احصائيات

الردود
0

المشاهدات
21
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

اوسمتي


أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,599

+التقييم
0.63

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
اليوم, 06:06 AM
المشاركة 1
اليوم, 06:06 AM
المشاركة 1
افتراضي مارثا
بسم الله الرحمن الرحيم




نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

مارثا في قفصها، عام 1912



مارثا (حوالي 1885 – 1 سبتمبر 1914) كانت حمامةً مهاجرة، وآخر فرد معروف من نوعها؛ وقد سُمّيت "مارثا" تكريمًا لـ Martha Washington، السيدة الأولى للولايات المتحدة من عام 1789 إلى 1797.

في الأول من سبتمبر عام 1914، عُثر على حمامة مسنّة ميتة على أرض قفصها في حديقة حيوان سينسيناتي بولاية أوهايو الأمريكية. لم يكن موتها حدثًا عاديًا، بل كان إعلانًا بانقراض نوع بأكمله من على وجه الأرض. كان اسمها مارثا، وكانت آخر فرد حيّ من نوع الحمام الراحل (Ectopistes migratorius)، ذلك الطائر الذي كان يُعدّ في يوم من الأيام الأوفر عددًا في تاريخ طيور القارة الأمريكية. وقصتها ليست قصة طائر وحسب، بل هي شاهد على ما يمكن أن يُفضي إليه الاستغلال المفرط للطبيعة حين يغيب التدبير.

الحمام الراحل
قبل أن تُفهم قصة مارثا في سياقها الحقيقي، لا بدّ من الوقوف أمام صورة هذا النوع في أيام مجده. كان الحمام الراحل يسكن الغابات الشاسعة في شرق أمريكا الشمالية، من كندا جنوبًا حتى خليج المكسيك، وكانت أعداده تتراوح — وفق التقديرات العلمية الحديثة — بين ثلاثة مليارات وخمسة مليارات طائر. رقم يبدو خياليًا، غير أن شهادات المستكشفين والطبيعيين من القرن التاسع عشر تؤكده وتزيد عليه.

وصف العالم الطبيعي الأمريكي الشهير جون جيمس أودوبون عام 1813 سربًا مهاجرًا مرّ فوق رأسه فأظلم السماء لساعات متواصلة، وأفاد بأنه ظل يعدّ الأسراب المتتابعة بالنقاط على ورقته حتى تعب، فلم يُحصِها. وكانت أسراب الحمام الراحل تبلغ من الكثافة حدًّا يحجب ضوء الشمس في وضح النهار، وتُحدث بأجنحتها صوتًا يشبه قصف الرعد حين تحلّق. وفي مواسم التعشيش، كانت مستعمرة واحدة قادرة على استيطان مساحة بلغت في عام 1871 نحو ثمانمائة وخمسين ميلًا مربعًا من غابات ولاية ويسكونسن، تضمّ وحدها ما يزيد على مئة وستة وثلاثين مليون طائر بالغ.

كان الحمام الراحل طائرًا متوسط الحجم، أجمل وأضخم من الحمام الحداديّ الشائع اليوم، يتميز الذكر منه بريش صدره الأحمر القرميدي الدافئ وظهره الرمادي المزرق اللامع، فيما كانت الأنثى أكثر هدوءًا في ألوانها. كان يعيش حياة اجتماعية بالغة التعقيد، لا يتكاثر ولا ينجح في التفريخ إلا حين تتجمع الأعداد الهائلة معًا؛ وهذه السمة الاجتماعية العميقة ستكون، فيما بعد، أحد الأسباب التي عجّلت بانهياره.

صعود الاصطياد التجاري وبداية الانهيار
حتى منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا، كانت أعداد الحمام الراحل لا تزال هائلة إلى حد أن أحدًا لم يتصوّر أن هذا الجمع الذي يسدّ الأفق يمكن أن يتقلص. غير أن جملةً من التحولات الكبرى بدأت تشق طريقها في الوقت ذاته.


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

مارثا بعد سلخ جلدها


أولًا: تطور تقنيات الاصطياد
مع مدّ خطوط السكك الحديدية عبر القارة في الفترة الممتدة بين عامَي 1850 و1870، بات بمقدور صيادي الحمام التجاريين تتبّع مواقع التعشيش بسرعة قياسية، والانتقال من ولاية إلى أخرى، ثم شحن الطيور المصطادة مبردةً إلى المدن الكبرى كنيويورك وشيكاغو حيث كان يُباع لحم الحمام الراحل بأثمان زهيدة، ليصبح طعام الطبقات الفقيرة والعمال في المصانع. بل إن السكك الحديدية بُنيت في بعض المناطق أساسًا من أجل نقل الطيور المذبوحة.

ثانيًا: أساليب الصيد الجماعي
تحوّل الاصطياد إلى صناعة منظمة. كان الصيادون يُشعلون الحرائق أسفل أشجار التعشيش فتتساقط الطيور مذهولةً، أو يُطلقون الدخان ليُغشى الطيور، أو يستخدمون أسلوبًا بارعًا يقوم على ربط حمامة حية بوتد في الأرض لتحريك جناحيها باستمرار، فتظن أسراب الطيور المارة أنها حمامةٌ وجدت طعامًا وتهبط عليها بأعداد تُحصد بالشباك. آلاف الرجال أصبحوا صيادي حمام محترفين.

وتشير السجلات إلى أن مستعمرة تعشيش واحدة في ميشيغان عام 1878 أُعدم فيها خلال بضعة أشهر ما يزيد على مليار طائر.

ثالثًا: تدمير الغابات
في الوقت ذاته الذي كانت فيه البنادق تزأر في المستعمرات، كانت فؤوس المستوطنين تُسقط الغابات بمعدل مذهل. الحمام الراحل طائرٌ مرتبط ارتباطًا وثيقًا ببذور أشجار بعينها كالبلوط والكستناء والصنوبر؛ فحين أُزيلت الغابات لإفساح المجال للزراعة، ذهبت معها مصادر الغذاء والمأوى.


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الجلد المحنّط لمارثا عام 1921


الانهيار الحرّ
كان انهيار أعداد الحمام الراحل انهيارًا سريعًا بصورة مرعبة، إذ وقع معظمه في غضون أربعين سنة فحسب. في سبعينيات القرن التاسع عشر، كانت الأسراب لا تزال تُعدّ بمئات الملايين. بحلول ثمانينياته، غدت الأسراب الكبيرة نادرة. وفي تسعينياته، لم تعد ثمة أسراب في الحقيقة، بل مجموعات صغيرة ومتفرقة يُطارَد كل فرد فيها بشوق كما لو أنه كنز نادر. آخر حمامة برية معروفة أُطلق عليها النار وأُسقطت عام 1900 في ولاية أوهايو.

فسّر العلماء هذا الانهيار الحرّ بظاهرة بيولوجية مهمة: أثر ألي (Allee Effect)، وهو ما يعني أن كثيرًا من الأنواع الاجتماعية تعتمد بصورة جوهرية على الكثافة العددية للبقاء والتكاثر. الحمام الراحل لم يكن يتكاثر بفاعلية إلا حين تتجاوز المستعمرة أعدادًا هائلة معينة؛ فحين انكسرت هذه المستعمرات الكبرى، توقفت الطيور عن التفريخ الناجح، وأخذ النوع يُجهز على نفسه بيولوجيًا حتى قبل أن تنتهي البنادق منه.


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

جلد مارثا المُعدَّل للعرض عام 2015


مارثا من المهد إلى الأسر
وُلدت مارثا في الأسر في حوالي عام 1885، في أقفاص البروفيسور تشارلز أوتيس ويتمان من جامعة شيكاغو، الذي كان يحتفظ بعدد من طيور الحمام الراحل لأغراض البحث العلمي في سلوك الحيوان. كانت مارثا إحدى نتاج تلك الطيور المستأسرة، وسُميت تيمنًا بـمارثا واشنطن، زوجة أول رئيس للولايات المتحدة.

مع إطلالة القرن العشرين، انتقلت مارثا ورفيقان لها من الذكور إلى حديقة حيوان سينسيناتي، التي كانت تُدرك أنها تحتضن ربما آخر أفراد هذا النوع على وجه الأرض. مات أحد الذكرين في أبريل 1909، ومات الأخير في يوليو 1910، فأصبحت مارثا وحيدةً — لا ترافقها من جنسها روح واحدة في العالم كله.

غدت وحدتها شهرةً لا يستهان بها. تدفّق الزوار من كل مكان لرؤية آخر الحمام الراحل. وعُرض مكافأة مالية قدرها ألف دولار لمن يجد لها ذكرًا آخر من جنسها، فلم يجد أحد.

كانت تعاني في أواخر حياتها من ارتجاف يدلّ على احتمال إصابتها بسكتة دماغية، فقلّصت إدارة الحديقة ارتفاع جثته لتيسّر عليها الوصول إليه إذ عجزت عن بلوغ جثتها القديمة. كانت تتحرك ببطء شديد، وبعض زوارها كانوا يرمون الرمل عليها لإجبارها على التحرك كي يشهدوا حيوية ما — في سلوك يكشف عن خفة لا تليق بما يمثله الطائر.

اللحظة الأخيرة
في الأول من سبتمبر عام 1914، في ساعة الواحدة ظهرًا تحديدًا، عُثر على مارثا ميتة على أرض قفصها. أُجريت لها أول وآخر عملية تشريح علمي، وكتب العالم الذي قام بها وصفًا أكاديميًا جافًا، حتى إذا وصل إلى القلب توقف عن الحياد وقال بلغة يتسرب إليها الحزن: "آثرت ألا أُتابع تشريح القلب، مفضّلًا أن يُحفظ كاملًا — ربما تأثرت بدوافع عاطفية، إذ هو قلب آخر حمامة زرقاء ستراها الدنيا حية. بآخر نبضة منه، غدا نوعٌ آخر منقرضًا إلى الأبد."

جُمِّد جسدها فورًا في كتلة من الثلج وأُرسل إلى معهد سميثسونيان في واشنطن، حيث خُصص لها حنوطٌ ثم عُرضت في قاعة الطيور لعقود طويلة. وهي محفوظة في المعهد حتى اليوم، شاهدةً صامتة على لحظة لا تتكرر.

الأثر على حركة الحفاظ على البيئة
أحدثت وفاة مارثا صدمةً لم يتوقعها كثيرون، رغم أن الجميع كانوا يعلمون أن النهاية تقترب. كانت المفارقة أن النوع نفسه الذي بلغت أعداده مليارات، والذي كانت أسرابه تُعتم السماء، لم يحتَج إلا لأقل من نصف قرن ليُمحى تمامًا. الزوال جاء سريعًا وصامتًا حتى كاد لا يُصدَّق.

أفضى انقراض الحمام الراحل إلى تحريك أول موجة تشريعية حقيقية لحماية الطيور في الولايات المتحدة. ففي عام 1900، أُقر قانون لاسي الفيدرالي الذي حظر نقل الصيد غير المشروع بين الولايات. ثم تبعته سلسلة من القوانين توّجت بـقانون معاهدة الطيور المهاجرة عام 1918.



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 8 ( الأعضاء 0 والزوار 8)
 

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:12 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.