احصائيات

الردود
0

المشاهدات
12
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

اوسمتي


أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,603

+التقييم
0.63

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
اليوم, 06:25 AM
المشاركة 1
اليوم, 06:25 AM
المشاركة 1
افتراضي أبقراط
بسم الله الرحمن الرحيم




نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

صورة تَخيُّليَّة لأبقراط على شكل تمثال روماني، تعود إلى القرن التاسع عشر من الميلاد.



أَبُقْرَاط القُوصِيُّ أو بُقْرَاط (اليونانية: Ἱπποκράτης ὁ Κῷος) (ولد: حوالي 460 ق م - توفي: نحو 370 ق م)؛ والمعروف أيضًا باسم أبقراط الثاني؛ هو طبيب يوناني عاش في العصر الكلاسيكي اليوناني. يُعدُّ من أبرز الشخصيات في تاريخ الطب عبر التاريخ، وهو سابع الأطباء العظام في تاريخ اليونان، من آل أسقليبيوس الذين بدأوا بالأخير وخُتِموا بجالينوس المُلقب من قبل الرازي: بـ«ثَانِي الفَاضِلَيْن»، بعد أبقراط الذي سُمِّيَ لدى العرب بـ«الفاضل»، تكريمًا له عند ذكره.

وهو «أبو الطب»، كما لَقَبَهُ العرب ثم شاع تلقيبه به في العالم حتى لا يكاد ينازعه على هذا اللقب أحد ممن سبقوه أو لحقوه، اعترافًا بإسهاماته في المجال الطبي، ونظرًا لتأسيسه أول مدرسة طبية عملية عُرِفت لاحقًا باسم مدرسة أبقراط الطبية، حيث أحدثت هذه المدرسة الفكرية ثورة في الطب اليوناني القديم، حتى أصبح الطبُّ ذا نظام متميز عن المجالات الأخرى التي ارتبطت بهِ تقليديًا مثل السيمياء والفلسفة، ليُعرف بعدها مهنة قائمة بذاتها كما هو اليوم.

ومع ذلك، فإن إنجازاته وتعاليمه وأفعاله وممارساته الطبية، جرى خلطها وتداخلت مع أعمال وأفكار غيره بسبب تعدّد كُتّاب الكوربوس الذي جُمِع فيه رسائل وتعاليم نُسِبت كلها إلى أبقراط كما يتضح من عنوان العمل؛ بالتالي لا يُعرف اليوم سوى القليل عمّا فكر به أبقراط شخصيًا أو كتب وفعل.

عادة ما يُصوّر أبقراط على أنه المثل الأعلى بين أطباء العصر القديم. ويُنسب الفضل إليه في وضعه ميثاقًا حدَّدَ به أُسس وأخلاقيات وشرف مهنة الطب، وهو الميثاق الذي يُعرِف اليوم باسم قسم أبقراط، والذي لا يزال ذا صلة وثيقة بالكثير من المواثيق القانونية والطبية التي تُستخدم في العصر الحديث.

أيضًا يرجع الفضل إليه لأنّه وضع أسس الملاحظات السريرية، وجمع ولخّص المعرفة الطبية التي نتجت عن المدارس الطبية السابقة لعهده ونشرها، حتى أصبح علم الطب مشاعًا بعد أن كان مقتصرًا على بعض البيوتات اليونانية التي كانت تتوارثه بصفته علمًا عائليًا محرم الكشف عنه أو نشره. ومن أبرز المؤلفات المنسوبة إلى أبقراط بعد القسم، يمكن الإشارة إلى: تقدمةُ المعرفة، الأمراض الحادّة، الفصول، الأهوية والمياه والبلدان، المرض المقدس، طبيعة الإنسان أو الأخلاط.

كوس: الجزيرة التي صنعت عقلًا
لا يمكن فهم أبقراط بمعزل عن الجزيرة التي أنجبته. كانت كوس في القرن الخامس قبل الميلاد مركزًا فكريًا ناشطًا، وكانت تحتضن معبد أسكليبيوس الشهير — وهو نوع من المستشفى الديني يُعرف بالأسكليبيون — حيث كان المرضى يأتون من أصقاع الحضارة اليونانية طلبًا للشفاء. لكن أبقراط وتلاميذه أقاموا في هذا المكان نفسه مدرسة مختلفة تمامًا في روحها؛ مدرسة تعتمد على ملاحظة المريض لا على الصلاة باسمه، وعلى وصف الأعراض لا على تفسيرها بغضب الآلهة.

وقد انتشر صيته حتى وصلت دعوات إليه من بلاط ملوك وأمراء، فيُروى أن أرطحشستا ملك الفرس أرسل إليه عارضًا أجرًا سخيًا ليعيش في بلاطه طبيبًا خاصًا، فرفض أبقراط العرض مُعلنًا أنه لن يُداوي أعداء اليونان، وهو موقف يكشف عن شخصية تُقدّم الولاء للوطن والمبدأ على الثروة والمنزلة.



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

جهاز خشبي يُسمى بجهاز أبقراط، كان يُستخدم لجر الكتف المخلوع


المدرسة الكوسية وصراع المدارس
لم يكن أبقراط يعمل في فراغ فكري، بل كان يُقود مدرسة طبية واسعة في منافسة صريحة مع مدرسة أخرى أشهر مما يُظن، هي المدرسة الكنيدية في مدينة كنيدوس المجاورة. ويمكن تلخيص الفارق الجوهري بين المدرستين في سؤال بسيط: من تُعالج، المرض أم المريض؟

آمنت المدرسة الكنيدية بتصنيف الأمراض تصنيفًا دقيقًا والتركيز على تشخيص الداء بعينه ووصف الدواء المحدد له. أما المدرسة الكوسية بقيادة أبقراط فكانت تنظر إلى المريض كلًّا متكاملًا، وتهتم بالتاريخ الصحي والبيئة والنظام الغذائي والمناخ والمزاج، وتؤمن بأن الطبيب ينبغي أن يساعد الطبيعة على الشفاء لا أن يحل محلها. هذا التوجه الشمولي هو ما جعل الأبقراطية قادرة على الصمود عبر القرون وإلهام الطب الحديث بشكل لا يزال ملموسًا حتى اليوم.

نظرية الأخلاط
قدّمت المدرسة الأبقراطية فهمًا للجسم البشري استمر نفوذه ما يزيد على ألفَي عام، وهو نظرية الأخلاط الأربعة. استند أبقراط وتلاميذه إلى الفلسفة الطبيعية اليونانية القائلة بأن الكون يتكون من أربعة عناصر هي الماء والنار والهواء والتراب، وترجموا هذه الفكرة إلى ما يُقابلها في جسم الإنسان: الدم والصفراء والبلغم والسوداء.

في حالة الصحة تكون هذه الأخلاط متوازنة متناسبة، وحين يختل هذا التوازن ينشأ المرض. كما ربطوا بين كل خلط وفصل من فصول السنة، وبين كل خلط ومزاج من المزاجات البشرية؛ فالشخص الدموي حار رطب حيوي متفائل، والبلغمي بارد رطب هادئ بطيء، والصفراوي حار جاف سريع الغضب، والسوداوي بارد جاف كئيب منطوٍ. وعلى الطبيب بحسب هذه النظرية أن يُشخّص اختلال الأخلاط ويعمل على إعادة التوازن إليها من خلال الغذاء والراحة والتمارين وبعض العقاقير النباتية.

هذه النظرية خاطئة بالمعيار الحديث، لكنها كانت ثورية في سياقها لأنها أزاحت الآلهة من المعادلة وأحلّت محلها قوانين داخلية للجسم يمكن رصدها ودراستها.



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

عدد من الأدوات الجراحية الإغريقية القديمة. تظهر في الصورة، أداة المثقاب وتُستخدم أيضًا لنشر الجمجمة على اليسار، بينما على اليمين مجموعة مباضع أو مشارط، وهي أدوات كانت محل استفادة الطب الأبقراطي


الملاحظة السريرية
أعظم ما قدّمه أبقراط ليس نظرية الأخلاط التي ثبت خطؤها، بل منهجه في الملاحظة السريرية الدقيقة الذي ثبتت قيمته. علّم تلاميذه أن يجلسوا إلى جانب المريض ويراقبوه بصبر، أن يُدوّنوا اللون وملمس الجلد وعمق التنفس ودرجة الحرارة ولون البول وقوام البراز ووضعية الجسد ومستوى الوعي وسرعة النبض، وأن يتابعوا تطور هذه العلامات يومًا بعد يوم بدلًا من الاكتفاء بلمحة واحدة.

من هذا المنهج وُلدت فكرة التكهن بمسار المرض، وهو ما يُعرف في المصطلح الطبي الحديث بالإنذار أو البروجنوسيس، وهي مفردة يونانية الأصل. فالطبيب الجيد لا يقول فقط ماذا أصاب المريض، بل يقول أيضًا إلى أين يسير هذا المرض وما المآل المتوقع له.

ومن أبرز ما خلّفه هذا المنهج وصف أبقراط لما يُعرف اليوم بـ"الوجه الأبقراطي"، وهو جملة من التغيرات التي تطرأ على ملامح المريض المحتضر: انخماص الخدين، وانكماش الأنف، وانطفاء البريق في العينين، وشحوب الجبهة، وبرود أطراف الأذنين. وصفٌ دقيق لا يزال يُدرَّس في كليات الطب حتى الآن.

الكتاب الأبقراطي
تُنسب إلى أبقراط مجموعة ضخمة من النصوص الطبية تُعرف بـ"المجموعة الأبقراطية" أو الكوربوس الأبقراطي، وتضم ما يزيد على ستين كتابًا ورسالة. لكن الدراسات النقدية الحديثة تكاد تُجمع على أن أبقراط نفسه لم يكتب سوى قسم صغير منها، بل ربما لم يكتب شيئًا بيده على الإطلاق، وأن هذه النصوص كُتبت على مدى قرونٍ من قِبَل تلاميذه وتلاميذ تلاميذه، ثم جُمعت في مكتبة الإسكندرية ووُضع اسم الأستاذ الأكبر فوقها كلها.

ومن أشهر هذه النصوص رسالة "الهواء والماء والأماكن" التي تُرسي أسس الطب البيئي، إذ تربط بين الصحة والمناخ وطبيعة التضاريس ومصادر المياه، وتُقدّم فارقًا طريفًا بين سكان الأماكن الموجّهة نحو الشمس وسكان الأماكن المظلمة في ما يخص مزاجهم وسلامتهم. وهناك رسالة "الأوبئة" التي تحتوي على حالات سريرية موثّقة بأسماء المرضى وأماكنهم وتسلسل أعراضهم، وهي من أقدم السجلات الطبية الموثّقة في التاريخ. وهناك "فُصول أبقراط" وهي جمل قصيرة مكثّفة من أمثال "الحياة قصيرة والفن طويل والوقت ضيق والتجربة خطرة والحكم صعب"، كما أن "القسم الأبقراطي" هو الأشهر في التراث الطبي الإنساني كله.

القسم الأبقراطي
يقف القسم الأبقراطي في تاريخ الحضارة الإنسانية شامخًا بوصفه أول وثيقة أخلاقية مهنية منظّمة تُلزم صاحبها بواجبات تجاه مريضه وزملائه والمجتمع. يُقسم الطبيب في هذا النص بأبولو وأسكليبيوس وصحة وبانصيا إلهات الطب والشفاء، ويتعهد بألا يُعطي سمًا لمن يطلبه وإن كان لمريض ميؤوس منه، وبألا يُساعد أحدًا على الإجهاض، وبألا يُسيء استخدام موضع الثقة الذي يتيحه له دخول بيت المريض، وبحفظ سر المريض مهما كلّف ذلك، وبألا يُجري عمليات يتجاوز فيها حدود مهارته.

هذا النص كُتب قبل نحو خمسة وعشرين قرنًا، لكنه يُلقي بظله على قسم الطب الذي يؤديه كل طبيب في كل بلد اليوم. وتبقى مبادئه الجوهرية حاضرة في الأخلاقيات الطبية الحديثة: أولًا لا تضر، واحترم سرية المريض، ولا تتجاوز حدود كفاءتك.

موقفه من الصرع
ولعل أجرأ ما أنتجته المدرسة الأبقراطية كتابةً هو رسالة "المرض المقدس" المكرّسة للصرع. كان الإغريق ومعظم الحضارات القديمة يُسمّون الصرع "المرض المقدس" لاعتقادهم أنه تلبّس إلهي أو مسّ شيطاني. جاء النص الأبقراطي ليقلب هذا الفهم من جذوره، مُعلنًا بجرأة نادرة أن هذا المرض ليس أقدس من غيره ولا أكثر إلهية، وأن له أسبابًا طبيعية كسائر الأمراض، وأن الكهنة الذين يدّعون شفاءه بالطقوس إنما يستغلون جهل الناس ويُمارسون ضربًا من النصب والضلال.

ثم ذهب الكاتب ليقترح أن مركز الصرع هو الدماغ لا القلب كما كان شائعًا، وهو استنتاج سبق عصره بأكثر من ألفَي عام.

الجراحة والتشريح
لم يكن أبقراط جرّاحًا بالمعنى الحديث، وكانت الجراحة في عصره محدودة ومرتبطة بالمخاطر الهائلة الناجمة عن انعدام المعقّمات. مع ذلك تضم المجموعة الأبقراطية نصوصًا جراحية دقيقة تتعلق بعلاج كسور العظام وخلع المفاصل وتصريف الخراجات وتجبير الأطراف، وكان مبدأه الجراحي ينبع من المبدأ العام ذاته: أعِن الطبيعة، ولا تتدخل إلا حين يكون التدخل أجدى من تركها تعمل وحدها.

أما التشريح فكان في عهده محظورًا دينيًا، وهو ما جعل معلوماته التشريحية تعتمد على ما يُشاهَد من الجراحات ومن مقارنة جسم الإنسان بأجساد الحيوانات.

تلاميذه وامتداد التراث
امتد تأثير أبقراط عبر سلسلة طويلة من التلاميذ والشارحين. جاء جالينوس في القرن الثاني الميلادي ليُعيد ترتيب الطب الأبقراطي ويُوسّع نظرية الأخلاط ويُبني فوق أسسه بنيانًا عملاقًا هيمن على الطب لقرون. ثم جاء الإسلام ليحمل هذا التراث بعيدًا، فنقل حنين بن إسحق وغيره من المترجمين نصوص أبقراط وجالينوس إلى العربية في القرن التاسع الميلادي، وصار "بقراط" — كما سمّاه العرب — مرجعًا أساسيًا في المدارس الطبية الإسلامية. ابن سينا في قانونه الطبي الضخم يستشهد بأبقراط مرارًا وبنى كثيرًا من أسسه على الأرضية الأبقراطية.

ما الذي بقي؟
بقي من أبقراط شيئان جوهريان لا تمحوهما قرون. الأول هو المبدأ الذي يختصره الطلاب الطبيون اليوم بعبارة لاتينية مأثورة تعني "أولًا لا تضرّ"، وهو المبدأ الذي يجعل الامتناع عن الفعل أحيانًا فضيلة طبية لا تقصيرًا. والثاني هو منهج الملاحظة المنضبطة المنبثق من اليقين بأن المرض ظاهرة طبيعية لها أسباب طبيعية قابلة للدراسة، وهو المنهج الذي كسر سلطة الكهنة على الجسد البشري إلى الأبد ومهّد الطريق لكل ما جاء بعده من طب تجريبي وعلم حديث.



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:53 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.