احصائيات

الردود
9

المشاهدات
223
 
ياسر علي
مشرف منبر النصوص الفلسفية والمقالة الأدبية

اوسمتي


ياسر علي is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
1,585

+التقييم
0.51

تاريخ التسجيل
Dec 2012

الاقامة

رقم العضوية
11770
04-25-2021, 01:29 PM
المشاركة 1
04-25-2021, 01:29 PM
المشاركة 1
افتراضي أين أزرع خيبتي؟
أين أزرع خيبتي؟


جلست أمام المرآة أتأمل وجهي الذي اخترقته الكآبة، واستوطن البؤس ملامحه وزرع حروف الشقاء على صفحتي، ولأنني لا أستطيع تحمل رؤية نضارتي تلتحف تلك التعاسة، اغرورقت عيناي شفقة وتدافع الدمع راسما لوحة تراجيدية على المرآة. هويت برأسي على يدي المبسوطتين وغصة تقبض على روحي، بدأت في نحيب خافت وشعري يسدل ستائره على المشهد مواريا تلك الصورة الغارقة في الضياع. ما استطعت لجم ذاكرتي التي بدأت عجلاتها في الدوران من لقائنا الأول، كانت صورته خالية من المعنى، لم يكن ليثير تلك العواطف الجياشة التي أيقظها في مشاعري، كان عاديا بل صفحته رشتها الشحابة ببعض نفور، كان لقاء باردا جدا كأي لقاء عابر لولا أن سقط من يدي هاتفي النقال وتفككت أجزاؤه، وبينما أنا متخشبة بالدهشة أخذ يلملم شتات الهاتف وأعاد تركيب قطعه بمرونة، أضاءت الشاشة وقال: "يمكنك أن تطبعي القن السري" وبدون أن أفكر انطلق لساني يرتب تسلسل الأرقام وإبهامه ينتقل عبر الشاشة فصدح الهاتف مزغردا، خطفته من يده وألصقته بأذني، فتلقيت خبر نجاحي وانضمامي للمعهد. قفزت مبتهجة ولساني لا يكف عن الإفصاح عن حبوري: "واو...واو..." يداي تمتدان في الهواء وتلامسان الفضاء البعيد وفجأة ضممته إلي وهو كتلة باردة صامتة، وبعد أن عبرت نهر نشوتي طفقت أبحث عن الأعذار أمام هذا الغريب لجرأتي وطيشي شارحة سبب خروجي عن طوري. هنأني بكلمات مجاملة واقترح علي مساعدتي على التأقلم مع عالمي الجديد، وهو خريج المعهد قبل سنوات قليلة. تلك بداية العواصف التي هزت أركان استقراري، لعامين متواصلين وحياتي يزحف عليها ضباب حسبته في الوهلة الأولى هواء منعشا استحلته براءتي، كنسمات خريفية تبدد قيظ الصيف، حلم جميل سرعان ما غرقت في أحضانه فنسيت مشيتي الأولى، وفي غمرة سعادتي تلقف ذهني منه بضع كلمات لها وقع السحر على أذني، تفتح أمام عيني عالم جديد ما كان يخطر لي على بال، كلمات مفتاحية لمغارة علي بابا، أزداد حماسا كلما حققت فتحا جديدا مؤكدة له أني قادرة على اقتحام تلك العوالم الغامضة، يفاجئني أحيانا أنني لم أصل بعد إلى الكنوز المخبأة في الأعماق، وكلما اصطدت جوهرة سارع إلى تنبيهي أنها مجرد قطعة زائفة والإبحار يحتاج نفسا طويلا وهكذا استهوتني التفاصيل، وعند ذاك اقتحمت الدوامة فبدت لي التخوم الوهمية أسوارا شاهقة، وما كنت أعتبره ذات يوم حصنا منيعا مجرد شبكة عنكبوت واهية أعمدتها، فهاجت في ذهني الزوابع والأعاصير ولم تفلح العصابات التي تلف رأسي في تهدئة تلك العوالم الثائرة التي تتفجر في أعماقي. أمي كما أختي تنبهاني وأنا لا أزال في بداية الطريق أن شرودا كالذي أعانيه وأنا جالسة إليهما أو مع العائلة يحتم علي أن أصارحهما بما يجول في خاطري، تردف أختي: "لابد أنك تحبين هذه المرة بجد!" لكن كل هذا الكلام لم يعد مجديا بعد أن أضحى ذهني مملكة للغموض، بل مسبارا يخترق الكون الفسيح المظلم دون أن تكون لنهاية رحلته مواعيد قريبة. يؤسفني أن يكون الذي قادني إلى هذه التجربة متجاهلا، لم يعد يبالي كثيرا بما أسوده من الصفحات، بل يكتفي بوعود يدعمها بأعذار لا يخفى هوانها. كما حظ كل مبتدئ وجدت من يأخذ بيدي في البداية، لكن المشوار الطويل لابد يعلم أنني سأكون رفيقته الوحيدة، ولأنني هناك في خلاء أؤثثه بما أسطيع لأزيل عنه الوحشة، فالعودة مضنية كما التقدم، أتهكم من تلك المعادلات السخيفة وأقسم بحياتي أنني سأحدث الكثير من الفوارق إن عدت من رحلتي ظافرة، وحتى إن لم تتكلل تجربتي بما يجعلها تصل إلى درجة النجاح، فلابد تغني رصيد شخصيتي من الخبرات. لكن شيئا غريبا اقتحم عالمي، فكلما بالغت في الجدف وجدت نفسي أفقد جمالي وطرواتي، ورفيقي يسترجع بعضا من ألقه، لكأنه يستنزفني كما استنزفت الكثير من بطاريات هاتفي وأنا أجبره على مرافقتي في رحلتي. أصبحت مدمنة الغموض وتتلهف نفسي لقطف ثماره المغرية، أسير مستنيرة بقبس خجول مصرة على إضاءة تلك الفضاءات التي عجزت عن إضاءتها الشموس، ولأن الأمل في جوفي لا ينضب، بت أصل الليل بالنهار لأيام عساني أجد خريطة طريق سالكة، تمضي الأيام لا أحفل فيها بعيد ولا نكسة، كنت غارقة في همي وشطبت هذا العالم المرئي من أمامي. صباح هذا اليوم أحسست أنني بحاجة لوقت مستقطع، لكأن جرس إنذار دقت نواقيسه في أذني في الآونة الأخيرة، وخاصة أن نوبات دوخة تنتاب رشدي، وبدأت تختلط أمامي العوالم، بل الغموض يكتسح العالم الحقيقي الذي أعيشه، فالطريق إلى المعهد يتراءى لي سردابا مظلما، حتى زميلاتي وزملائي أرى في وجوههم علامات الأرواح القديمة، سألت ذات نوبة سمية صديقتي التي هاتفتني لتزف لي نبأ قبولي بالمعهد: "لماذا عيناك محمرتان وتقذفان شررا بنفسجيا." ردت علي بتهكم: لا تبالغي في مشاهدة الأفلام الكرتونية! مثل هذه الحوادث جعلتني خائفة، بل مرعوبة رغم أنني أحس متعة في الغموض، لكن نشوتي تمزقها بعض نظرات ريبة تحدجني بها العيون، وبعض ضحكات سخرية تقطع سيلان بهجتي حين أتفطن بوجودي بين زملائي في قاعة الدرس أو في أروقة المعهد، وحين أمارس استجواباتي لإعداد بحوثي مع شخصيات عالم الغموض، تشوش علي بعض الكلمات التي يتفوه بها الطلبة من قبيل"مسكينة!"، "عجل الله فرجها!" لا أحب الشفقة التي يبديها البعض تجاهي، ولا تفرحني تلك الزاوية التي يحشرني فيها زملائي الذين كانوا يبدون إعجابا بما أقدمه في بداية رحلتي، لكن الناس يحسون بالملل بسرعة، ولا يستطيعون الدفع بفضولهم إلى أقصاه، أحسست أن الجميع خذلني، حتى أختي التي نقلت إلي خبر رسوبي في الامتحانات هذا الصباح، كانت تبكي وبكاؤها أيقظ المواجع في قلبي، هذا الوجع المرتسم على المرآة اللحظة شبيه بالذي اجترحته أختي، لم تستطع أن تفتح لي قلبها، وتقول ماذا تخبئه في جوفها، خيبة عصية على الفهم كما عوالمي الغامضة، هناك حجاب غير مرئي بين الغموض والوضوح يجعلهما لا يتواصلان، كنت صلة وصل بين العالمين لكن لا أجد من أخبره عن تلك الإشارات التي تلقفتها هناك، لا يبالي الناس بما يتوارى خلف الوضوح، لا يفهمون تلك التسريبات المشفرة التي جئت أحملها إليهم. أحس بخيبة الفشل تشل دماغي وتنتشلني من عوالم الغموض إلى واقعي الذي صفعني بضياع عامين من حياتي، بل بذهاب حلم الحصول على شهادة من المعهد، بل بتغير مسار حياتي،الآن ما من مهرب لمواجهة الحقيقة.

بعزم جديد واجهت صورتي في المرآة، أرمم الدمار الذي ألحقته بي الولادة الجديدة، وضعت بعض المساحيق على وجهي، رغم ذلك يبدو باردا وشاحبا، خرجت لأملأ عيني بنور الضياء، كم هي الحياة جميلة والناس يسيرون كل إلى غايته، أحسست أن مشيتي تكاد تستعيد رشاقتها، شاب وسيم يتأبط ملفا، رن الهاتف في جيبه، ألصقه بأذنه، في غمرة فرحه سقط منه الملف، بدأت أجمع الأوراق المتناثرة، لا يزال يقفز فرحا: "واو.. واو.." أريد أن أقدم له الملف عانقني عناقا دافئا، كنت غاية في البرودة، عبر نهر نشوته، طفق يبحث عن الأعذار ليواري سوء طيشه، أخبرني بأن قبوله بالمعهد أفقده صوابه، اقترحت عليه أن أساعده على...


قديم 04-25-2021, 11:07 PM
المشاركة 2
ياسمين الحمود
(الواعية الصغيرة)
نائبة مدير منابر ثقافية

اوسمتي
الألفية الثانية الإداري المميز الألفية الرابعة الألفية الثالثة الألفية الأولى وسام الإدارة التكريم الكاتب المميز 
مجموع الاوسمة: 8

  • غير موجود
افتراضي رد: أين أزرع خيبتي؟
أعجبتني هذة الحقيقة..
كانت لحظة خيبة فريدة ...حقّا!
وكانت قصة فريدة .....متأكدة من هذا ...
لا ملامح أمامي سوى وجه نص جميل
عتقه قلم متمكن أحب القراءة له باستمرار.
تسرّني متابعتك دومــا
حلوة جدا ومؤثرة.
سجل لمشاهدة الصور

قديم 04-28-2021, 08:51 PM
المشاركة 3
حمزه حسين
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • غير موجود
افتراضي رد: أين أزرع خيبتي؟
جميل هذا النص
أستاذ ياسر

ملفت مشوق

أحسنت
لك التحيات

قديم 04-29-2021, 06:01 AM
المشاركة 4
محمد أبو الفضل سحبان
مشرف منبر القصص والروايات والمسرح

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: أين أزرع خيبتي؟
نص قصصي مشوق و ماتع رغم الفشل و خيبة الأمل التي رافقت بطلة القصة في بعض محطات حياتها ..الا أن النهاية جاءت مفتوحة على نهايات متعددة تاركة للقارىء حيزا من التخيل والتوقع لما يمكن أن تكون عليه المحطات القادمة..!!
تقديري أستاذ ياسر.
سجل لمشاهدة الصور

قديم 04-30-2021, 02:38 PM
المشاركة 5
عبد الكريم الزين
(متابع أول)
مشرف منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: أين أزرع خيبتي؟
أبدعت أستاذ ياسر وأجدت.
نصوصك تجعلني أتوق لقراءتها وإعادتها مرات عديدة
لشاعريتها الجذابة، وأسلوبها المتقن، وطابعها التشويقي الممتع.
تسرني متابعة إبداعاتك
تحياتي

قديم 05-07-2021, 06:35 PM
المشاركة 6
ياسر علي
مشرف منبر النصوص الفلسفية والمقالة الأدبية

اوسمتي

  • غير موجود
افتراضي رد: أين أزرع خيبتي؟
سجل لمشاهدة الروابط
أعجبتني هذة الحقيقة..
كانت لحظة خيبة فريدة ...حقّا!
وكانت قصة فريدة .....متأكدة من هذا ...
لا ملامح أمامي سوى وجه نص جميل
عتقه قلم متمكن أحب القراءة له باستمرار.
تسرّني متابعتك دومــا
حلوة جدا ومؤثرة.
سجل لمشاهدة الصور
أشكرك أيتها الكريمة
على هذه العناية بالنصوص.

تقديري أستاذة ياسمين الحمود.

قديم 05-07-2021, 06:37 PM
المشاركة 7
ياسر علي
مشرف منبر النصوص الفلسفية والمقالة الأدبية

اوسمتي

  • غير موجود
افتراضي رد: أين أزرع خيبتي؟
سجل لمشاهدة الروابط
جميل هذا النص
أستاذ ياسر

ملفت مشوق

أحسنت
لك التحيات
الجمال كل الجمال في خطوتك المباركة.

تحية تقدير

قديم 05-07-2021, 06:41 PM
المشاركة 8
ياسر علي
مشرف منبر النصوص الفلسفية والمقالة الأدبية

اوسمتي

  • غير موجود
افتراضي رد: أين أزرع خيبتي؟
سجل لمشاهدة الروابط
نص قصصي مشوق و ماتع رغم الفشل و خيبة الأمل التي رافقت بطلة القصة في بعض محطات حياتها ..الا أن النهاية جاءت مفتوحة على نهايات متعددة تاركة للقارىء حيزا من التخيل والتوقع لما يمكن أن تكون عليه المحطات القادمة..!!
تقديري أستاذ ياسر.
سجل لمشاهدة الصور
نعم أستاذي محمد.

قد تكون الخيبات محفز ة على الفعل السليم.
جعلنا الله وإياكم من الذين رحم ضعفهم.

تحية تقدير.

قديم 05-07-2021, 06:43 PM
المشاركة 9
ياسر علي
مشرف منبر النصوص الفلسفية والمقالة الأدبية

اوسمتي

  • غير موجود
افتراضي رد: أين أزرع خيبتي؟
سجل لمشاهدة الروابط
أبدعت أستاذ ياسر وأجدت.
نصوصك تجعلني أتوق لقراءتها وإعادتها مرات عديدة
لشاعريتها الجذابة، وأسلوبها المتقن، وطابعها التشويقي الممتع.
تسرني متابعة إبداعاتك
تحياتي
هذا من دواعي اعتزازي أستاذ عيد الكريم

تحية تقدير واحترام.

قديم 05-22-2021, 07:12 PM
المشاركة 10
ابتسام السيد
من آل منابر ثقافية
  • غير موجود
افتراضي رد: أين أزرع خيبتي؟
وكأن الحياة تعاود دورتها فيها بشكل مغاير
لتصبح كائن طفيلي يمتص الحياة من الأخرين
طيب ما قرأتُ
تقديري
...

الحمد لله دائماً وأبداً



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: أين أزرع خيبتي؟
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مصرع النافذة المكسورة ..قصيدة لــ صابر حجازي صابر حجازى منبر بوح المشاعر 4 03-19-2015 03:11 PM

الساعة الآن 08:14 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.