كتابة تائهة الأسلوب لا ضرورة لها. وسواء احتفى القارئ بروايتيه: (أعمدة الغبار) و(قامات الزبد) أو لم يحتفِ بهما، فإنّه سيذكر منهما، إن كان قارئاً جاداً، أمرين: أولهما عمل في اللغة يقترب من الصناعة، وثانيهما وحدة العملين الأكيدة، التي تعيّنهما عملاً واحداً، أو تكاد. ولعلّ هذين البعديْن الإيجابييْن، فاشتقاق الشخصية من الأسلوب فضيلة كبرى، هما اللذان يفرضان على القارئ أن يقرأ عمليّ فركوح بين روايات عربية أخرى، طالما أنّ صاحبهما لم يرغب، منذ البداية، في أن يكون كاتباً مطمئناً يداعبه الاستسهال، بل أراد أن يكون روائياً حقيقياً، يحاور غيره من الروائيين، ويقدّم إضافة خاصة به'.
وبيّن دراج أن الناقد 'يستطيع، ربما، أن يقع في العملين السابقين على آثار روائييْن متميّزيْن: أولهما غالب هلسا، الذي قاسمه فركوح فكرة (النثر اليومي)، إذ الرواية شكل من اليوميات أو ما يشبهها، تدور حول مفرد يتكلّم ويوزّع كلامه على غيره. وثانيهما: إدوار الخرّاط الذي أخذ منه إلياس، ربما، الصناعة اللغوية، التي هي ردّ جمالي على واقع لا يلبـّي من رغبات الروائي شيئاً كثيراً. هناك، في الحالين، مغترب نموذجي، يشتق خفة التاريخ من رخاوة نهار قوامه الرتابة، ويردّ على ما يخدش الروح بلغة مصقولة، لا ترحّب بها اللغة اليومية كثيراً. بيد أنّ الياس، الذي وحّد بين الشخصية والأسلوب، لا يكتفي بمحاكاة غيره، مُؤْثراً حوار ما يمكن حواره والذهاب إلى مساحة خاصة، لا تلتبس بغيرها. ولهذا يفترق إلياس عن هلسا في شكل التعامل مع اللغة، وينفصل عن الخرّاط مدرجاً 'التاريخ القومي' في الخطاب الروائي. وواقع الأمر أنّ 'الما بيْن'، الذي سيقول به الروائي في عمله الأخير: 'أرض اليمبوس'، كان ماثلاً في تصوّره منذ زمن، أي منذ أن أدرك، مبكّراً، أنّ العمل الروائي الذي لا تحتشد فيه أعمال سابقة عليه لا يأتي بجديد'.
'أرض اليمبوس' عمل فركوح الروائي الأكثر إتقاناً
ويواصل دراج: 'يصل إلياس فركوح في (أرض اليمبوس) إلى عمله الروائي الأكثر إتقاناً، بل يصل إلى عمل يجد لذاته مكاناً مريحاً بين أفضل الروايات العربية التي ظهرت العام 2008 - وقت نشر الرواية - يتكئ هذا الحكم النقدي على الموضوع الذي عالجه الروائي، لكنّه يتكئ أكثر على العناصر التقنية التي أنتجت الخطاب الروائي. والموضوع هو: اللايقين، أو النقص المتوالد الذي لا سبيل إلى تجاوزه، أو المعنى المخادع الذي كلّما توهّم الإنسان القبض عليه تسرّب من جديد . ومع أنّ الرواية، من حيث هي جنس أدبي، تجعل من المعرفة الحوارية، أو من نسبية المعرفة، عنصراً أساسياً في بنيتها الكتابية، فإنّ الأعمال التي تحقّق ما تقول به النظرية ليست كثيرة، إن لم تكن قليلة، أو تتاخم القليل. أراد فركوح لروايته ألاّ تنزاح عن النظرية كثيراً، مدركاً، بحذق كبير، أنّ معنى العمل الروائي يقوم في التقنية التي صاغته، التي تتفق مع النظرية وتوسّع آفاقها.
وفي إضاءة نقدية لبنية الرواية يبين دراج 'بنى الروائي عمله، كما يردّد بشكل إيقاعي، على فكرة النقص، فلا شيء يكتمل، ويظل ناقصاً إن استعان بآخر. يقود هاجس النقص إلى التعدّد، طالما أنّ المفرد لا ضمان فيه، وأنّ التعدّد يفصح عن اللايقين، فلو كان اليقين ممكناً لما التمس المفرد عوناً من غيره. وبسبب هذا المنظور تستدعي كل علاقة روائية علاقة أخرى وتحيل كل علاقة، مهما كان شأنها، على عنصر، أو عناصر، مبرهنة أنّ المعنى لا يقوم في العلاقات بل في الفسح القائمة فيما بينها، ذلك أنّ (الما بيْن) هو المعنى الأخير، الذي لا يراهن عليه. تبدو (أرض اليمبوس)، في مستهلها، رواية، أي فضاء متخيلاً يتوسطه 'مركز لغوي'، هو صورة أخرى عن 'مركز حكائي'، يسرد حكايته، ويترك آخرين يسردون حكاياتهم أيضاً. بيد أنّ الفضاء المتخيّل، المطمئن إلى مركز مزدوج، لا يلبث أن ينتج ارتباكاً، فنياً، يضع إلى جانب المتخيّل الصريح 'سيرة ذاتية'، تدلّل على وجودها 'الأنا' الساردة ومراجع واقعية، محدّدة المكان والزمان. وواقع الأمر أنّ الروائي، المسكون بفكرة اللايقين، لا يطمئن إلى أحادية الصوت، بل انّه لا يطمئن إلى تعددية الأصوات، إلاّ بقدر، فيضع الشخصية إلى جانب شخصيات، كي تتحاور وتتداخل، متحوّلة إلى شخصية إنسانية شاسعة يخترقها القلق'.
فركوح يمرعلى فلسطين وعام 1948
وزاد: 'تنتج سطوة النقص تعددية المكان، الذي يبدو واضحاً وشديد الوضوح حيناً، ويبدو واهن الملامح، حيناً آخر، مسقوفاً بالأطياف وغيوم الذكريات. تتداخل عكا ويافا والقدس وعمّان، إذ في الأولى حياة مضت وفي الثانية ذكريات هاربة وفي الثالثة حنين موجع وحكايات منقضية والأخيرة موقع حكايات شتائية وسيرة حياة طافحة بما يسر ولا يسر، وعلى الرغم من تراصف الأمكنة المحددة الاسم، فمعناها جميعاً ماثل في الحكايات، الصادرة عن ذاكرة تخون ولا تخون، ذلك أنّها أشبه بغربال جيد الصناعة، لا يحضر المكان بل يحضر ظله، ولا يحضر المكان إلاّ إذا استضاف آخر يضيء عتمته، فصور الأمكنة جميعاً رهن بذاكرة قلقة يخالطها البَدَد. غير أنّ الأمكنة، ثابتة الأركان كانت أو عرضة لوهن الذاكرة، لا معنى لها خارج الأزمنة التي تغلّفها، تلك الأزمنة الجامحة التي تبدو كنثار من الوقت، بعيداً عن زمن تتابعي واضح المفتتح وثابت الخطا. ومع أنّ فركوح يمر، كعادته، على فلسطين وعام 1948، ثم على هزيمة العرب في الـ 67، وصولاً إلى حصار العراق وهزيمة العرب في العراق، فإنّ أزمنته المتعددة تنبثق من الحكايات لا من تواتر التاريخ المستقيم، وتنبجس من (مناخ الوعي)، إن صحّ القول، إذ في الكآبة ما يستذكر هزيمة، وإذ في رائحة القماش ما يضع شوارع القدس تحت بصر الذاكرة'.
لا شيء له مركز- كما يبين دراج - والمركز الصلب الذي يدّعي قول الحقيقة فاسد، وجميع المراكز لا وجود لها، فما يوجد هوامش متعددة، طالما أنّ الذاكرة مكشوفة الغطاء ومليئة بالشروخ. وبسبب غياب المراكز، بلغة الجمع والمفرد، لا يكون للسارد الأول غبطة ممتلئة، كما كان يفعل الراحل جبرا إبراهيم جبرا، فهو موزّع على شخصيات يسردها وتسرده باحثة، جميعاً، عن حكاية لا تكتمل. فإلى جانب السارد الأول، الذي يروي من حياته الذاتية أشياء كثيرة، هناك الفلسطيني المتأنّق الذي يحشر الحديث عن فلسطين بين كماليات أخرى، وفلسطيني آخر مليء بالنقاء والعذوبة، وصور النساء المتلاشية التي أسبغ عليها النسيان صفة وحيدة، وشخصية الأب المنسوجة من التواضع والحكمة والندى، ومرايا الإشراق والانطفاء . كل شخصية توجد واضحة، كما يأمر بها مبدأ المساواة الروائي لكنها لا توجد، على مستوى المعنى إلاّ بغيرها، ذلك أنّ صورة الفلسطينيين كامنة في تأويل يتجاوزهما . اتكاء على مبدأ المساواة وإضاءات التأويل المتبادلة، واتكاء على منظور روائي يرى العالم في تعدّده، أدرج الروائي في نصه لغات متعددة: الحوار الموجز واللغة التأملية الكثيفة ولغة السرد البسيطة واللغة العامية ولغة غامضة ملتبسة، تتاخم الشعر أو تساكنه. والتعدّدية اللغوية، بهذا المعنى، ليست مصطنعة وهي بعيدة عن التصنّع والصناعة لأنّها استجابة مطابقة للمنظور الروائي، تضيء تعدّدية الأمكنة وتستضيء بها، وتحاور زمناً روائياً بعيداً عن الصلابة والتماسك. فما يتعدّد ينقسم، وما ينقسم يتصل بغيره وينفصل عنه، وعلاقات (أرض اليمبوس) مرايا مختلفة لجدل الاتصال والانفصال.
أدرج إلياس فركوح في روايته إشارات دينية متعددة، لكنّه - بحسب دراج - وهو الروائي المأخوذ بفكرة النقصان، حوّل ما يبدو دينياً إلى مادة روائية بين مواد أخرى. وفي الواقع فإنّ فركوح، المفتون بلغة خاصة، ليس مهجوساً بفلسطين بل بما يحيل عليها، ولا بالدين بل بما يرمز إليه، ولا هو مشدود إلى هذا المكان أو ذاك، لأنّه مشدود إلى الصور البشرية المتناثرة على الأماكن جميعاً. لذا يحوّل المادة الروائية، في مصادرها المختلفة، إلى علاقات قيميّة ـ جمالية. فإذا كان التصوّر الديني للعالم يطمئن إلى فكرة 'الأصل' الذي ينكر التغيّر، فجميع العلاقات في رواية فركوح متبدّلة متغيّرة، ترضى بـ 'اسم' معيّن وتقع، لاحقاً، على اسم آخر. وهو ما جعله يبدأ بـ 'مريم' وينتهي إلى 'ماسة'، التي هي مجرّد قناع لوجه واسع لا وجود له، كما لو كان لا يقبل بالموضوع إلاّ إذا انزاح عن موقعه وجاور موقعاً آخر.
لا تصدر دلالة العمل الروائي عن مضمونه، قال بالنقص أو بالكمال، إنّما تتعيّن، وتتحدّد وتقاس بالعناصر التقنية التي أنتجت معناه. وبسبب ذلك تُقرأ رواية 'أرض اليمبوس'، في علاقاتها كلها، انطلاقاً من التقنية الفنية المندرجة فيها. وبداهة فإنّ تعددية المعنى، التي تفتح أمام القرّاء أفقاً واسعاً، لم تكن ممكنة من دون العناصرية التقنية التي أعلنت عن 'مأساة النقصان' بأشكال مختلفة. يستهل الروائي عمله بمجاز 'السفينة'، تلك الملتبسة المتماوجة الغامضة التي تنتهي إلى موضوع، وإشارة: فهي موضوع من حيث هي صورة ملوّنة مؤطرة تشيع ملامحها إيحاء قاتماً، وهي إشارة إلى روح إنسانية مضطربة، تهجس بالغرق واللهب وما يدع كيان الإنسان خارجه. وإضافة إلى المجاز الموحش، الذي يحايث الرواية بإيقاع لا انقطاع، استعمل الكاتب تقنية القرين، حيث في الشخص المتكلّم شخصية أخرى، تحاوره وتتدخل في حديثه وتضاعف تساؤله. بل انّ السارد الذي حذف المسافة بينه وبين شخصيات قريبة منه، رحّل قرينه إلى هذه الشخصيات، واستولد من كل منها قريناً جديداً. وتكثير القرين، أو القرائن، درب إلى تعددية الكلام، التي تعلن عن القلق والسخرية في آن. لن تختلف وظيفة الفصل بين الزمن الفيزيائي المباشر، الذي يأتي بارداً مربوطاً بتاريخ معروف، والزمن النفسي، الذي يحوّل التاريخ البارد إلى دوّامة من الأسئلة، ويقترح لغة تنوس بين الوضوح والغموض. لا غرابة في تصوّر ينصاع إلى عتمة الذاكرة أن يحضر، بعفوية كاملة، تيار اللاوعي وأن تحضر فسحة زمنية واسعة. وإذا كان تيّار اللاوعي يستحضر الأحداث معتمداً على صدفة لاهية، يزاملها لون أو رائحة أو صوت وكل ما يترجم الحدث العارض إلى صورة وإحساس، فإنّ عمق الذاكرة القلقة هو الذي يفرض زمناً مديداً، يمتد من بواكير الطفولة إلى أبواب الكهولة مروراً بـ 'صبا'، اختلط بكثير من الرغبات والنزوات. وعلى الرغم من أزمنة متراكمة لا متجانسة يظل زمن الطفولة، في رواية إلياس، هو الأكثر جمالاً وكثافة، لأنّ في زمن الطفولة من الأسرار ما يساوي أسرار سور الصين.
بين النص و' عتبة النص'
وبين دراج أن الياس فركوح 'التمس من العناصر التقنية ما يحتاج إلى دراسة مفصلية. فإلى جانب القرين والمجاز الاستهلالي وتيّار اللاوعي ميّز الكاتب بين النص و(عتبة النص)، فوضع لكل فصل روائي مدخلاً خاصاً به، هو تمهيد وتعليق وتأويل في آن، موحياً بأنّ السرد لا يقول تماماً بما يصرّح به، لأنّ وراء كل نص صريح نص مضمر أكثر اتساعاً. وزّع الروائي نصّه على أقسام ثلاثة أولها: السفينة، المدخل المحمّل بالقلق والالتباس وثانيها: الأسماء، القسم الناطق بسخرية مضمرة، ذلك أنّ اسم الإنسان الحقيقي هو ما تقترحه الذاكرة المتحوّلة، التي تخلع على الإنسان اسماً ليس له وتخلع عنه اسماً عرف به منذ الطفولة. لن يكون القسم الأخير، أي اليمبوس، إلاّ امتداداً منطقياً لما سبقه. يتحدّث الروائي في الصفحة الأولى عن اليمبوس فيقول إنّه: (المنطقة الوسط، بحسب المفهوم الكاثوليكي، أو الثالثة، ما بين الجنة والجحيم'، فلا الجحيم الخالص موجود، ولا وجود لجنة كاملة، مثلما أنّ الصواب المبرأ من الخطأ مجرّد احتمال لا أكثر. وسواء انتهى الروائي إلى (المنطقة الوسط) أو بدأ بها، فإنّ علاقات عمله كلّها تقول بالاحتمال ولا تقول بغيره. '
وختم دراج شهادته بالقول: 'ملاحظتان أخيرتان عن معنى الكتابة والحكاية لدى إلياس فركوح: ليست الكتابة عند الروائي وسيلة تسجّل موضوعاً، إنّما هي الموضوع الذي ينجز تحققه بوسائل عديدة. كتابة حرّة، تحاور إمكانيات الكتابة، بعيداً عن كل كتابة شفافة مستقيمة. ولهذا تكون الحكاية هي البحث القلق الدؤوب عن كتابة الحكاية، ذلك أنّ فعل الكتابة الروائية هو الحكاية الكبرى، لأنّ فعل الكتابة إشعار بالنقص ومحاولة محدودة لحصار مساحته.
شهادة الروائي الياس فركوح
أعلن الروائي الياس فركوح في نهاية شهادته 'هذا أنا. في جميع هذه البؤر. وأدركُ بأني ما زلتُ الناقص الباحث عن اكتمالٍ ما من غير أطماعٍ أو أوهام، كبيرة أو صغيرة'، وكان فركوح قسم شهادته إلى ثلاثة محاور أولها عنونه بـ 'أرض اليمبوس.. وأحمال الذاكرة '، وثانيها: 'الرواية رؤية ذاتية'، وثالثها: 'الذات ليست سطحاً واحداً'.

'أرض اليبموس' وأحمال الذاكرة

يقول فركوح في الجزء الأول من شهادته 'كنتُ أعتقد بأنني، إثر انتهائي من كتابة (أرض اليمبوس)، سأكون قد نحيّتُ جانباً الجزء المتبقي الأكبر من مخزون الذاكرة وأثقالها. غير أنني اكتشفتُ، رغم الصفحات الكثيرة، أنَّ المسألة ليست بهذا اليُسْر أو تلك البساطة؛ فثمّة تداعيات تتبع الكتابة تستدعي، بدورها، نُتَفَاً أخرى كانت مخبوءة أو مطموسة جاءت الكتابة لتحييها من جديد ولتطالبني بمستحقاتها. إنها مستحقات ذات خصوصيّة شخصيّة تنفردُ بي وأنفردُ بها، ولا تشكّلُ بالضرورة مادةً جديدةً للكتابة؛ اللهم إلاّ إذا ساقتها النصوصُ القادمة من تلقائها واحتاجتها داخل متنها في سبيل اكتمال أوجهها'، مؤكدا: 'نعم، لقد استطعت التخلّص من بعض أثقال الذاكرة ـ مع الأخذ بالاعتبار أنَّ الإنسان، وبعد أكثر من خمسة عقود عاشها وعاينَ خلالها هذا الكم الكبير من الشخصيات والأحداث الكبيرة والصغيرة، إضافةً إلى التغيّرات التي أصابت تقييمه لمجريات حياته، إنما يحتاجُ إلى مجموعة روايات!'.
ويوضح فركوح بخصوص مسألة دمجه أو توفيقه بين الخاص والعام، 'ربما يكمن السبب في أنَّ حياتي الشخصيّة ـ الداخليّة والظاهر منها للخارج - ضمن خطوطها العريضة ومحطاتها الرئيسية، كانت إما استجابة للوقائع العامة الكبرى أتحركُ على إيقاعها متفاعلاً معها ومحاولاً التدخل (بحجم شخصي الصغير طبعاً) ليكون لي دوري المأمول فيها. أو هي مجموعة الأسئلة التي طَرَحَتْها تلك الأحداث العامة على الجميع، والتي بقدر ما تبدأ بالحيوات الكُليّة للمجتمع فإنها، في الوقت نفسه، تنتهي في عقل الإنسان الفرد لتقلب له يقينياته وتجعلها عُرْضَةً لعصف المساءلات. نحن، كأفراد، لسنا سوى التفاصيل البانية لمجموع المشهد البانورامي'، خاتما بالسؤال الوجودي 'ألسنا كذلك؟'.
الرواية رؤية ذاتية
ويواصل فركوح في الجزء الثاني من شهادته القول 'أشرتُ في غير موضعٍ إلى أنَّ الرواية باتت، لدى فئات واسعة من القُرّاء والمثقفين والكُتّاب ودارسي علم الاجتماع، وبمعنىً معيّن، إلى مُدّوَّنة حديثة لمجريات الحياة العربيّة تسجِّل الأحداث من زوايا جديدة ليست هي الموافقة الكُليّة، وليست المعترضة كُُليّاً، وليست هي الحاذفة للبشاعات والتشوهات، أو تلك المضفية عليها أفضالاً وجماليات مزعومة. الرواية، ولأنها (بانوراما ذاتيّة) تتشكَّل وفقاً لرؤيا ذات كاتبها / كاتبتها؛ فإنها التدوين الأدبي المتحلّي بفنيات الكتابة ذات التجنيس لعلاقة التفاعل - الكاملة أو الناقصة المضروبة ـ لإنسانٍ عربيٍ بعينه لتاريخٍ ومجتمع معيشين كان لا بُدَّ من تسجيله وتوثيقه'.
ويستدرك فركوح 'كان الشِّعرُ تاريخنا العربي، في جزء كبير منه، أو تاريخ حياتنا العربيّة، موزوناً مُقفّى، ولكن بحسب أنساق وموضوعات ذاك العصر: راثياً، ومادحاً، وهاجياً، وباكياً على الأطلال. وبحسب منظور ذاك العصر أيضاً (هي عصور على أي حال) كان تاريخاً يتصفُ بالمبالغة غالباً، وبالتزوير والتحريف أيضاً. حتّى الحُبّ؛ كان حُبّاً مبالِغاً في عِفته المزعومة، طامساً لحقيقة الاشتهاء الحِسّي وطاقته الدافعة للشاعر لأن يُلقي على الملأ ظاهرَ الحالة باحتشام، ولنفسه الباطنيّة يهمس بالاحتراق اللاسع!'.
الرواية هي التدوين
لذلك كله يؤكد فركوح أنَّ 'الرواية هي التدوين (وأشدد على أنها تدوين، بمعنى أنها كتابة وليست شيئاً آخر، صوتاً كالشعر مثلاً) يصيرُ من خلالها إيصال وجهة نظر صاحبها، أو مجموع أسئلته، لآخرَ مجهول لكنه مُفْتَرَض، ليس مرئيّاً ومباشراً بحيث تَحولُ الأُلفةُ المفقودة دون الصراحة في التصريح. كما أنها كتابة تتطلبُ في الجانب الثاني منها، أي القراءة، درجةً من التخصص والتعمُّق والذائقة وخبرةً في النوع الكتابي من دونها جميعاً تبطل فاعليّة العمليتين: الإرسال والاستقبال!.
من خلال الرواية، كما الحال مع صنوف الآداب المكتوبة الأخرى، تتحاور الكائنات البشريّة / الاجتماعيّة تحاوراً عن بُعْد! لكنه التحاور الحميم، والصادق، وغير المسدود بأي حواجز يخلقها واقع ووقائع ما هو خارج النَصّ. فعلى أرض الكتابة نمتلكُ قدراً كبيراً من حُريّة التعبير عن أسرار أسرارنا، وعليها أيضاً نمتلك ذاك القدر من حُريّة المشاركة والتأويل على نحوٍ ليس له مثيل على أرضٍ أخرى على الإطلاق!.
إذا صادقتُ على المأثور القائل بأنَّ الشاعر العربي القديم كان ينطق بلسان الجماعة؛ إذ هو ناطقها الإعلامي، أو ضميرها الجمعي!؛ فإنَّ الروائي العربي لا ينطق بغير لسانه هو. لم يعُد الفنان/ الكاتب بمعناه الحقيقي في زماننا يتماهى مع الجماعة وينوب عنها في قول ما تريد. باتت مكانة الفرد، داخل الفرد، هي محل التقدير والاحترام والأخذ بالاعتبار، وليس العكس.
بتواضع: لم أجد حتّى الآن هُويةً خاصّة للرواية العربيّة؛ اللهم سوى لغتها العربيّة، ومناخاتها الاجتماعيّة. أما أن نذهب أبعد ونزعم بوجود هُوية مفارقة تقف بلونها المختلف إلى جوار رواية أميركا اللاتينيّة مثلاً (وهذا بحاجة لتدقيق أكبر، إذ ليس هنالك 'ماركة' واحدة تجمع الروايات الطالعة من هناك؛ اللهم سوى مرجعيتها القاريّة)؛ فإننا نكون نقفز عن الحقائق. ثم؛ هل من اللازم أن يكون للرواية العربيّة هُويةً مخصوصةً في زمن التلاقح والتداخل المعرفيين والثقافيين وما ينتج عنهما من مشترَكات تدخل في الِبنى المكوّنة للأشكال الأدبيّة؟!'
الذات ليست سطحاً واحداً
ويذهب فركوح إلى القول: 'إنَّ جُملة تلك الضروب من الكتابة ليست سوى محاولاتي من أجل استكمال صورتي الكائنة في داخلي، والتي أنظرُ إليها باعتبارها إمكانيات متفاوتة في نسبة وكثافة منسوبها تحثّني على أن أحققها، لأتحققَ أنا على هذا النحو تارةً، أو على غيره تارةً ثانية. إني من المؤمنين بأنَّ الإنسان يمتلكُ في أعماقه، وبعد عقود من التجربة الحياتيّة والثقافيّة، عدة مستويات أو طبقات، هي خُلاصته. أي: الإنسانُ ليس سطحاً واحداً، ليس كائناً مسطحاً، ليس هو 'الإنسان ببُعدٍ واحد' ـ بحسب تعبير هربرت ماركوز. ولأنَّ الأمر هكذا؛ فإني أزعمُ وجودي في جميع تلك المجالات الكتابيّة / الأدبيّة / الثقافيّة. لكنه، وينبغي عليَّ التنبُّه والتنبيه، وجودٌ ناقص وسيبقى ناقصاً حتّى النهاية. ثمّة اللازمة المتكررة في رواية 'أرض اليمبوس'، والتي باتت بمثابة الأيقونة كمفهومٍ أرى وجوباً أخلاقيّاًً وفكريّاً اعتبارها حِكمةً تستوقف الكثيرين مِنّا، ألاْ وهي: 'لا شيء يكتمل'. أنا أحاول أن أكتمل عبر توزعي على جميع الأنشطة المذكورة، مع يقيني بأني أسعى وراء سراب! لكنه القَدَرُ.. بمعنى من المعاني.
أكتبُ لأمتحن رؤيتي
أكتبُ القصة والرواية لأطرح أسئلتي، وأمتحن رؤيتي، وأتعايش مع شخوص الحياة عبر تعالقنا جميعاً وانضفارنا بحبال الخيال الذي يُشهدُنا على أحوالنا من مسافة. وأقومُ بالترجمة لأنَّ نصوصاً قرأتها فأعجبتني، ولكلّ واحد منها خصوصيته، الجماليّة أو المعرفيّة، فأحببتُ نقلها لآخرين مجهولين مفتَرَضين يشاركونني محبّة الجَمال وتوق التعرُّف. وكتبتُ مجموعة شهادات لأفضي برؤيتي لِما أكتب وأشهدُ عليَّ من الداخل، وكذلك لأقول رأيي المتواضع بما أقرأ لغيري وماذا رأيتُ في ذلك كلّه. وأعملُ بالنشر لأني، ومنذ البداية، عرفتُ بأني لستُ مؤهلاً على مستوى النجاح التجاري أو الاقتصادي، ولا أطيق وضعيّة الموظف


ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-01-2012, 08:29 AM   رقم المشاركة : [769]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

وقفة متأنية: «أرض اليمبوس» أم متاهتنا العربية؟

* بقلم: عبد الرحمان مجيد الربيعي
هذه واحدة من أجمل الروايات العربية التي قرأتها، وكانت لجنة جائزة البوكر العربية محقة في ترشيحها ضمن قائمتها القصيرة عام 2008، والرواية عنوانها «أرض اليمبوس» ومؤلفها الكاتب الأردني الياس فركوح.
لقد احتفى عدد من النقاد العرب بهذه الرواية وكتبوا عنها عددا من المقالات أمثال: فيصل دراج، مصطفى الكيلاني، حاتم الصكر، فاروق يوسف، عالية ممدوح، يوسف ضمرة، محمد معتصم، أماني سليمان، وغيرهم. وقد ثبّت المؤلف مقتطفات من مقالاتهم على الغلاف الأخير والصفحات الاخيرة من الرواية.
وإلياس فركوح ناشر (صاحب دار أزمنة)، وهو روائي (له رواية أخرى بعنوان قامات الزبد 1990 حائزة على جائزة الدولة التشجيعية)، وله أيضا رواية ثالثة بعنوان «أعمدة الغبار» 1996، ولكن منجزه الكبير يتمثل في أعماله بالقصة القصيرة إذ له عدة مجموعات وحاز بعضها على جوائز تقديرية من اتحاد الأدباء ووزارة الثقافة في الأردن. منها الصفعة (1978)، طيور عمّان تحلق منخفضة (1981)، احدى وعشرون طلقة للنبي (1982)، من يحرث البحر (1986)، أسرار ساعة الرجل (1991)، الملائكة في العراء (1997).
وله منجز مهم في مجال الترجمة سواء كانت بالاشتراك أو قام بها بمفرده.
لعل ما يلفت الانتباه ان إلياس فركوح اجتهد كثيرا من أجل أن يكتب روايته هو، أن يمنحها التميز الذي لابد منه لكي تتميز عن غيرها، وتحقق هوية كتابية ذات بصمة خاصة.
وهو في هذا لم يبتعد عن روايات السيرة الذاتية التي صارت سمة لكل الروايات الجديدة التي تكتب في البلدان العربية وجلها لأسماء جديدة لم يعد فيها مركز ولا أطراف بعد الثورة الاعلامية التي وحّدت وقرّبت الأدباء من بعضهم، بل صرنا كلنا مركزا بقدر ما نحن أطرافا في الآن نفسه.
وبمعزل عن تقرير لجنة تحكيم بوكر التي رأت هذا (وحّد إلياس فركوح في هذه الرواية، بنية السيرة الذاتية لانسان محدد الهوية والانتماء وسيرة الانسان المغترب بشكل عام (كما ورد نصا)، نقول بعيدا نجد الرواية هذه رواية سيرة ذاتية لا باعتماد (بنية) هذه السيرة (اذ هناك أكثر من بنية) لكونها تعتمد على الكاتب نفسه الذي انشأ النص ومما أشرناه أنه يستمرئ التخفي له ولمن حوله، فمريم مثلا التي تحدث عنها منذ سنوات الروضة وحتى الشيخوخة ـ ان كانت الخمسون شيخوخة ـ مريم هذه تتخفى وراء عدة أسماء فمرة منتهى وأخرى «ماسة» ويكاد اسم «ماسة» ان يكون اسم كل من عرف من النساء.
ثم ان بطل الرواية يدور حول اسمه ولا يقوله، حتى انه فضّل ان يكون «رفيق» وهذه الكلمة يطلقها أعضاء بعض الاحزاب على بعضهم (مثل حزبي البعث والشيوعي)، وقد جاءه الاسم بعد أن انضمّ الىأحد فصائل الثورة الفلسطينية.
وصديقه الذي تعرّف عليه بعد حرب 1991 القادم من الكويت ليقيم في عمان تخفى وراء اسم نجيب الغالبي، هكذا يحب أن يكون اسمه وهكذا يحب ان ينادى رغم أن يافطة الباب النحاسية المثبتة أمام باب شقته تحمل اسم عزيز رزق ا&، حتى ان (رفيق) فكّر: (أهذه احدى متاهات بورخيس؟).
وعندما فتح نجيب الباب سأله: (من هذا العزيز رزق ا&؟) فردّ ببساطة (أنا عزيز).
هنا نحن أمام انسان فصل ما بين الاسم الذي يحب أن يحمله والاسم الاخر الذي هو اسمه الرسمي (شهادة تقدير السن، وجميع اوراق الثبوت الرسمية وجواز السفر، وعقود البيع والشراء الى آخر هذه الشكليات).
ومبرره لهذا أعلنه جوابا: (مللت اسمي، رأيت أنه لا يناسبني، ببساطة).
(رفيق) هذا (وقد تماهيت مع ما ارتكن عليه هذا اللامسمّى) المولود في القدس سنة النكبة 1948 يورد تفاصيل يكاد ينفرد بها نصّه من مرصده الخاص حول ما جرى في فلسطين والقدس تحديدا وبعد ذلك التحول الى عمّان مع أسرته.
سيحكي الياس فركوح عن الحياة في القدس، رياضها، مدارسها الداخلية، أناسها، كنائسها، ثم احتلالها بالكامل عام 1967 وهجرة الكثير من سكانها.
ونجد أيضا ان الكاتب قد أثرى نصّه بكل الطقوس والعادات المسيحية التي تمارسها أسرته البسيطة، الأب الخياط النسائي، والأم ربة البيت والاخوة.
كما أثرى نصّه بحديث مدينة عمان وكيف نمت وتوسعت وامتدت ورأى أنها قد أفادت من محن مدن أخرى في هذا مثل بيروت وبغداد ومدن فلسطين. ثم أحداث الكويت، وهو إذ يؤشر هذا في حواره مع مريم لا يرى فيه مأخذا على المدينة بل وصف لحالتها.
و(رفيق) هذا يريد أن يكون كاتبا متفرغا، يعيش من كتاباته، ولكنه لا يريد أن يبقى في موقع المراقب لما يجري من مسافته بل اختار أن يعيش في الخضم، ومثلما فعل ذات يوم عندما انتمى الى أحد الفصائل الفلسطينية وحمل الرشاش فإنه لا يكتفي بمراقبة ما ينتظر العراق ـ الحاضر بآلامه في الرواية ـ من عدوان وشيك تم عام 1991 فوقّع البيانات وانخرط في المظاهرات المنددة بالعدوان، واعتصم وأضرب من أجل العراق.
هذه الرواية غارقة في التفاصيل الساخنة النابتة من الوجع العربي الذي يتّسع ولا يلتمّ.
تتداخل الضمائر فمتاهة بورخيس هي متاهته أيضا، ولكنها متاهة قد تبدو بسيطة أمام المتاهة العربية المتفاقمة حيث تتلاشى ومضات الأمل وتحتجب الاحلام موؤودة في حفرها، وتهوي النجوم من سماواتها في خلوات الرمل والخرس والموت.
في الرواية خبرة لغوية فاتنة، تأتت من ممارسة كتابية ثريّة في الدلالة وفي العديد من الشخصيات التي تتحرّك بحيوية في فضاء هذه الرواية.
أما عنوانها فيشرحه المؤلف بقوله: (ان اليمبوس هي المنطقة الوسط حسب المفهوم الكاثوليكي، أو الثالثة بين الجنة والجحيم).
فهل نحن في هذه المنطقة حقا في (المطهر)؟ لا أظن هذا.


ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-01-2012, 08:37 AM   رقم المشاركة : [770]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

فركوح: المصادرة منطق الرقابة

حوار مع الروائي الأردني إلياس فركوح 4/2 شوكوماكو أجرى الحوار: محمد ديبو "أوليست هي
الحروب ما عَلَّمَ وحفرَ وفرزَ وخلَطَ وولّدَ وأدّى وكشفَ وخَبّأَ وطمَرَ وعَرّى عارَ مجتمعاتنا وأنظمتنا السياسيّة راعية هزائمنا وداعمة خسارات أرواحنا وأحلامنا .. وأراضينا" يمتاز الروائي الأردني الياس فركوح عن غيره من الروائيين العرب بنشاط متنوع الاهتمامات, وطاقة موزعة على حقول متعددة تبدأ بالرواية ولا تنتهي عند حدود القصة والمقالة والترجمة ودار النشر التي تستنزف وقته وعمره, محاولا البحث عما يعينه على تحمّل مأسي العالم من جهة , ومنقبّا من جهة أخرى عن كوّة نور يطل من خلالها على الأمل . شوكوماكو التقى الروائي الياس فركوح وحاوره حول وصول روايته” أرض اليمبوس” إلى القائمة المصغرة لجائزة البوكر العربية في دورتها الأولى وحول أمور أخرى. للروائي : في الرواية :أعمدة الغبار – قامات الزبد – أرض اليمبوس في القصة: حقول الظلال – من رأيت كان أنا ...‏ - ولدتَ عام 1948، هذا العام الذي يصادف ذكرى النكبة، والآن يحتفل العالم بذكرى “تأسيس إسرائيل” بينما نحيي ذكرى النكبة الستين وسط خَجَل عربي فاضح. ماذا يعني لك هذا على الصعيد (الشخصي والعام؟ وهل ولادتك في ذكرى النكبة أثرّت على شخصيتك لاحقاً وزرعت فيك جينات ستجعل منكَ لاحقاً كاتباً مغموساً بالهم العام والكتابة عن فلسطين؟‏ أن تولد عام 1948 يعني أنَّ الحياة باشَرَت، ومنذ بداية بداياتك، بحفر علاماتها الجارحة في روحك. معناه أنَّ “صُدفةً تاريخيّةً ما” عملت على تكريسك، ربما بنصف وعي أحياناً، شاهداً رغمكَ على محطات الحياة العربيّة المعاصرة، ومنخرطاً منغمساً في تفاصيلها اليوميّة. معناه أنَّ تلك البداية وضعتكَ داخل سياق عَيشٍ أنتَ لم تختره اختياراً حُرّاً صافياً في عمومه، إذ لم تترك لكَ سوى هامش الموافقة على أن تكون إبناً لهذا السياق تتفاعل معه وتفعل فيه بقدرٍ شخصي ضئيل .. أو تخرج منه (إنْ استطعت) فتخسر الخسارات الكبرى واهماً لتكسبَ، بالمقابل، ذاتاً مُعَرّاة ومنعزلة تتغذّى على ذاتها دون شَبَع. هي حالةٌ أو معادلةٌ لا مكان فيها لأي بطولة مفتخرة بنفسها، لأنَّ منطق قاعدتها لا يسمح أو يمنح أبناء جيلنا فرصة إلاّ أن يكونوا ضحايا/ مقاتلين، أو إنْ شئت، هُم: المقاتلون/ الضحايا. كأنما صدى “ البحرُ من ورائكم، والعدو من أمامكم، فأينَ تنفرون وتفرون!” هو النداء الوحيد، أو القَدَر المرسوم الذي أطبقَ على مصائرنا طوال أكثر من خمسة عقود، بدايةً من نفير 1948 الأوّل! ثمة الكثير من المعاني لهذه الولادة من حيث التاريخ. وكذلك، وهذا في غاية الأهميّة كما أرى، من حيث الجغرافيا. فالأردن هو وجه فلسطين الآخر، عَبْر دلالات مجازيّة تفكريّة وواقعيّة أرضيّة لا تُحصى. فكيف لي أن أهرب من فلسطيني اللصيقة بي، أنا الأردني!‏ - عشتَ ودرستَ في القدس وعمّان وبيروت، هذه المدن التي نجدها مزروعة في روح نصوصك. إلى أي حد سكنتكَ المدينة؟ وإلى أي حد أسكنتها في أعمالك عموماً ورواياتك خصوصاً؟‏ أنا إنسانُ مدينةٍ في معظم طبقات تكويني الشخصي. أنا كذلك لأنني لستُ سليل أُسرة ريفيّة، كما لستُ ابن صحراء أو بادية. صحيحٌ أنَّ مُدننا العربيّة لم تُمْنَح ما يكفي من الوقت لتستوي مُدناً تنمو (وتتطور وفق “أُسس وقوانين” نشوء المُدن، إذ ضُرِبَت مبكراً بريفٍ هَجَّرَهُ الجوعُ وأجبره على غزوها ومَلئها، فأعاقها وشوهها رغماً عنه وعنها ـ إلاّ أنَّ ذلك كلّه لم يَحُل دون تميّزها وتميّز أبنائها بهويةٍ مختلفة وأُخرى مغايرة لسواها. هي ليست أكبر شأناً بالضرورة، لكنها ليست أقلّ أصالة بالتأكيد. ولأنني كذلك؛ ولأنَّ المدينة تشكّل فضاءً طبيعياً لي، فضاءً ليس مُعادياً، أو صادماً، أو باعثاً مستفزاً لاختلاق ما يشبه كذبة عَيش “الغُربة” الرومانسيّة المفتعَلَة التي يدّعيها عدد من الكُتّاب القادمين من خارجها لأسباب وحجج شتّى؛ لأنني كذلك، كانت القدس كعمّان، في تحليها بمبادىء المدينة الصغيرة وفق الطراز البسيط لذاك الزمان، فما وجدتُ فيها سوى التنويع على أمرٍ أوّل أليف مألوف. أما بيروت؛ فجاءت فيما بعد لِتُزْهِرَ فيَّ قابليّة القبول بالمدينة الكبيرة والرضا الهادىء السلس بها. نعم. المدينةُ تعيشُ فيَّ لأنها رحمي الأول ومالكة تكويني. ولأنني، قبل كل شيء، عشتُ فيها كمكانٍ أصْل فعاشتني كحالةٍ متناميّة. فأنتَ، بعد عُمْر، تتحوّل من ابنٍ لها لتصبحَ أباً لتوالي تحولاتها المستمرة، وبذلك تصيرُ بانياً لها صفةً تضيفها إلى مجموع صفاتك. فإذا كان ذلك كذلك، فلا مفر من حضورها الكبير في نصوصي. هي وحدها المكان ـ البطل. إني من الكُتّاب الذين لا يقتربون، بالكتابة، من عوالم وفضاءات أزعمها معرفةً، لكنني لم أعشها حياةً وحالات.‏ “-أرض اليمبوس” روايتك الأخيرة التي دخلت قائمة البوكر العربيّة، تتداخل فيها السيرة الذاتيّة بالسيرة العامة للتاريخ العربي في نصف قرن. هل كنتَ تكتب سيرتك الشخصيّة، أم سيرة عَمّانك وقُدسك، أم كنتَ تصفّي حسابك مع تاريخ عربي أكلَ عمركَ وروحكَ ولم يهبكَ سوى الهزائم وبُكاء اللغة؟‏ بين السيرة الذاتيّة أو الشخصيّة، وانتقاء محطات معينة من تجربة الكاتب الحياتيّة يراها منسجمة ومتآلفة مع السياق الروائي ومعززة لدلالته .. ثمة فرق. هذه نقطة أراها حاسمة للتمييز بين مَعنيين يجري خلطهما أحياناً، فيأخذ أحدهما مكانَ الآخر مستبدلاً بذلك هويةَ أو ماهيّة الجنس الكتابي، وهذا خطير؛ إذ تقع عمليّة القراءة في شَرَك الشواش أو قُلْ الانحراف باتجاهٍ آخر تماماً. وفي أحسن الأحوال يصير لاجتهاد القارىء سبيل تسميّة العمل المكتوب بـ”سيرة روائيّة”، أو “رواية السيرة”، أو “رواية ـ سيرة”، أو “رواية سيريّة”. ومع أني منفتحٌ تماماً، لا بل أدعو وأحضُّ على طموح توسعة الهوامش في أي جنس كتابي، لتتضمن ضروباً وافدة من أجناس أخرى، إغناءً له وتجريباً واعياً مسؤولاً؛ إلاّ أنني أخشى سوء القراءة والاستنتاج الذي يجعلُ العملَ يندرج في جنسٍ حائر! فبقدر ما يتحمّل الكاتب غير المتمكّن مسؤوليّة إضاعة هويّة كتابته، إذا ما لجأ إلى تهجينها عبر توسعة هوامشها من غير تدبُّر مكين؛ كذلك الأمر في ما يتعلّق بالقارىء المتسرّع الذي يجد نفسه كمن وقع على اكتشاف مفترَق طُرُق: أأقرأ النصّ روايةً؟ أم سيرةً؟ .. ثم يريح نفسه في منطقة الوسط ليجلس حيث هو بينهما: هي رواية سيرة! عَليَّ الإقرار بأنَّ درجةً عاليّةً من التماهي أوْجَدتُها واعياً بين شخصيتي ككاتبٍ للرواية يمتحُ من تجربته الحياتيّة، وبين شخصيتي المكتوبة كراوٍ متعدد الأصوات وزوايا النظر داخل الرواية، وهذا ما دفعَ معظم ـ إنْ لم أقُلْ جميع قُرّائها ـ إلى تأويلها على أنها رواية سيرية. ولعلّي أبالغُ في تحسسي لمفردة “سيرة ذاتيّة” جرّاء أخذ نفسي بشدة عند الالتزام بِدِّقة معاني المفردات وحدودها قبل استخدامها، كتابةً أو حواراً مع آخرين. ثمة الخِشية من إضاعة اللغة المشتركة ، بمعنى عدم الاتفاق الضمني والأولي على معنى أو دلالة اللفظ قبل النُطق به! إضافةً إلى ذلك، وهذا ما لم يلتفت إليه أحد ممن كتبوا قراءاتهم للرواية، هنالك توسعةٌ أزعمها في تطبيق مفهوم الكتابة ما بعد الحداثيّة. فإذا كانت، في أحد جوانبها، معاينتها لنفسها ككتابة ومحاورتها من وفي داخل النصّ حين يتخلّق ومساءلتها لنفسها؛ فلقد أُخضِعَت شخصيّة الكاتب هي أيضاً لأسئلتها عنها، ولضروب التشكيك في ذاكرتها، وبالتالي لمدى مصداقيّة أو موثوقيّة ما تكتب، حين تكتب نصّها عنها وعن سواها! جُملة ما تخرج به القراءة تنضفرُ في سَلَة أسئلة تجافي الذهاب إلى أن الرواية سيرة تتستر برداء رواية. فالسيرة وقائع أكيدة الحدوث ليست كتابتها سوى عمليّة تدوين لوقائعها كما وقعت .. وإنْ بقليلٍ من التعديل. وقائع ليست موضع تساؤل أو تشكيك، يسجّلها صاحبها عنه وعنها، وبذلك يسجّل سيرته، وسيرة آخرين، وسيرة الأمكنة وأزمنتها. لا أنفي ولا أعترض على أنَّ جانباً من “أرض اليمبوس” أُوكِلَت إليه مهمة كهذه، غير أن الرواية ليست هذا فقط، كما أنها ليست تأريخاً إلاّ بقدر ما يكون التاريخ، في الأدب والفن، إعادةُ كتابةٍ مَرَّت في موشور الذاكرة المنتقيّة الحاذفة والمضيفة (كما ورد هذا حرفيّاً داخل النصّ)، ومصافي اللغة المتفكّرة، و”شياطين” الرغبات الفالتة من شروط “الملائكة” المحافظين على سكون الخليقة، كما هو، عند أوّل بزوغها.‏ - تمارس الترجمة إلى جانب نشاطاتك المتعددة، كيف تقيّم حال الترجمة /من وإلى/. هل نستطيع القول أننا بتنا موجودين على قوائم الترجمة العالميّة، أم أننا ما زلنا متخلفين عمّا يحصل في العالم في هذا الأمر أيضاً؟‏ لا زلنا على الصعيد العربي، بمؤسساتنا الرسميّة وشبه الرسميّة وكذلك بدور النشر الأهليّة ضئيلة القدرات الماليّة الممولة لمشاريع الترجمة، في وضعٍ متخلّف بكل معنى الكلمة. وإني هنا أشير إلى حال (الترجمة من لغات العالم إلى لغتنا العربيّة. فبالإضافة إلى تقرير اليونسكو الذي نشر قبل سنوات قليلة بهذا الخصوص والأرقام الصريحة الواردة فيه والتي تشكّل فضيحةً ثقافيّةً حضاريةً ينبغي لكل مشتغل بالثقافة ومَعْنيّ بها التفكير بمدلولها الخطير؛ أقول: إضافةً إلى هذا التقرير، بإمكان أي متابع لحركة الترجمة، وفي جميع حقول المعرفة، وضع اليد على أننا في آخر دول العالم عنايةً واهتماماً والتماساً لضرورتها، رغم أننا الأحوج في هذا الراهن من التاريخ إلى نقل معارف الآخرين إلى لغتنا وبالتالي إلى إنساننا الذي لا يتقن سوى لغته الأُم. أما عن ترجمة نتاجنا الفكري إلى لغات العالم؛ فحدّثْ ولا حَرَج! فإذا كان تقرير اليونسكو يشكّل فضيحة؛ فإنَّ الجانب الآخر لهذه الفضيحة أكثر فضائحيّة وأشد مرارة. ناهيك عن السؤال الذي يطرح نفسه علينا جميعاً: هل لدينا في نتاجنا المعاصر والحديث من المعارف (غير الرواية والشعر والقصة القصيرة) ما ليس مُتاحاً للآخرين هُم بحاجة إليه يسدون به نقصاً ما في دوائر معارفهم؟‏ - نلاحظ في رواياتك الثلاث (قامات الزبد، وأعمدة الغبار، وأرض اليمبوس) حضور الحرب كحدث مركزي. هل تسعى لتأريخ الحروب العربيّة روائياً؟ وكيف تتجلّى لديك العلاقة بين الحرب والرواية؟ أي، كيف تستطيع أن تُخضِع الحرب كوثيقة ومعارك وموت ودمار و.. لمفهوم الرواية وأدواتها، دون أن تخسر الرواية وتقع في مطب المحاكاة الساذجة لواقع قائم وترتفع بها نحو مصاف الإبداع الخالص؟ ﴿ بدأتُ قاصّاً منشغلاً برصد النُتَف الصغيرة في يوميات أفرادٍ يمثّلون ذواتهم مثلما يمثّلون، في الوقت نفسه، غيرهم. لكنني، حين كنتُ أكتب ذلك، وجدتني أسجّل رؤيتي لعوالم غلُبَت عليها العاديّة لفرط تكرارها في حياتنا، كل يوم، ومن خلالها كنتُ أكشفُ عن قسطٍ من موقفي حيالها: بمعنى أني كنتُ أكتشفُ لحظةَ الكشف قسطاً مني أنا شخصياً. وهكذا تحوّلَ وعيي على الكتابة ليكون وعياً للذات الكاتبة أيضاً، وبذلك صرتُ أرددُ قائلاً بأنَّ القصة تكتبني شيئاً فشيئاً كلّما تدرجتُ بكتابتها مشهداً مشهداً. كانت »قامات الزبد« روايتي الأولى بعد مجموعات قصصيّة عدة، وما كنتُ أعرف ماذا سأكتب بعد انتهائي منها. ثم، وإثر نشري لها بسنوات، وقعتُ على أنني لحظة شروعي بالكتابة الروائيّة، مستنداً إلى محطة في حياتي، إنما باشرتُ التأسيس للكتابة عن جيلٍ أنتمي إليه مَرَّ بكل المحطات التي مررتُ بها. وهكذا اتضحَ لي مشروع ثلاثيّة روائيّة غير معلَنَة تغطّي المفاصل الرئيسة في حياتنا، فكانت »أعمدة الغبار« ثم انتهت بـ »أرض اليمبوس«.ما المفاصل الرئيسة في حياتنا، إذَن، إنْ كنتُ أسجّل روائياً سيرةَ جيل ولِدَ عام ١٩٤٨؟أوليست هي الحروب ما عَلَّمَ وحفرَ وفرزَ وخلَطَ وولّدَ وأدّى وكشفَ وخَبّأَ وطمَرَ وعَرّى عارَ مجتمعاتنا وأنظمتنا السياسيّة راعية هزائمنا وداعمة خسارات أرواحنا وأحلامنا.. وأراضينا؟ ست حروب خلال ستة عقود، كأنما ثمة حرب في كل عقد هدية لكل جيل! لستُ أسعى لتأريخ الحروب روائياً، ولستُ مَيّالاً للكتابة عنها إلاّ بقدر ما تعمل هي على كشف التوتر داخل الشخصيات التي مرَت بها، أو مرّت الحربُ عليها، ولكن كأمرٍ مسبب وكخلفيّة تصبغ المناخات وتحدد الإيقاع. يَرِدُ ذِكر الحرب كعامل استفزاز يكشف عمّا هو أهمّ منها: الفردُ الذي طحنته نتائجها المدمّرة. كما أني، بالكتابة، إنما أدوّنُ دواخل الشخصيات وتاريخها على وقْع الحرب وصداها المتردد في أعماقها. الحربُ ليست موضوعاً مثيراً لكتابتي إلاّ بقدر ما تشير إلى »الحرب الأخرى« الدائرة بين »نحن المكشوفة« و»نحن المطمورة«. لن يجد القارئ في رواياتي حرباً أحاول وصفها وتصويرها، بمفرداتها العسكريّة ومعاركها وجنودها وقتلاها وضحاياها وأبطالها ومشاهد ساحاتها، إلخ. ذلك ليس هَمّي أبداً. وبالتالي فأنا لا أحاكيها ولا أحاكي سواها. كتابتي »فـي« الأشياء وليس »عـن« الأشياء. والعلاقة بين الحرب والرواية التي أكتبها بحسبي، هي علاقة بين إشارة استفزاز تعمل على إثارة الأسئلة عن حروب ذواتنا. أسئلة عني أنا أيضاً، تماماً مثلما فعلتُ في كتابة القصص، كما بدأتُ ممهداً للإجابة. تعدّد - كتبتَ الرواية، والقصة، والمقالة، والبحث، والترجمة، والشهادة، إضافةً لدار النشر التي تملكها. لماذا هذا التعدد؟ هل هو صدى لروحك المتشعبة؟ وأين يجد الياس فركوح روحه أكثر؟ ﴿ لو أنكَ سألتني هذا السؤال قبل سنة أو سنتين، لربما أجبتكَ على هذا النحو: روحي تحققُ ذاتها في هذه الأنواع الكتابيّة جميعها، ولكن بِنِسَبٍ متفاوتة بالطبع. فما دام المرء الواحد ينطوي على مستويات أو طبقات عدة تبتغي التعبير عن طاقاتها، وهنالك ما يكفي من الوقت لأن يتوزع صاحبها عليها منشغلاً بها؛ فليس ثمة مشكلة. هذا صحيح من حيث المبدأ. وصحيح أيضاً قبل سنة أو سنتين، حين لم ألتفت إلى ضرورة ترتيب الأولويات بإعطائها حقها الأوفر من الجهد، والانشغال، والوقت ـ وهو الأمر الذي بِتُّ أعيش إشكاليّة توفيره الآن. ولم يعد المتبقي من العُمْر يكفي للإحاطة بهذا »التَرَف«! تحضرني بهذا السياق حكاية نيكوس كازانتزاكيس ووقوفه عند زاوية الشارع متسوّلاً المارّة شيئاً من الوقت يدّخره لإكمال أحلامه الكتابيّة! كما ينبغي للمرء، في هذه المرحلة من عمره، أن يواجه نفسه بعنوانه الأوّل أو الرئيس، وبذلك يكون قد تحلل، ولو نسبياً، من مُلحَقات العنوان باعتبارها تفريعات له. ربما لا يتمكن من التخلص منها نهائياً كونها تشكّلُ إعاقةً لمشروع العنوان، لكنه سينصرف حتماً إلى الحَدّ منها ليتفرغ لِما يراه يتحلّى بالأولويّة. التعدد سِمة جوهريّة في الكائن، والعمل على إشباع مكوناته يحققُ له التوازن. لا شك في هذا. إنما، وبالنسبة لي والآن، معترفاً بفضل هذا التعدد في إثراء جوانبي المعرفيّة الثقافيّة، أصبحت عمليةُ تلبيتها مرهقة ومسببة للتشتت وفقدان القدرة على التركيز. وبذلك، أصبحتُ بدوري أنحو باتجاه الانصراف إلى الرواية، إعداداً، وقراءات، وتفكراً، لتكون عنواني الأوّل. دار النشر مشروعٌ وعملٌ جميل! مشروع وعمل مِعطاء وصاحب رسالة بمعنىً ما. لكنه غولٌ يلتهم الوقت، والجهد، والتركيز، والمال القليل، ويستنفد أنايَ الكُليّة التي ما عادت قادرة على تلبيّة حاجاته واحتياجاته من ذلك كلّه. لن يكون باستطاعتي التخلص من الدار؛ فليس سهلاً تصفيّة ما يشبه مؤسسة طفقت تحقق نجاحاً ثقافياً وحضوراً لافتاً محترماً، ومحو منجزها وشطب طموحاتها. وهذه مشكلة حقيقية تؤرقني. رقابتان - الرقابة في العالم العربي أمر محيّر ومربك للكاتب، وفي الوقت الذي يعتبر أغلب الكُتّاب خارج الأردن أن الرقابة السياسية أخطر أنواع الرقابات وأشملها؛ نراك تركّز على الرقابة المجتمعيّة. لماذا؟ وماذا عن الرقابة الدينيّة؟ كيف تؤثر الرقابة على عملك الإبداعي بالدرجة الأولى وعلى عملك كناشر؟ وهل سبق أن اضطررت للمراوغة بشكل ما أمام الرقيب؟ وما الحل برأيك للتعامل مع الرقابة السياسية من جهة، والرقابة المجتمعيّة والدينية من جهة أخرى؟ ﴿ لستُ مستخفاً بأي من الرقابتين السياسيّة أو الدينيّة على الإطلاق. أبداً. فأنا أعي تماماً بأنَّ الرقابة المجتمعيّة بقدر ما تنطوي على أثقال الرقابة الدينيّة وممنوعاتها الخافيّة المتخفيّة بالمحافظة على »دين وأخلاقيات وقيم وعادات« المجتمع والأُمة. أو تلك الجاهرة بتكفير كل ما/ ومَن تراه خارجاً على منطوقها اللفظي بشروحاتها الجامدة أو شروحاتها المتطرفة ـ فإنها أيضاً تتضمن، في أُسها وأساسها، منطق المَنْع والمصادرة، وتمنح نفسها سلطةً على الجميع هي مستمدةٌ أصلاً ومدعومة من السلطة السياسيّة المتراجعة أمامها خوفاً، أو مجاملةً لتيّارٍ زاحف يصطبغ بشعبويّة ساخطة، أو بالتواطؤ، أو عبر عَقدٍ تضامني (هو مرحليٌ بالضرورة) يكفلُ للطرفين مساحاتهما السلطويّة. عندما أركّز على الرقابة المجتمعيّة (وليس الاجتماعيّة) فإنني أدعو إلى تفكيك عناصرها المكوّنة لها لاكتشاف أنها مجموع الرقابتين السياسيّة والدينيّة، ومعاينة آليات فعلهما المشترك داخل البِنيات الاجتماعيّة المؤدية إلى: انحباس في الرؤيا، وتَعَصُّب في التعامل، وحَظْر للحِراك المدني والاجتهاد الفكري بعمومه، ومصادرة للاختلاف، وفِتنة في المعتَقَد، ومعاكسة لمتطلبات العدل والمساواة، وضرب لمفهوم المواطنة القائم على عدم جواز التفريق بين المواطنين بسبب اللون، أو الدين، أو الجنس، أو الأصول، أو القرابة، أو العشيرة، أو المال، أو النفوذ المتوارَث، إلخ. السلطة المجتمعيّة بمواصفات كهذه وراهن كهذا، وبالتالي رقابتها المتأتيّة عنها، لن تنتج بلداً بمؤسسات مدنيّة مرتكزة إلى قواعد ديموقراطيّة حقيقيّة غير زائفة أو شكليّة ترسم حدوداً واضحة للحريات، ولأذرُع السلطات التي تتغوّل، في حالاتنا العربيّة، السلطةُ التنفيذيَة لتهيمن على التشريعيّة والقضائيّة! نعم، هذه هي الرقابة المجتمعيّة في خُلاصتها. وهي شاذة. وهي أخطر بما لا يُقاس من مجرد رقابة سياسيّة تمنعُ كِتاباً بمقدورنا تسريبه إلينا وقراءته رغماً عن أنف الحدود والرقابات البلهاء. نحن الآن بصدد أزمة انغلاق أُفق، وحالة تخلُّف شديدة التعقيد في تركيبتها تتجاوز المفهوم السياسي لدولٍ باتت رهن التحلل والارتهان لقوىً إقليميّة وعالميّة شارعة بتسيُّد العالم وإعادة اقتسامه، مزيحةً من طريقها هذه »الدول« المشكوك بسيادتها السياسيّة على أراضيها! أما عن الشق الثاني من سؤالك؛ فأود الإشارة إلى أن تجربتي الكتابيّة علّمتني كيفيّة التعامل مع الرقابة الرسميّة دون أن تتنازل عن منطوقها من جهة، أو أن تُنْزِل الضرر بمستواها الفني. فلكّل رقابة، وبحسب التجربة الشخصيّة، تخومها وحدودها على الكاتب والناشر معاً معرفتها ليصار لكلٍ منهما أسلوبه في إدارة ما أسمّيه »سِجال الذكاء« المفتَرَض والمفروض عليهما. ثمة قاعدة اجتهدتُ خلال ما يقرب الثلاثين سنة من الكتابة في بنائها، تتلخص في أنَّ على الكاتب (والناشر) أن يحترم نفسه فلا يبتذلها! والابتذال عادةً ما يكون بواحدة من طريقتين: إما أن يتجاوز الخطوط الحُمْر بمباشرة وانكشاف وصراخ بحيث يُجبر الرقيب على فعل المنع، فيتحوّل إلى »شهيد« بالمَجّان، لكنه يصبو في الوقت نفسه لأن يصنع من نفسه »نجماً« ضمن منطق إعلام الإثارة وسوق فبركة الأبطال. مع ملاحظة أنَّ المباشرة والانكشاف والصراخ، في الأدب والفن، تستدعي معها، غالباً، لغةً وأسلوباً يقعان خارج البناء الفني وعلى حسابه. ولذلك، فإنَّ قراءةً نزيهةً ونبيهة وبريئة من طغيان »نجوميّة شهيد الحريّة« لكثير من »النصوص الممنوعة« تدلّنا على فقرٍ كِتابي داخلها تم تعويضه، أو التستر عليه بالأحرى، بضجيج الحظر والمنع. أما طريقة الابتذال الثانيّة، فإنها ببساطة الخضوع لاشتراطات الرقابة على نحو مبالغ فيه يصل عند البعض إلى درجة المهانة، فيتنازلون عمّا ليس مطلوباً التنازل عنه! ليس هنالك من حل واحد في التعامل مع الرقابات، السياسية والمجتمعيّة والدينيّة. ليست هنالك صيغة جاهزة. أنتَ تبني صيغتك بحسبكَ وبحسب تجربتك. أما الحل الجذري؛ فبإلغاء الرقابات كافة، واستبدالها برقابة الضمير، وروح احترام الكتابة كاحتراف له شروطه. -قلتَ لنا في الأردن إنك تعتبر أن المستقبل سيكون للنصّ النخبوي، وأن الثقافة تتجه لأن تكون نخبويّة. ألاْ ترى أنكَ بذلك تلغي القارئ من المعادلة الثقافيّة التي تموت دونه؟ ﴿ لستُ أنا مَن يلغي القارئ من المعادلة الثقافيّة؛ بل هو النظام التعليمي، والتربوي، والتثقيفي الآخذ بالتفكك والانحلال على طول الوطن العربي وعرضه. هنالك عمليّة تَخَلٍ كامل من قِبَل المؤسسات ذات الشأن عن مسؤولياتها تجاه تنميّة ثقافيّة، عريضة وعميقة ومستمرة، تطال مواطنيها عبر جميع المراحل، بحيث تعودُ للمعرفة المتجاوزة حدود المتطلبات الأكاديميّة ومستلزماتها قيمتها داخل المجتمع، وبالتالي داخل الحياة الخاصة لكل فَرد عربي. ثمة إفقارٌ في الوعي الثقافي للإنسان العربي، وإجدابٌ في التذوق الفني والأدبي لديه، كأنما بقصدية ووعي وهذا أمرٌ مُريب! وإنْ كان ليس كذلك، فالأمرُ ينذر بكارثة قادمة على مستوى عُمق الشخصيّة العربيّة كنتيجة حتميّة لهذه المقدمة. مثلما يدلل، في الوقت نفسه، على تَرَدٍ فاضح في كفاءة أصحاب المسؤوليّة، وغياب منهجيّة أو استراتيجيّة عارفة متأتيّة عن رؤيا واضحة بعيدة المدى تعي مفهوم »الوطن« حقاً، وتُعنى بمستقبله. فلنكُنْ أكثر صراحةً: حين يتحوّل الفسادُ إلى ظاهرة متفشيّة وراسخة في المجتمعات العربيّة، فإننا لحظة اعترافنا به والتسليم بصعوبة اجتثاثه كونه أصبحَ مؤَسَساً (بفتح السين) إنما نعاينُ ونشهدُ انفلاشه خارج المؤسسات الرسميّة الحكوميّة وأجهزتها، ليغطّي ويتغوّل على معظم جوانب البِنية المجتمعيّة.. اللهم بعض الدوائر الصغيرة والمشتتة من المثقفين والشرفاء، والمعزولة للأسف. هي دوائر تم عزلها بفعل إدبار الجسم الأكبر من المجتمع عن التعاطي مع ضروب الإنتاج الثقافي، فباتت نتوءاً شاذاً ربما يُلتَفَتُ إليه كرنفاليّاً وعلى سبيل استكمال الديكور باقتطاع يومٍ ما من روزنامة السنة للتذكير به بدافع (رفع العَتَب)، ثم يُنسى! معارض الكتب تشهدُ تراجعاً واضحاً في زوّارها، وخسارات تؤكد أرقامها في مبيعاتها، وانفضاضاً عن الكتب الموسومة بـ»ثقيلة الدم« مقابل الهجوم على تلك الموصوفة بـ»الصفراء« المبشّرة بعذاب القبر، والموصية بأي من القدمين عليكَ دخول المرحاض، وكيف للزوجة أن تجذب زوجها وتحتفظ به عبر سُبُل الإثارة والإغراء، والصفحات التي تُطلعك على حظك كل يوم في كتب تدّعي علم الفلك والإبحار بين النجوم! أي صورة يمكنكَ رسمها عند الحقيقة القائلة بأنَّ عدد النسخ المطبوعة من أي كتاب، قبل عشرين سنة، كان ثلاثة آلاف ـ بينما الآن، رغم تكاثر الجامعات والأكاديميات على اختلاف تخصصاتها تكاثراً بكتيريّاً، لا يتجاوز الألف نسخة! والبعض من الكتب، الشعر خصوصاً، الخمسمائة! عند تدقيقنا بهذا الحال، هل تتوقع قارئاً مثقفاً يتجاوز دائرة النخبة بمقدوره التفاعل مع النصوص الأدبيّة الحديثة؟ هل تتوقع أن يكّف الكُتّاب عن المضي عبر تحولات الأجناس الكتابيّة، ليتوقفوا عند نقطة الانقطاع الثقافي والفني والأدبي ـ المعرفي عموماً ـ للمجتمع، بانتظار صحوة شاملة تأخذ بالاعتبار تعويض ما فاتها؟ هنالك نخبوية على صعيد الكتابة لأنَّ هنالك نخبويّة، ومن قبل، على صعيد القراءة. وهنالك غُربة بين الفئتين تكاد تقتل. - نلاحظ في كتابتك عموماً اهتمامك الكبير باللغة، حيث تغدو لغتك معجميّة صافية ومنحوتة بإدهاش، وتقترب من تخوم الشعر. كيف تتعامل مع اللغة؟ هل تتقصد أن تكون لغتك هكذا وأنتَ تكتب، أم أن الأمر يأتي تلقائياً؟ ومن جهة أخرى، ألاْ تخشى أن تُبعدك هذه اللغة عن القُرّاء؟ ﴿ من الأقوال المأثورة: »الكاتبُ هو الأسلوب« ومن الخُلاصات التي خرجتُ بها عبر تجربتي الكتابيّة وعنها: الكتابةُ هي اللغةُ كعلامةٍ فارقة تشير إلى كاتبها، تماماً مثلما هي بصمةُ الكائن الواحد التي لا تتكرر. من دون لغة خاصة يتعرّى النصُّ وينكشفُ خفيفاً فاقداً لخصيصة صاحبه، ويتحوّل إلى مجرد كتابة تشبه غيرها من كتاباتٍ سواها، فلا يبقى ما يشير إليها إلاّ موضوعها وطريقة بنائها. وبالرغم من أهميّة هذين العنصرين (الموضوع وطريقة البناء)، لكنهما لا يكفيان لوحدهما ليوجدا للكاتب حيّزه الخاص على خريطة الجنس الكتابي الذي ينخرط فيه. أما عن خِشيتي من ابتعاد القُرّاء عن كتابتي بسبب هذه اللغة؛ فإني أحيلك إلى إجابتي السابقة بخصوص نخبوية القُرّاء. ناهيك عن وجهة نظري الرائية إلى أن ليس ثمة وجود للقُرّاء (بأل التعريف) .. بل ثمة قُرّاء معينون لكل كتابة معينة. لقد انتهت أسطورة جمهور القُرّاء، أو الوهم بوجودهم ككتلة متجانسة واحدة في مستوى وعيها الفني والثقافي، والخروج بالتالي بنتيجة علمية قياساً إليهم وإحالةً عليهم. - العلاقة بين المبدع والسلطة بطبيعتها علاقة إشكاليّة من حيث طبيعة كل منهما، ولكن في العالم العربي تغدو تلك العلاقة مدمرة وتناحرية. كيف تقرأ العلاقة بين السلطة والمثقف؟ وهل من الضروري أن يكون المثقف نابذاً ومواجهاً لأي سلطة، على الأقل معنوياً؟ ﴿ لم تتسم العلاقة بين المثقف والسلطة يوماً، خاصةً في الوطن العربي، بالتوافق أو الانسجام، اللهم إلاّ إذا تقاطعت رؤية كل منهما أو المصلحة لديهما عند نقطةٍ ما. وهذا نادر الحدوث. تاريخنا يشهد على ذلك، والمشهد المعاصر تكملةٌ ليست نشازاً لذاك التاريخ الطويل. إنَّ طبيعة الأنظمة العربيّة، على اختلاف شعاراتها وتسميات عناوينها، بما تتضمن من أُحاديّة في وجهة النظر وفرضها: وانعدام مساحة القبول الحقيقي بالاختلاف والتعامل الموضوعي معه، والتعارض الجوهري مع مبدأ تداول وانتقال الحكم، والاستناد إلى قبليّة وعشائريّة المجتمعات وعصبياتها بما يحول دون بناء الأسس الراسخة لمجتمع مدني يفرز أحزابه السياسية الحقة، وجمعياته النقابيّة غير المشتراة، وصحفه الحرّة حقاً؛ كل ذلك أفضى إلى هذا التوتر التاريخي في العلاقة بين المثقف العربي وسلطاته الحاكمة. هذه الأنظمة بطبيعتها والتي تجيز للرئيس أو للرجل الأول، أياً كان، الاستمرار بالحكم رغم عجز حكوماته وبالتالي عجزه هو عن حل المعضلات المعيشيّة في الداخل والاختلالات الهائلة بين الشرائح الاجتماعيّة من جهة، وإفقاد بلده لوزنه الدولي لإضاعته دوره مهما بلغ حجمه من جهة ثانية، وفشله في ردّ الاعتداءات المباشرة أو استرداد الحقوق الوطنيّة من جهة ثالثة .. ومع ذلك؛ نراه يترسخ مع الزمن ليتحوّل إلى »زعيم« و»محط الآمال«! يتحوّل من حاكمٍ مطلق إلى حكيمٍ بصير وضرورة تاريخيّة! يتحوّل شخصياً ليكون هو المؤسسة، والدولة، والمرجع الأول والأخير، والتجسيد الملموس لروح الأُمة، والموّجه للسياسات الداخلية والخارجية ملغياً بذلك كافة المؤسسات الدستورية، وناسفاً حتّى الديكورات الكاذبة لديمقراطيّة شوهاء، وبالتالي يحق له تمثيل مقولة: »أنا الوطن، والوطن أنا«! من بعد؛ هل لنا أن نتصور نظاماً كهذا يتقبّل المثقف، أو تسمح تركيبته بدورٍ عضوي للمثقف يلعبه باتجاه إحداث تغييرات حقيقية، تنويرية وتثويرية وتثقيفية وتعليمية تقلب المعادلة السائدة طوال ما يقرب قرن من الزمان؟! ثمة خطوة ناقصة يحلم بها المثقف، حتّى البراغماتي الاتجاه، تعجز عنها السلطات المبنيّة على الفرد الواحد. خطوة التسليم بأنَّ الحاكم ليس ظِل الله على الأرض، وأنه مجرد لحظة خاطفة في التاريخ. هذه من ثوابت التاريخ العربي. إضافةً إلى أن النقد، وعدم الرضا، والتعفف عن تبييض ذِمة الحاكم، تعتبر من لوازم المثقف ومن صفاته الجوهريّة. باختصار: إنَّ مكان المثقف الدائم يقع خارج مؤسسات السلطة. على هامشها. وكلّما عسفت السلطة نأى المثقف عنها وتعاظمت حالةُ التوتر بينهما. السلطة، وفق النظام العربي، هي المُطْلَق، بينما المثقف هو النسبي. الأولى خارج التاريخ لأنها مضادة للعلم والمنطق. والثاني ضحيّة تاريخه رغم محاولاته لأن يدخل تاريخ الانسانيّة. أسماء وأسماء - نلاحظ في العقد الأخير وصول النتاج الأدبي الأردني إلى العواصم العربيّة، ولكن رغم ذلك نرى أن الأمر محدود بعدد قليل من الأسماء وكذلك الأمر في دول عربيّة أخرى بحيث تطغى أسماء معينة على كامل الحضور الثقافي لبلدٍ ما. إلامَ تعزو هذه الظاهرة، وهل فعلاً أن هذه الأسماء هي الأفضل في كل بلد عربي، أم أن علاقات الصداقة والشلليّة والعلاقة الجيدة مع السلطة هي التي تجعل من هذه الأسماء واجهة لبلدانها؟ ﴿ أبدأ بالقول أنَّ هذه ظاهرة حاضرة وشاملة جميع البلدان العربيّة، للأسف، وإنْ بِنِسَب مختلفة، آخذين بالاعتبار التمييز الدقيق بين الغثّ والسمين في مجموعة »الواصلين« تلك، على صعيد النتاج الأردني أو سواه. وبقدر ما يدعو انتشارها للاستفزاز والغيظ فإنها، في الوقت نفسه، تجلب معها أسئلةً كأسئلتك. لماذا؟ والسبب، بحسب اجتهادي، ليس واحداً بل هو متعدد يتصف بالتركيب وأحياناً، عند التدقيق باسمٍ ما، بالتعقيد بحيث يصعب الحصول على إجابة مقنعة تشفي الغليل. يمكن لي أن أعدد الآن مجموعة أسباب ليست من اكتشافاتي بالتأكيد؛ إذ يعرفها الجميع مثل الشللية، واحتكار المنابر الإعلاميّة، وأمزجة المسؤولين الثقافيين ومستواهم المعرفي وشبكة علاقاتهم، وتبادل المنافع هنا وهناك، واجترار الأسماء عينها في كل المؤتمرات والندوات، واحتراف صناعة العلاقات العامة بما تجلب معها الأضواء والمانشيتات لزوم »الشهرة«!، ثم تأتي درجة العلاقة مع السلطة في آخر سلم الأسباب. فأنا لم أعرف أديباً واحداً على علاقة جيدة بالسلطة ظل محتفظاً ببريقه الإعلامي، وبسبب من هذه العلاقة وليس نتيجة إبداعه العميق، في أي من الحالتين التاليتين: موته الفيزيقي هو نفسه، أو انهيار السلطة التي عملت على رفعه والترويج له. ربما أكون صادماً في رأيي حين أقول بأنَّ هشاشةً ما تتسم به الحالة الثقافيّة في بلداننا العربيّة سببت هذه الظاهرة، ولسوف تستمر في تغذيتها ما دامت الهشاشة والخِفّة والاستسهال من طبيعة الحالة الثقافيّة، وبالتالي من طبيعة المتحركين ضمن دوائرها. وما دامت روافع الأديب جُلِبَت من خارج نصوصه الأدبيّة بما تحمل أو لا تحمل من قيمة فنيّة وفكريّة! ثمة أبعاد أخلاقيّة ذات صِلة بالقِيَم والمبادئ تمَ التخلّي عنها وهَجْرها لصالح الشهرة السريعة والسهلة المأخوذة من مانحٍ لها (شلة، منبر، علاقات، إلخ) ارتضى لنفسه أن يقبض وأن يقايض. فإنْ كُنا تطرقنا للفساد في موضعٍ سابق من الحوار، فإنَّ فساداً مفضوحاً يمكن معاينته بسهولة، أو استنتاجه، عند قراءتنا لهذه الظاهرة. ثمة ما يمكن النظر إليها وتسميتها بحالات »الرشوة«! وكذلك، ثمة ضحالة ثقافيّة سمحت بانتشارها.


ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1229 ( الأعضاء 0 والزوار 1229)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هل تولد الحياة من رحم الموت؟؟؟ دراسة بحثية ايوب صابر منبر الدراسات الأدبية والنقدية . 1905 11-21-2014 03:20 PM
اعظم 100 كتاب في التاريخ: ما سر هذه العظمة؟- دراسة بحثية ايوب صابر منبر الدراسات الأدبية والنقدية . 412 09-25-2014 11:54 AM
ما سر "الروعة" في افضل مائة رواية عالمية؟ دراسة بحثية ايوب صابر منبر الدراسات الأدبية والنقدية . 493 05-13-2014 10:23 AM
أعظم 50 عبقري عبر التاريخ : ما سر هذه العبقرية؟ دراسة بحثية ايوب صابر منبر الدراسات الأدبية والنقدية . 60 02-01-2014 10:49 AM
ما الذي يصنع القائد العسكري الفذ؟؟!! دراسة بحثية ايوب صابر منبر الدراسات الأدبية والنقدية . 108 09-14-2013 09:33 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

a.d - i.s.s.w

الآراء المنشورة في شبكة منابر ثقافية لاتمثل بالضرورة وجهة نظر إدارة الموقع بل هي نتاج أفكار أصحابها