احصائيات

الردود
0

المشاهدات
330
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

أ محمد احمد is on a distinguished road

    موجود

المشاركات
2,762

+التقييم
0.66

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
08-24-2026, 03:10 AM
المشاركة 1
08-24-2026, 03:10 AM
المشاركة 1
افتراضي الحصاد الحديدي
بسم الله الرحمن الرحيم









في ربيع كل عام، حين يخرج مزارعو الفلاندرز البلجيكية وشمال فرنسا لحرث حقولهم استعداداً للموسم الزراعي، لا تكون البطاطا والقمح هي المحصول الوحيد الذي تخرجه الأرض. فمعاول الحرث وآلات الجرارات الحديثة لا تزال، بعد أكثر من قرن على انتهاء الحرب العالمية الأولى، تصطدم بقذائف صدئة ورؤوس متفجرة وأسلاك شائكة وشظايا معدنية دُفنت في الطين منذ عام 1918 ولم تخرج إلى النور بعد. هذه الظاهرة، التي يطلق عليها الفرنسيون "الحصاد الحديدي" (Iron Harvest)، تحوّلت من مجرد أثر عابر للحرب إلى طقس سنوي متكرر لا يبدو أن له نهاية منظورة.

جذور الظاهرة
بين عامي 1914 و1918، أُطلق على طول الجبهة الغربية ما يُقدَّر بمليار ونصف مليار قذيفة مدفعية. في بعض القطاعات الأكثر ضراوة، مثل محيط معركة فردان، وصلت كثافة القصف إلى معدلات مرعبة، حيث سقط طن واحد من المتفجرات على كل متر مربع من الأرض.

المشكلة أن نسبة كبيرة من هذه القذائف لم تنفجر عند إطلاقها. التقديرات تتفاوت، لكن أغلبها يشير إلى أن ما بين ربع وثلث القذائف كانت معيبة، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى نسبة أعلى تصل إلى ثلاثين بالمئة، بسبب عيوب التصنيع أو الصمامات الفاسدة أو طبيعة التربة التي دفنتها عميقاً تحت الأرض. وحدها منطقة "نتوء ييبر" (Ypres Salient) شهدت إطلاق ما يقارب 300 مليون قذيفة فاسدة بين القوات البريطانية والألمانية، ولم يُستَرجع معظمها بعد.

السبب الرئيسي في بقاء هذا الكم الهائل تحت الأرض لهذه المدة الطويلة يعود إلى طبيعة حرب الخنادق نفسها. الأرض الطينية الرطبة في فلاندرز، التي تحوّلت إلى مستنقعات موحلة تحت وطأة القصف المستمر، ابتلعت القذائف الفاسدة فور سقوطها، فغاصت عميقاً في الطين بدلاً من أن تبقى على السطح. ومع مرور الزمن، أعادت عمليات الحرث والبناء والعمليات الطبيعية دفع هذه البقايا الصدئة نحو السطح مجدداً.

كيف يبدو الحصاد اليوم
على طول الحدود القديمة بين بلجيكا وفرنسا، أُنشئت منظومة كاملة للتعامل مع هذا الإرث المتفجر. في بلجيكا، تتولى وحدة "DOVO" التابعة للجيش هذه المهمة، بينما تقوم بالدور ذاته في فرنسا إدارة "Département du Déminage" (مصلحة إزالة الألغام). حين يعثر المزارع على قذيفة أو شظية أثناء الحرث، فإن الإجراء المعتاد هو تركها بحذر عند حافة الحقل أو بجوار أعمدة الهاتف، بانتظار مرور فرق التفكيك التي تجمعها دورياً لنقلها إلى مراكز متخصصة للتدمير الآمن، أبرزها منشأة بولكابيله في بلجيكا.

الأرقام السنوية لهذا الحصاد ضخمة ومستمرة. فبينما تجمع الفرق البلجيكية سنوياً ما يزيد عن 150 طناً متريّاً من الذخائر غير المنفجرة، تصل التقديرات الفرنسية إلى ما يقارب 900 طن سنوياً. وقد شهدت بعض السنوات أرقاماً متفاوتة بحسب موسم الحرث وحجم أعمال البناء والتنقيب في المنطقة، إذ سجّلت وحدة DOVO في عام 2019 وحده تفكيك أكثر من 200 طن من الذخائر.

خطر لا يخفت بمرور الوقت
قد يظن كثيرون أن قذيفة عمرها أكثر من مئة عام، متآكلة بفعل الصدأ والرطوبة، لم تعد تشكّل خطراً حقيقياً. لكن الواقع مغاير تماماً. فبحسب مسؤولين في وحدة إزالة الألغام البلجيكية، فإن معظم الذخائر التي يُعثر عليها اليوم لا تزال في حالة تشغيلية كاملة رغم مظهرها الصدئ، إذ إن المظهر الخارجي خدّاع تماماً.

الخطر لا يقتصر على الانفجار الميكانيكي فحسب. نسبة معتبرة من هذه الذخائر، تتراوح تقديراتها بين 10 و15 بالمئة، تحتوي على حمولات كيميائية سامة، من بينها غاز الخردل والفوسجين والزرنيخ والفوسفور الأبيض. وبما أن الأغلفة المعدنية لهذه القذائف تتآكل تدريجياً مع الزمن، فإن كثيراً منها بات معرضاً لخطر التسرب الفعلي للغازات السامة، ويتركز القلق بشكل خاص على مخلفات نحو 66 مليون قذيفة كانت تحتوي أصلاً على هذه المواد.

أما الحصيلة البشرية لهذا الإرث المتفجر، فرغم تراجعها الكبير مقارنة بالعقود الأولى بعد الحرب، فإنها لا تزال مستمرة حتى اليوم. فمنذ نهاية الحرب العالمية الأولى، قُتل أكثر من ألف شخص جراء انفجار هذه الذخائر على امتداد الجبهة الغربية القديمة، وهو رقم يعادل تقريباً عديد كتيبة عسكرية كاملة. حتى العاملون في نزع الألغام أنفسهم لم يسلموا من هذا الخطر، إذ فقدت الوحدات البلجيكية والفرنسية العشرات من كوادرها منذ نهاية الحرب، مع تقديرات غير مؤكدة تصل بعدد الضحايا بين الوحدات الفرنسية إلى ما يقارب الأربعمئة.

منطقة "زون روج": حين تُقفل الأرض نهائياً
في فرنسا، ذهبت السلطات إلى ما هو أبعد من مجرد الحصاد الدوري. فبعد انتهاء الحرب مباشرة، حدّدت الحكومة الفرنسية مساحات شاسعة من الأراضي التي تعرضت لأشد أنواع الدمار، وأعلنتها "منطقة حمراء" (Zone Rouge) محظورة على السكن والزراعة والبناء بشكل دائم تقريباً. تسعة قرى فرنسية بأكملها اختفت من الخريطة نهائياً، ولم تُعَد للحياة قط، وباتت تُعرف باسم "القرى التي ماتت من أجل فرنسا"، حيث لا يبقى من وجودها سوى لافتات صغيرة تشير إلى مواقع شوارعها ومبانيها السابقة.

ورغم مرور أكثر من قرن، تشير دراسة أُجريت بين عامي 2005 و2006 إلى أن أسوأ مناطق هذه المنطقة الحمراء لا تزال تحتوي على نحو 120 قذيفة غير منفجرة في كل فدان من الطبقة السطحية للتربة وحدها، بعمق لا يتجاوز خمسة عشر سنتيمتراً.

متى تنتهي هذه الحرب؟
هذا هو السؤال الذي لا يملك أحد إجابة قاطعة عليه. فبعد الحرب العالمية الأولى مباشرة، ساد اعتقاد بأن عملية التطهير الكامل ستكتمل خلال عقود قليلة. لكن الواقع كذّب هذا التفاؤل بشكل صارخ. أحد ضباط وحدة DOVO صرّح مؤخراً بأنه بعد الحرب العالمية الأولى، ساد اعتقاد بأن المهمة ستنتهي بحلول عام 2025، لكن العمل لا يزال مستمراً حتى اليوم، مشيراً إلى أن دولاً أخرى مثل كمبوديا ولاوس وفيتنام وأفغانستان تواجه المعضلة ذاتها مع ذخائر حروبها الخاصة.

بعض التقديرات المتخصصة أكثر تشاؤماً بكثير، إذ تشير إلى أن جهود إزالة الذخائر وتطهير الأرض، المستمرة منذ نهاية الحرب مباشرة، يُتوقع أن تستمر لقرن آخر على الأقل. بل إن بعض التقديرات الأكثر تشاؤماً ترفع هذا الرقم إلى خمسة قرون كاملة قبل أن تصبح الجبهة الغربية القديمة خالية تماماً من هذا الإرث المتفجر.

ما يجعل الحصاد الحديدي حالة استثنائية في تاريخ الحروب ليس فقط ضخامة الكمية المتبقية تحت الأرض، بل كونه تذكيراً حياً بأن الحروب لا تنتهي فعلياً بتوقيع الهدنة أو معاهدة السلام. فبعد أكثر من قرن كامل، لا تزال أرض فلاندرز وشمال فرنسا تحمل في باطنها حرباً كامنة، تنتظر فأس محراث أو جرافة بناء لتوقظها من سباتها الطويل.



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: الحصاد الحديدي
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
المدخل إلى التربية الخاصة - جمال الخطيب ومنى الحديدي د. عبد الفتاح أفكوح منبر رواق الكُتب. 0 05-28-2014 03:05 PM
فلننتظر موسم الحصاد جيداء عبد الرحمن منبر البوح الهادئ 15 06-30-2011 07:43 PM

الساعة الآن 06:33 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.