احصائيات

الردود
0

المشاهدات
19
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

اوسمتي


أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,605

+التقييم
0.64

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
اليوم, 05:37 AM
المشاركة 1
اليوم, 05:37 AM
المشاركة 1
افتراضي درب الدموع

بسم الله الرحمن الرحيم




نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة



السياق التاريخي

في مطلع ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كان ما يقارب مئة وخمسة وعشرين ألف فرد من الشعوب الأصلية لأمريكا، المعروفين تاريخياً بـ”الهنود الحمر”، يقطنون ملايين الأفدنة من الأراضي الخصبة في ولايات جورجيا وتينيسي وألاباما وكارولاينا الشمالية وفلوريدا، وهي أراضٍ توارثوها عن أجدادهم وزرعوها عبر الأجيال. غير أن توسع المستوطنين البيض نحو الداخل الأمريكي، وتصاعد الطمع في أراضي الشعوب الأصلية، أفضيا إلى تصادم مصالح لم تجد الحكومة الأمريكية له حلاً سوى الإزالة القسرية.

كان لاكتشاف الذهب عام 1829 في أراضي شعب الشيروكي بولاية جورجيا أثرٌ بالغ في تسريع الأحداث، إذ بلغ إنتاج تلك المناجم في ذروتها نحو ثلاثمئة أونصة يومياً، فتهافت المضاربون العقاريون مطالبين الكونغرس بنزع ملكية الأراضي من القبائل وتسليمها للمستوطنين.

قانون الإزالة الهندية (1830)

وقّع الرئيس أندرو جاكسون على قانون الإزالة الهندية في الثامن والعشرين من مايو عام 1830، مما أجاز له رسمياً منح أراضٍ غرب نهر المسيسيبي للقبائل مقابل تخليها عن أراضيها الأصلية. وكان جاكسون داعماً صريحاً لسياسة الإزالة، إذ سبق أن هزم قبائل الكريك والسيمينول في معارك سابقة وأخضع أراضيهم.

في المقابل، أقدمت ولاية جورجيا على إجراءات بالغة القسوة بحق الشيروكي قبل صدور القانون؛ فألغت قوانين أمتهم، وضمّت أراضيهم، وأجرت قرعةً لتوزيعها على المواطنين البيض، وحظرت عليهم ممارسة أي نشاط قبلي أو الإدلاء بشهادتهم أمام المحاكم في مواجهة البيض.

المقاومة القانونية والسياسية

لم يستسلم شعب الشيروكي بلا مقاومة؛ فقد سلك زعماؤهم وعلى رأسهم الزعيم الأول جون روس طريق القانون دفاعاً عن حقوقهم. وكان الشيروكي قد أثبتوا قدرتهم على التكيف مع الحضارة الأمريكية، إذ أنشأوا دستوراً مكتوباً وأسسوا مدارس وطوروا أبجديةً خاصة بلغتهم.

وفي عام 1832، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية بقيادة رئيسها القاضي جون مارشال حكماً تاريخياً في قضية ووستر ضد جورجيا، قضى بأن الشيروكي أمةٌ ذات سيادة مستقلة وأن جورجيا لا سلطة لها على أراضيهم. غير أن الرئيس جاكسون رفض تنفيذ الحكم، وقيل إنه قال بشأنه: “لقد أصدر جون مارشال حكمه، فليُنفّذه هو إن استطاع.” وبهذا أسقطت السلطة التنفيذية حكم القضاء وفتحت الطريق أمام الإزالة.

معاهدة نيو إيكوتا (1835)

في ظل اليأس المتصاعد، التقت فصيلة صغيرة منشقة عن الأمة الشيروكية بممثلي الحكومة الأمريكية في ديسمبر 1835 في مدينة نيو إيكوتا، عاصمة الشيروكي. لم يتجاوز عدد الحاضرين ثلاثمئة إلى خمسمئة شخص، ولم يكن من بينهم أيٌّ من المسؤولين المنتخبين في الأمة. وقّع عشرون منهم معاهدةً تتنازل بموجبها الأمة الشيروكية عن جميع أراضيها شرق نهر المسيسيبي مقابل خمسة ملايين دولار وأراضٍ بديلة في الأراضي الهندية غرباً.

احتج الزعيم جون روس والمجلس القومي بأن المعاهدة باطلة لأن الحكومة الشرعية للأمة لم تُستشر، وقدّم روس إلى الكونغرس عرائض موقعة من خمسة عشر ألف شيروكي رفضاً لها. بيد أن مجلس الشيوخ صادق على المعاهدة بفارق صوت واحد فحسب، وفي عام 1839 اغتيل معظم الموقعين عليها من أبناء جلدتهم.

الترحيل القسري (1838)

في مايو 1838، وصل الجنرال وينفيلد سكوت على رأس سبعة آلاف جندي من القوات الفيدرالية وميليشيات الولايات لتنفيذ عملية الإزالة. شرعوا في تجميع الشيروكي بالقوة من ولاية جورجيا في السادس والعشرين من مايو، ثم امتدت العمليات إلى تينيسي وكارولاينا الشمالية وألاباما. اقتيد نحو سبعة عشر ألف شيروكي من منازلهم على مدى ثلاثة أسابيع بمرافقة مسلحة، كثيراً ما أُخذوا دون أن يُمهلوا لجمع ممتلكاتهم أو تغيير ملابسهم، بينما كان النهابون البيض يجوبون المزارع المهجورة يسرقون ما خلّفه أصحابها.

وأشارت إحدى الأرامل الشيروكيات إلى جندي أمريكي قائلةً: “جاؤوا وأخذونا من بيتنا، وأول ما فعلوه أن أخذوا الفرس بينما كنا نعمل في الحقول، ولم يسمحوا لنا بأخذ أي شيء، حتى ثوباً بديلاً.”

معسكرات الاحتجاز

نُقل المهجَّرون إلى معسكرات احتجاز مؤقتة في تينيسي وألاباما، وبقوا فيها محتجزين طوال صيف عام 1838. كانت الأوضاع في تلك المعسكرات مزرية؛ اكتظاظ شديد، وسوء في الصرف الصحي، وشُح في الغذاء والماء النظيف، مما أدى إلى انتشار الأمراض وبخاصة الزحار. توفي المئات قبل أن تبدأ المسيرة الفعلية. طلب شعب الشيروكي من الجنرال سكوت تأجيل الرحيل حتى يبرد الجو، فمنحهم ذلك، ووافق على أن يُشرف الزعيم جون روس بنفسه على تنظيم المسيرة.

مسيرة الموت (1838–1839)

انطلقت المسيرة في أكتوبر 1838، وتكونت من ثلاثة عشر مجموعةً، تضم كل مجموعة ما يقارب ألف شخص، يسيرون سيراً على الأقدام أو بالعربات والخيول. امتدت طرق المسيرة على مسافة تتراوح بين ثمانمئة وألف ميل، عابرةً أجزاء من ولايات تينيسي وكنتاكي وإلينوي وميزوري وأركنساس، فيما اضطر بعضهم إلى السفر بالقوارب عبر أنهار تينيسي وأوهايو والمسيسيبي وأركنساس.

كانت الظروف شديدة القسوة؛ إذ اتسمت خريف ذلك العام بأمطار غزيرة أحالت الطرق إلى أوحال يتعذر اجتيازها، وفي يناير 1839 حاصرت الفيضانات الجليدية ثلثي المسيرة بين نهري أوهايو والمسيسيبي المتجمدَين. كان البرد قارساً والكساء شحيحاً والغذاء منقوصاً، وبلغت الوفيات أحياناً ثلاثة إلى خمسة أشخاص يومياً في مجموعة واحدة. ولم يصل آخر الناجين إلى وجهتهم غرباً إلا في مارس 1839، أي بعد نحو خمسة أشهر من انطلاق المسيرة.

حجم الكارثة الإنسانية

تشير التقديرات المستندة إلى السجلات القبلية والعسكرية إلى أن ما يقارب مئة ألف من السكان الأصليين أُجبروا على مغادرة ديارهم خلال حقبة الإزالة، ولقي نحو خمسة عشر ألفاً منهم حتفهم خلال رحلتهم غرباً. أما من شعب الشيروكي وحده، فقد تراوحت أعداد الوفيات بين أربعة آلاف وستة آلاف شخص، أي ما يمثل ربع إلى ثلث عدد المهجَّرين، وكان الأطفال وكبار السن والنساء الأشد تضرراً من بينهم. وقد قدّر الطبيب التبشيري إليزور باتلر، الذي رافق المسيرة، أن ما يزيد على أربعة آلاف شيروكي قضوا خلال تلك الرحلة المأساوية.

ما بعد الوصول

لم تنتهِ المأساة بالوصول إلى الأراضي الهندية في ما يُعرف اليوم بولاية أوكلاهوما؛ فقد وعدت المعاهدة بتزويد الوافدين بمؤن كافية لمدة عام، غير أن التوزيع جاء متقطعاً وغير منتظم، فمكث معظم الشيروكي طوال عام 1839 في خيام مؤقتة ينتظرون أول حصادهم في أرض غريبة. وزاد الوضع تعقيداً احتداد الصراع الداخلي بين الشيروكي الوافدين قسراً وأقاربهم “المستوطنين القدامى” الذين سبق أن انتقلوا طوعاً، مما أدى إلى أعمال انتقامية دامية في السنوات التالية.

اعتراف الحكومة بالمأساة والاعتذار

استغرق الاعتراف الرسمي بهذه المأساة قرابةً من الزمن، وجاء على مراحل متعاقبة. ففي عام 1987، أقرّ الكونغرس الأمريكي قانوناً يُصنّف مسار درب الدموع بوصفه مساراً تاريخياً وطنياً، وهو ما شكّل أول اعتراف فيدرالي رسمي بأهمية هذا الحدث وضرورة صون ذاكرته. وبموجب قانون عام 2009، جرى توسيع المسار ليشمل مئات الأميال الإضافية وليعكس الطرق الموثقة حديثاً التي سلكها المهجَّرون.

وعلى صعيد الاعتذار، أصدر الكونغرس عام 2009 قراراً مشتركاً بين مجلسَي الشيوخ والنواب يقضي بتقديم اعتذار رسمي من الحكومة الأمريكية إلى جميع الشعوب الأصلية، وقد أُدرج هذا القرار ضمن قانون مخصصات وزارة الدفاع ووقّع عليه الرئيس باراك أوباما. اعترف القرار صراحةً بأن الحكومة الفيدرالية انتهكت المعاهدات المبرمة مع القبائل الهندية، وفرضت عليها التهجير القسري بموجب قانون الإزالة الهندية لعام 1830، ونصّ على أن كثيراً من أبناء الشعوب الأصلية عانوا وماتوا خلال تنفيذ هذه السياسة الرسمية، وبخاصة خلال درب الدموع. وأعرب القرار عن أسف الولايات المتحدة على تبعات الأخطاء السابقة، والتزامها ببناء علاقة أفضل مع الشعوب الأصلية.

غير أن هذا الاعتذار صدر مقترناً بتحفظٍ صريح ينص على أنه لا يُجيز رفع أي دعوى قانونية ضد الحكومة الأمريكية، ولا يمثّل تسويةً لأي مطالبات سابقة، وهو ما رآه كثير من ممثلي الشعوب الأصلية قاصراً عن تحقيق العدالة الكاملة. وفي عام 2016، صنّفت القبائل الشيروكية الثلاث المعترف بها فيدرالياً مسار درب الدموع موقعاً مقدساً، إقراراً بقيمته الروحية وصلته العميقة بهويتهم الجمعية وتاريخهم.

ملاحظة: استُمد الاسم “درب الدموع” من عبارة نطق بها أحد زعماء شعب التشوكتاو عام 1838، وصف فيها مسيرة قومه بأنها “درب الدموع والموت”، ليصبح هذا الاسم فيما بعد التسمية الرسمية لهذا الحدث في الذاكرة التاريخية الأمريكية.



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء 0 والزوار 5)
 
أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: درب الدموع
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أوزان صيغ منتهى الجموع الممنوعة من الصرف . ماجد جابر منبر الدراسات النحوية والصرفية واللغوية 12 01-05-2020 12:04 PM
بحر الدموع محمود العالم منبر البوح الهادئ 5 05-23-2019 09:05 PM
هب لى من عينيك الدموع مراقى محمد منبر الحوارات الثقافية العامة 2 04-10-2014 01:40 AM
أساور الدموع جبار دهر جبار منبر القصص والروايات والمسرح . 2 12-24-2011 12:31 PM
لم تعد الدموع تؤلم كثيرا , وباتت الجراح هي لغة الافراح أفنان احمد منبر البوح الهادئ 7 08-31-2010 03:39 AM

الساعة الآن 01:42 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.