احصائيات

الردود
0

المشاهدات
27
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,845

+التقييم
0.67

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
يوم أمس, 06:22 AM
المشاركة 1
يوم أمس, 06:22 AM
المشاركة 1
افتراضي ستر الناس وحفظ كرامتهم
بسم الله الرحمن الرحيم






من مكارم الأخلاق التي تدل على طيب الأصل وحسن التربية وكمال المروءة أن يحفظ الإنسان كرامة الآخرين، ويستر عيوبهم، ويصون أسرارهم، ولا ينقل مواقفهم المحرجة أو ظروفهم الخاصة إلى الناس. فالإنسان، مهما بلغت مكانته أو علمه أو ماله، يمر في حياته بأحوال مختلفة؛ فقد يخطئ دون قصد، أو يتعرض لموقف محرج، أو يعجز عن أمر كان يظن أنه يستطيع فعله، أو تضيق به ظروف الحياة، أو يحتاج إلى مساعدة لا يحب أن يعلم بها أحد. وهذه أحوال بشرية لا يسلم منها أحد، ولا ينبغي أن تتحول إلى مادة للحديث أو وسيلة للانتقاص من أصحابها.

إن من الخطأ أن يظن الإنسان أن كل ما يراه يحق له نقله، أو أن كل معلومة يعرفها عن غيره ينبغي أن يشاركها. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل حقيقة يصح نشرها لمجرد أنها حقيقة. فقد ينقل الإنسان موقفًا حدث بالفعل، أو يذكر حاجة شخص أو ضائقته المالية، أو يتحدث عن خطأ غير مقصود، وهو يظن أنه لم يفعل شيئًا خاطئًا ما دام صادقًا، لكنه يغفل عن أن صدق المعلومة لا يجعل نقلها جائزًا في جميع الأحوال، وأن الكلام الصحيح قد يتحول إلى غيبة وإساءة إذا كان مما يكره الشخص أن يُذكر به، ولم توجد حاجة معتبرة لذكره.

وقد حث الإسلام على الستر، وجعل له أجرًا عظيمًا، فقال رسول الله ﷺ: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة» رواه مسلم. فالستر ليس مجرد الامتناع عن فضح الذنوب، بل هو من حسن التعامل مع الناس، ومراعاة أحوالهم، وعدم استغلال ما نعرفه عنهم في إيذائهم. ومن كمال المروءة أن يعرف الإنسان عن أخيه أمرًا يحرجه فيحفظه، وأن يشاهد منه موقفًا عابرًا فيتركه يمضي دون أن يعيده إلى الواجهة.

وبيّن النبي ﷺ خطورة الحديث عن الآخرين بما يكرهون، فقال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره»، ثم بيّن أن ذكر الإنسان بما هو فيه غيبة، وإن لم يكن فيه فهو بهتان. رواه مسلم. فليس شرطًا أن يكون الكلام كذبًا حتى يكون مؤذيًا؛ فقد يكون الخبر صحيحًا، لكن لا حاجة إلى نقله، ولا يترتب عليه إلا إحراج صاحبه.

ولا يقتصر الستر على العيوب والأخطاء وحدها، بل يشمل حاجات الناس وظروفهم الخاصة. فقد يضطر إنسان إلى الاستدانة لقضاء حاجة ضرورية، أو يطلب مساعدة مالية لتسديد إيجار مسكنه، أو لتوفير العلاج لأحد أفراد أسرته، أو لتأمين احتياجات بيته. وقد يقبل المساعدة من قريب أو صديق لأنه وثق به. وليس معنى ذلك أنه تنازل عن خصوصيته أو سمح بأن تصبح حاجته معروفة لكل من حوله.

إن نقل حاجة المحتاج إلى الآخرين، أو الحديث عن ديونه، أو ذكر المبالغ التي استدانها، أو تعداد ما قُدّم له من مساعدات، قد يسبب له حرجًا شديدًا، حتى لو لم يقصد الناقل الإساءة. وقد يقع ذلك عندما يتحدث شخص عن إحسانه إلى غيره، فيذكر اسمه وحاجته وتفاصيل ظروفه، ظنًا منه أن الحديث عن المساعدة أمر محمود، بينما يغيب عنه أن الإحسان لا ينبغي أن يكون سببًا في كشف خصوصية المحتاج.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264]. ففي هذه الآية تحذير من إتباع الصدقة بالمنّ والأذى، وتذكير بأن الإحسان ينبغي أن يبقى إحسانًا، لا أن يتحول إلى وسيلة لإحراج من تلقاه. فليس من الضروري أن يعرف الآخرون من ساعدت، ولا من احتاج إليك، ولا ما الذي اضطره إلى طلب العون. وقد يكون أعظم الإحسان أن تعطي دون أن تجرح، وأن تساعد دون أن تمنّ، وأن تقضي حاجة إنسان ثم تتركه محتفظًا بكرامته.

ستر خصوصيات البيوت وحفظ كرامة أهلها
من مكارم الأخلاق أن يحفظ الإنسان خصوصيات البيوت وأسرار أهلها، وألا يجعل ما يراه أثناء الزيارة مادة للحديث أو المقارنة أو السخرية. فمن يدخل بيت غيره ضيفًا، فإنما يُستقبل إكرامًا وثقة، وليس من الوفاء أن يخرج لينقل تفاصيل حياة أهله أو يتحدث عن أثاثهم أو بساطة منزلهم أو ما لاحظه من نواقص.

فقد تكون وراء بساطة المنزل أو عدم ترتيبه ظروف مالية أو صحية أو أمور طارئة لا يعلمها الزائر. وقد يطّلع على موقف عائلي أو يسمع حديثًا خاصًا، فينبغي له أن يحفظه ولا يحوّله إلى خبر يتناقله الناس؛ فليس كل ما نراه يستحق الحديث، وليس كل ما نعرفه ينبغي أن يُقال.

قال رسول الله ﷺ: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره» رواه مسلم. ومن حفظ الأخوة ألا ينتقص الإنسان من غيره بسبب قلة ماله أو بساطة منزله، وألا يستغل ما اطّلع عليه من خصوصياته لإحراجه أو السخرية منه.

وتشمل هذه الأمانة كل من يدخل بيتًا بحكم القرابة أو الصداقة أو العمل، كما تشمل الصور والمقاطع التي قد تكشف تفاصيل الحياة الخاصة. فلا ينبغي تصوير بيوت الآخرين أو نشر خصوصياتهم دون إذنهم، أو نقل ما قد يسيء إليهم بحجة المزاح أو أن الكلام صحيح.

ومن حسن الخلق أن يسأل الإنسان نفسه قبل نقل ما شاهده: هل هناك فائدة من الحديث عنه؟ وهل أرضى أن يتحدث الناس عن بيتي وأهلي بالطريقة نفسها؟ فاحترام خصوصيات الآخرين يعزز الثقة والمودة، بينما نقل عيوبهم يسبب الحرج ويضعف العلاقات.

فليس من المروءة أن يفتح لك إنسان باب بيته إكرامًا، فتقابله بنقل عيوب منزله، أو يأتمنك على خصوصياته فتجعلها حديثًا للمجالس. احفظ للناس كرامتهم في حضورهم وغيابهم، وادخل بيوتهم ضيفًا، واخرج منها أمينًا على أسرارها.

نسأل الله أن يسترنا في الدنيا والآخرة، وأن يحفظ ألسنتنا عن أذى الناس، ويرزقنا حسن الخلق وسلامة الصدر، وأن يجعلنا ممن يحفظون كرامة الآخرين وأسرار بيوتهم، ويعينون الناس على تجاوز ظروفهم دون منّ أو أذى.



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:17 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.