احصائيات

الردود
0

المشاهدات
12
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

اوسمتي


أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,584

+التقييم
0.63

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
اليوم, 04:38 AM
المشاركة 1
اليوم, 04:38 AM
المشاركة 1
افتراضي المذنب أومواموا
بسم الله الرحمن الرحيم






نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة



في التاسع عشر من أكتوبر عام 2017، كان العالم الكندي روبرت ويريك يراجع بشكل اعتيادي الصور الفلكية الواردة من تلسكوب بان-ستارز — وهو تلسكوب صُمِّم أصلاً لرصد الكويكبات التي قد تقترب من الأرض وتُشكّل خطراً عليها، لا للبحث عن أجرام نجمية.

حين لاحظ ويريك نقطة ضوء خافتة تتحرك بسرعة لافتة عبر خلفية النجوم، لم يُعرها في البداية اهتماماً استثنائياً. لكن حين أجرى حسابات المسار، توقّف. لم يكن هذا الجِرم ينتمي إلى مجموعتنا الشمسية. لقد جاء من مكان آخر تماماً.

كان ذلك اليوم تاريخياً بكل معنى الكلمة، إذ رصد البشر للمرة الأولى في تاريخهم جِرماً فضائياً مؤكَّداً قدومه من خارج نظامنا الشمسي، وكان الجِرم آنذاك يبعد عن الأرض نحو 30 مليون كيلومتر، أي ما يعادل نحو خُمس المسافة بين الأرض والشمس. أُطلق عليه رسمياً التسمية 1I/2017 U1، وشُهر باسمه الهاوايي أومواموا — وهي كلمة مستمدة من لغة سكان هاواي الأصليين وتعني "المستكشف أو الرسول المُرسَل من الماضي البعيد ليصل إلينا".

رحلة بدأت قبل ملايين السنين
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن أومواموا دخل مجموعتنا الشمسية عام 2017، إذ ذلك العام هو عام رصده فحسب لا عام وصوله. فقبل مئة عام كان الجِرم يقع على بُعد نحو 559 وحدة فلكية من الشمس — أي نحو 84 مليار كيلومتر — مسافراً بسرعته البينجمية الثابتة. وقد سبح في الفضاء البينجمي المظلم لملايين السنين بعيداً عن أي نجم يدفئه، قادماً من اتجاه نجم النسر الواقع في كوكبة القيثارة (Lyra)، قبل أن تسحبه جاذبية الشمس تدريجياً إلى داخل مجموعتنا.

المسار الكامل خطوة بخطوة
دخل أومواموا المجموعة الشمسية من فوق مستوى مسار الشمس، وأخذت جاذبية الشمس تُسرّعه تدريجياً كلما اقترب. وفي السادس من سبتمبر 2017 مرّ تحت مستوى مسار الشمس منعطفاً بحدّة نحو أقرب نقطة له منها. وفي التاسع من سبتمبر 2017 بلغ نقطة الحضيض — أي أقرب نقطة له من الشمس — على مسافة 0.255 وحدة فلكية منها، أي نحو 38 مليون كيلومتر، وهو ما يجعله أقرب من حضيض كوكب عطارد بنحو 17%.

وفي الرابع عشر من أكتوبر 2017 مرّ تحت مدار الأرض على مسافة نحو 0.16 وحدة فلكية منها، أي ما يعادل 24 مليون كيلومتر تقريباً. وفي السادس عشر من أكتوبر عاد فوق مستوى مسار الشمس، ثم رصده ويريك بعد ثلاثة أيام في التاسع عشر من أكتوبر. وفي السادس والعشرين من أكتوبر عُثر على صورتين سابقتين له في أرشيف مشروع كاتالينا لمسح السماء، مؤرختين بالرابع عشر والسابع عشر من أكتوبر، مما أضاف بيانات قيّمة لحساب مساره بدقة أكبر.

بعد ذلك واصل رحلته مبتعداً: مرّ فوق مدار المريخ في نوفمبر 2017، ثم فوق مدار المشتري في مايو 2018، ثم فوق مدار زحل في يناير 2019، ثم فوق مدار نبتون في عام 2022، متجهاً نحو كوكبة الفرس الأعظم (Pegasus) بزاوية 66 درجة عن أقرب نقطة وصل إليها من الشمس. والمثير أنه رغم هذا الابتعاد التدريجي، يُقدّر العلماء أن الجِرم سيستغرق نحو 20 ألف سنة لمغادرة المجموعة الشمسية تماماً نظراً لامتدادها الهائل.



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

مسار ʻOumuamua زائدي المقطع خلال النظام الشمسي الداخلي



السرعة — ثلاثة أرقام لفهم الصورة كاملة
لأومواموا ثلاث سرعات مختلفة تعكس مراحل رحلته المختلفة. قبل دخول المجموعة الشمسية وبعد مغادرتها كانت سرعته البينجمية الثابتة نحو 26 كيلومتراً في الثانية، أي ما يعادل 93 ألف كيلومتر في الساعة — وهي سرعته الحقيقية الأصيلة.

وحين اقترب من الشمس وتأثّر بجاذبيتها، سرّعت منه تدريجياً حتى بلغت ذروتها عند نقطة الحضيض بنحو 87.7 كيلومتراً في الثانية، أي ما يقارب 316 ألف كيلومتر في الساعة.

وحين رصده ويريك في التاسع عشر من أكتوبر كان قد تباطأ إلى نحو 46 كيلومتراً في الثانية، وسيواصل تباطؤه تدريجياً حتى يستعيد سرعته البينجمية الأصلية البالغة 26.33 كيلومتراً في الثانية بالنسبة للشمس. وللتصوّر، فإن هذه السرعة تكفي للانتقال من الأرض إلى القمر في أقل من ثلاث ساعات.

الشكل الغريب — السيجارة الكونية
حين حلّل العلماء الضوء المنعكس عن أومواموا واجهوا أولى المفاجآت الكبرى. كانت إضاءته تتذبذب بانتظام كل نحو سبع ساعات بفارق حادٍّ جداً بين الحدّين الأقصى والأدنى، مما يكشف أن الجِرم يتدحرج في الفضاء وأن شكله غير كروي — فحين تواجهنا جهته العريضة يبدو أكثر لمعاناً، وحين تواجهنا حافته يكاد يختفي.

من هذه البيانات استنتج العلماء أن أومواموا يشبه إلى حد بعيد السيجارة الضخمة — جسم أسطواني ممتد بصورة استثنائية. وبافتراض أن سطحه يعكس نحو 10% من الضوء كما هو معتاد للأجرام الصخرية، قُدِّر قطره بنحو 160 متراً، فيما يتراوح طوله بين 100 و1000 متر وفق تقديرات مختلفة، بنسبة طول إلى عرض تبلغ نحو 10 إلى 1. ولم يُشاهَد في تاريخ علم الفلك كله جِرم بهذه النسب الشكلية الشاذة.

وقد أظهر قياس الطيف المأخوذ من مرصد وليام هرشل في الخامس والعشرين من أكتوبر أن الجِرم أحمر اللون كأجسام حزام كايبر البعيدة، مما يُشير إلى سطح قديم معرّض لأشعة الكون لزمن طويل جداً.

التصنيف المتغيّر
حين اكتُشف أومواموا أُعطي في البداية التعيين المؤقت C/2017 U1 الخاص بالمذنبات، لأن الأجرام القادمة من خارج المجموعة الشمسية تكون عادةً مذنبات غنية بالجليد. لكن الصور الملتقطة بواسطة المقراب الكبير جداً في الخامس والعشرين من أكتوبر 2017 لم تُظهر أي ذؤابة مذنبية أو غلاف غازي حوله، فأعيد تصنيفه ككويكب وغُيِّرت البادئة إلى A/2017 U1.

وبحلول منتصف نوفمبر، وبعد رصد استمر أربعة وثلاثين يوماً، بات العلماء على يقين تام من طبيعته النجمية، فمنحه الاتحاد الفلكي الدولي التعيين الدائم 1I ليكون أول جِرم في تاريخ الفلك يحمل بادئة "I" الدالة على المنشأ البينجمي.


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

موقع أومواموا في 25 أكتوبر 2017

مسار لا تفسره الجاذبية وحدها
ما أكّد نهائياً أن أومواموا غريب عن مجموعتنا هو انحراف مداره المركزي البالغ 1.20 — وهو أعلى مستوى مرصود على الإطلاق لأي جِرم في مجموعتنا الشمسية. فالانحراف الذي يتجاوز الواحد الصحيح يعني أن الجِرم يسير بسرعة تفوق سرعة الإفلات من جاذبية الشمس، وأنه غير مقيّد بها ولن يعود.

والأهم أن هذا الانحراف الاستثنائي لا يمكن تفسيره بأي لقاء مع كواكب مجموعتنا المعروفة أو حتى غير المكتشفة منها — إذ إن أي كوكب مجهول في أطراف المجموعة سيكون بعيداً عن الشمس ويتحرك ببطء وفق قوانين كبلر، وبالتالي لن يكون قادراً على منح أومواموا هذه السرعة الهائلة.

ولا تفسير لمساره إذن إلا أنه جاء من خارج نظامنا الشمسي تماماً. فضلاً عن ذلك، فإن اتجاه قدومه يبعد 6 درجات فحسب عن النقطة التي تتجه نحوها المجموعة الشمسية في مسيرها عبر المجرة، وهو المسار الأكثر احتمالاً لنهج الأجرام القادمة من الفضاء البينجمي.

اللغز الأعظم — التسارع بلا تفسير
لو توقفت الغرابة عند الشكل والمسار لكان ذلك كافياً، لكن أومواموا فاجأ العلماء بشيء آخر أكثر إرباكاً. حين تتبّعوا مساره بدقة لاحظوا أنه يُسرّع قليلاً وهو يبتعد عن الشمس أكثر مما تفرضه قوانين الجاذبية. هذا النوع من التسارع مألوف في المذنبات، وسببه تبخّر الغازات من سطحها تحت تأثير حرارة الشمس فتعمل كمحرك دافع. لكن أومواموا لم يُطلق أي غاز على الإطلاق — كان صامتاً تماماً ومع ذلك يتسارع — وهنا وقف العلماء أمام معضلة لم تُحسم حتى اليوم.

التفسيرات التي طُرحت
طرح العلماء عدة فرضيات لتفسير هذا التسارع الغامض. الأولى رأت أنه مصنوع من الهيدروجين المتجمد الذي يتبخر بطريقة يصعب رصدها، لكنها اصطدمت بعقبة أن هذه الكتلة ستتبخر بالكامل قبل وصوله إلينا. والثانية اقترحت أنه شظية من سطح جِرم كوكبي مغطى بالنيتروجين الجليدي انفصلت في اصطدام قديم، وهذا النيتروجين يتبخر ببطء يجعل رصده صعباً ويُنتج دفعاً خفياً — ووجد كثيرون في هذه الفرضية الأكثر اتساقاً.

أما الثالثة فكانت الأجرأ، حين استشهد عالم الفلك آفي لوب من جامعة هارفارد بالشكل الممتد غير المعتاد لأومواموا كأحد المسوّغات للتساؤل عما إذا كان جِرماً اصطناعياً من صنع حضارة ذكية — وهو ما دفع تلسكوب جرين بانك في ولاية ويست فيرجينيا إلى رصده في الثالث عشر من ديسمبر 2017 لمدة ست ساعات كاملة عبر أربعة نطاقات من الترددات الراديوية بحثاً عن أي إشارات غير طبيعية. لم يكشف المسح عن أي إشارة لاسلكية من أومواموا، وقد سبق لمصفوفة ألن تيليسكوب التابعة لمعهد SETI أن أجرت رصداً مماثلاً دون نتيجة. وقد رفضت الأغلبية الساحقة من العلماء فرضية المنشأ الاصطناعي، مؤكدين أن الأدلة المتاحة لا تُسوّغ مثل هذا الاستنتاج.

الرحيل الأبدي
بحلول يناير 2018 عجزت حتى أقوى التلسكوبات في العالم — بما فيها تلسكوب هابل الفضائي — عن تتبّعه، وتلاشى إلى القدر الظاهري 21 ثم اختفى نهائياً. واللافت أنه لا توجد صورة حقيقية لأومواموا على الإطلاق — فقد كان صغيراً وبعيداً لدرجة لم يظهر فيها إلا كنقطة ضوء خافتة حتى في أحسن التلسكوبات. كل ما نراه من صور هي رسومات فنية توضيحية أعدّها فنانون بناءً على البيانات العلمية، وليست توثيقاً فوتوغرافياً حقيقياً.

درس أعمق من مجرد اكتشاف
أومواموا لم يُجب على أي سؤال، بل ضاعف الأسئلة وعمّقها. لكنه أثبت أن الفضاء البينجمي ليس فراغاً صامتاً، بل مليء بأجرام تنتقل بين الأنظمة النجمية حاملةً أسرار نشأتها. وإذا كان جِرم واحد من هذا النوع قد عبر مجموعتنا في السنوات القليلة التي امتلكنا فيها التلسكوبات الكافية لرصده، فهذا يعني أن الفضاء يعجّ بأمثاله بأعداد هائلة لم نكن نتخيلها.
جاء دون استئذان، ومرّ بجوار الشمس دون أن يعلم به أحد، ولم نرصده إلا وهو في طريق الرحيل. وداعٌ لم يكن له بداية معلنة، ولن تتقاطع مساراتنا مجدداً في أي مستقبل يمكن تخيّله.



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:24 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.