احصائيات

الردود
0

المشاهدات
26
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

اوسمتي


أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,579

+التقييم
0.63

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
اليوم, 04:43 AM
المشاركة 1
اليوم, 04:43 AM
المشاركة 1
افتراضي جهجاه الغفاري رضي الله عنه
بسم الله الرحمن الرحيم





اسمه الكامل غير محسوم في المصادر، فبعضها يذكره جهجاه بن سعيد أو جهجاه بن قيس الغفاري، من قبيلة غفار، وهي القبيلة ذاتها التي ينتمي إليها أبو ذر الغفاري رضي الله عنه. أسلم مبكراً وشهد غزوات مع النبي ﷺ، لكن التاريخ لم يحتفظ بشيء من سيرته سوى حادثة واحدة، صغيرة في ظاهرها، عظيمة في تداعياتها.

الخلفية التاريخية
جرت أحداث هذه الغزوة في السنة السادسة من الهجرة النبوية، في مرحلة بالغة الحساسية من تاريخ الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة. فقد كان المسلمون قد خرجوا للتوّ من أزمة الأحزاب التي حاصرت المدينة، وكان الجهد الحربي المتواصل قد أثّر في معنويات الناس وأجسادهم. يُضاف إلى ذلك أن المجتمع المدني كان يضم فئتين رئيسيتين من المسلمين: المهاجرون الذين قدموا من مكة تاركين ديارهم وأموالهم، والأنصار الذين استقبلوهم وتقاسموا معهم مواردهم. وعلى الرغم من الأخوة الإيمانية الصادقة التي جمعتهم، كانت طبيعة الاندماج بين مجتمعين مختلفين تحمل في ثناياها احتكاكاً نفسياً كامناً.

في هذا السياق، بلغ النبيَّ ﷺ خبرُ تجمّع قبيلة بني المصطلق من خزاعة بقيادة زعيمهم الحارث بن أبي ضرار بنية مهاجمة المدينة، فبادر بالخروج إليهم عند ماء يُعرف بالمريسيع، وكانت المعركة سريعة وحاسمة انتهت بهزيمة القبيلة وأسر عدد كبير من رجالها ونسائها.

الحادثة عند البئر
في أثناء عودة الجيش الإسلامي من الغزوة، توقف الناس عند أحد الآبار لاستقاء الماء. كان الحرّ شديداً والجند مُتعَبين، فوقع تدافع واحتكاك جسدي بين رجلين:

الأول هو جهجاه بن سعيد الغفاري، وكان يعمل أجيراً في خدمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تلك الغزوة، وهو من المهاجرين أو من حلفائهم.

والثاني هو سنان بن وبر الجهني، وكان من الأنصار.

تطوّر الشجار بينهما، فما كان من جهجاه إلا أن نادى مستنجداً بالمهاجرين قائلاً: "يا للمهاجرين!" فردّ عليه الجهني مستنصراً بقومه: "يا للأنصار!" وفي لحظة واحدة تحوّل شجار فردي بسيط إلى تراصٍّ جماعي، وبات الجيش على شفا اقتتال داخلي.

تدخّل عبدالله بن أُبيّ سلول
لم يكن عبدالله بن أُبيّ بن سلول بعيداً عن المشهد. وكان هذا الرجل زعيماً من زعماء المدينة كاد يتولّى ملكها قبل قدوم النبي ﷺ، فلما جاء الإسلام فقد مكانته وسلطانه، فأظهر الإسلام وأضمر العداوة. حين رأى التوتر بين المهاجرين والأنصار لم يسعَ إلى إطفائه، بل سارع إلى تأجيجه، فقال لمن حوله:

"أوَقد فعلوها؟ والله ما مثلنا ومثل هؤلاء المهاجرين إلا كما قيل: سمّن كلبك يأكلك. أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنّ الأعزُّ منها الأذلّ."

ثم أخذ يُحرّض الأنصار على ندم كرمهم، مُوهِماً إياهم بأن المهاجرين يريدون الاستئثار بالمدينة على حسابهم. وكانت كلماته مدروسة بعناية، تستهدف تحويل الأخوة إلى شك، والتعاون إلى ندم.

زيد بن أرقم وبلاغ الحق
كان في الجلسة التي سمعت كلام ابن أُبيّ فتىً صغير السن يُدعى زيد بن أرقم. لم يتردد ولم يخشَ مكانة ابن أُبيّ، فذهب مباشرةً إلى النبي ﷺ وأبلغه بما سمعه من كلام كاملاً.

لمّا استفسر النبي ﷺ من ابن أُبيّ، أنكر هذا الأخير إنكاراً باتاً وحلف بالله أنه لم يقل شيئاً، بينما أيّده من حوله وشككوا في رواية الفتى الصغير. فوجد النبي ﷺ نفسه أمام موقف دقيق: شاهده غلام يقف وحيداً في مواجهة زعيم محاط بمناصريه.

حكمة النبي ﷺ في إدارة الأزمة
لم ينتظر النبي ﷺ الموقف يتفاقم، بل أمر بالرحيل الفوري في توقيت غير معتاد، وسار بالجيش دون توقف حتى أضناهم التعب. وكان يقصد بذلك قصداً واضحاً: أن يستنزف طاقة الناس في السير بدلاً من أن تتفرغ ألسنتهم للتحريض والتشاحن. وحين نزلوا أخيراً كانوا قد فقدوا الرمق الذي تحتاجه الفتنة لتحيا.

نزول سورة المنافقون
أنزل الله تعالى سورة المنافقون كاملة تصديقاً لرواية زيد بن أرقم وفضحاً لابن أُبيّ سلول، وفيها قوله تعالى:

﴿يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنّ الأعزُّ منها الأذلَّ، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكنّ المنافقين لا يعلمون﴾

وكان في هذا النزول القرآني تبرئة رسمية لزيد بن أرقم، فأتاه النبي ﷺ وقال له: "يا زيد، لقد أوفى الله بأذنك"، أي صدّق الله شهادته أمام الجميع.

موقف عبدالله بن عبدالله من أبيه
من أبلغ مشاهد هذه القصة أن عبدالله بن عبدالله بن أُبيّ — ابن المنافق، وكان مسلماً صادقاً — لما علم بما جرى، عرض على النبي ﷺ أن يأتيه برأس أبيه إن أراد قتله، قائلاً إنه يخشى أن يرى قاتل أبيه يمشي بين الناس فيثأر منه فيقتل مؤمناً بكافر. فأجابه النبي ﷺ بالعفو والرفق، مؤثراً مصلحة الجماعة على الانتقام.

خلاصة
تكشف هذه الحادثة بجلاء كيف يمكن لشجار تافه في ظرف مُجهِد أن يتحوّل إلى أزمة تهدد تماسك مجتمع بأكمله، وكيف أن النفاق يجد في مثل هذه اللحظات تربته الخصبة. غير أن الحكمة النبوية في إدارة الأزمة — بالرحيل المبكر، وعدم المواجهة المباشرة، وانتظار الوحي ليفصل — كانت نموذجاً في القيادة الحكيمة التي تُقدّم وحدة الأمة على أي اعتبار آخر. أما جهجاه الغفاري صاحب الشرارة الأولى، فقد طواه التاريخ بعد تلك اللحظة، إذ لم يكن في الحقيقة سوى عود ثقاب أشعل حطباً لم يجمعه هو.



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 7 ( الأعضاء 0 والزوار 7)
 

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: جهجاه الغفاري رضي الله عنه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
آبي اللحم الغفاري رضي الله عنه أ محمد احمد منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير 0 10-22-2025 06:23 AM
تعالوا نكتب 1000حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أميرة الشمري نسمات إيمانية 3123 01-26-2024 08:32 PM
لماذا لم تفتن النساء بجمال رسول الله صلى الله عليه وسلم مراقى محمد منبر الحوارات الثقافية العامة 2 02-18-2015 12:37 AM
معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم للأطفال والصغار مراقى محمد منبر الحوارات الثقافية العامة 0 12-25-2014 09:09 PM
((لماذا تداهنون في دين الله يا من تدعون بأن الله غايتكم والقرأن دستوركم هند طاهر منبر النصوص الفلسفية والمقالة الأدبية 0 09-09-2013 12:42 PM

الساعة الآن 09:51 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.