احصائيات

الردود
5

المشاهدات
175
 
ياسَمِين الْحُمود
(الواعية الصغيرة)
نائبة مدير منابر ثقافية

اوسمتي
الألفية الثانية الإداري المميز الألفية الرابعة الألفية الثالثة الألفية الأولى وسام الإدارة التكريم الكاتب المميز 
مجموع الاوسمة: 8


ياسَمِين الْحُمود will become famous soon enough

    موجود

المشاركات
20,323

+التقييم
3.70

تاريخ التسجيل
Oct 2006

الاقامة
قلب أبي

رقم العضوية
2028
09-22-2021, 10:16 PM
المشاركة 1
09-22-2021, 10:16 PM
المشاركة 1
افتراضي أ. خلف القرشي وقراءة لياسَمِين
أرسل لي الأديب الكبير
أ. خلف بن سرحان القرشي
مشكورًا قراءة مستفيضة لقصيدتي
" مواسم الأسى"
وبعد قراءتي له أخذتُ بملاحظته لي بتكرار كلمة ( بات، باتت)
وتم التعديل في النص الأصلي ..


قراءة في قصيدة رثاء (مواسم للأسى)
للشاعرة د. ياسمين الحمود
بقلم أ.خلف بن سرحان القرشي


قيل لأعرابي: "ما بال المراثي أجود أشعاركم؟ قال: لأنّا نقول وأكبادنا تحترق".
استحضرت هذه المقولة، وأنا أغوص في أبيات وكلمات وصور، ومشاعر ودلالات قصيدةالدكتورة
ياسمين الحمود في رثاء زوجها رحمه الله، المنشورة في منتديات منابر ثقافية:
"هوى صرح الأماني ذات ليلٍ
وأحرق دوح فرحتنا البــــــــــــــلاء"
استهلت الشاعرة قصيدتها بالفعل (هوى)، وهو فعل قويُّ الوقع والأثر، ويعبر عن حدثٍ جللٍ وقع فجأةً، وهذا يتماهى مع فاجعة الموت خصوصًا عندما يأتي الإنسان*فجأةً، ويذكرنا بقسم ربِّ العالمين في قوله تعالى: (والنَّجم إذا هوى).
أتبعت الشاعرة هذا الفعل بكلمة (صَرْحٌ)، ومن معاني (الصرح) القصر العالي قال تعالى:(قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً)، ومن معانيه أيضًا البناءُ المرتفع كثيرًا؛ناطحة سحاب، ويقال: "بنى صَرْحًا مكوّنًا من خمسين طابقًا". قال تعالى:(وَقَالَ فِرْعَوْنُيَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ).
وكان متوقعًا من الشاعرة أن تقول: (هوى نجمٌ)، في تناص جليٍّ مع قوله تعالى: (والنجم إذا هوى)، ولكنها آثرت بشعريّةٍ واعيةٍ القول: (هوى صرحٌ)، وذلك لأنَّ النجم لا يستبين للنَّاس إلا ليلًا، وبعض النجوم لا تستبين حتى في الليل، بخلاف زوجها الذي كان حاضرًا يراه النَّاس فاعِلًا ومؤثرًا ومعطاءً. ولا ننسى أن مفردة (صرح) توحي بالصراحة والوضوح، وهكذا أرادت الشاعرة أن تصف زوجها، والاتسام بصفة الصراحة والوضوح محمدةٌ للمرء وأيُّ محمدةٍ!
ولم يكن ذلك الصرح (زوجها)صرحًا عاديًّا شأنه شأن أيِّ صرحٍ؛ مجرد بناءٍ، بل كان صرحًا
يحقق أمانيَ عذابٍ لأسرته ومجتمعه ووطنه والإنسانية عامةً.
ولا ننسى أنَّ بناءٌ أصيلٌ راسخٌ قويّ، وهذا أنسب وصف وتوصيف للفقيد الذي كان
هو الآخر صاحب خلقٍ حسن، ورجل قِيَم ومبادئ تطرقت الشاعرة إلى شيءٍ منها لاحقًا
في أبيات قصيدتها، وتلك المبادئ والقيم والأخلاق راسخةٌ فيه ولديه، رسوخ الصرح العظيم.
وظفت الشاعرة العبارة الظرفية الزمانية: (ذات ليلٍ)، التي يفهم منها أن وفاة الراحل كانت ليلا، بينما حقيقة الأمر أن الشاعرة تشير إلى انقلاب المواقيت، فالبرغم من أنه توفي صباحا، ألا أن ذلك الصباح استحال إلى ليل بعد أن أظلمت الدنيا في وجه زوجته وكافة أهله وذويه ومحبيه.
تستغل الشاعرة بقصد إيحاءات وحمولات كلمة (ليل)؛ ومنها الغروب والأفول والظلام والوحدة، وكلُّها معانٍ تتسق وفجيعة الموت الذي يأتي فجأةً، وكأنّه فارسٌ ملثمٌ يطعن ليلًا ظهر ضحيته.
ماذا ترتب على هذا كله؛ (تهاوى صرح الأماني ذات ليل)؟
الشطر الثاني من البيت يجيب:
"وأحرق دوح فرحتنا بلاء".
وإذا كان الفعل (هوى) قويًّا ومؤثرًا ومناسبًا للإبلاغ عن الحدث الجلل، فحريٌّ بالنتيجة أن تتضمن فعلًا لا يقل عنه قوّةً وأثرًا وهو (أحرق)، وهل خَبُرَ الإنسان طيلة تاريخه على وجهذه المعمورة
عذابًا كالنار، وهل في الآخرة أشدُّ منها على الكافرين؟ وهل الحروب التي
لا تبقي ولا تذر، وتهلك الحرث النسل إلا نيرانٌ مستعرةٌ؟
نارٌ كتلكم النار أحرقت دوحةً غناءَ وارفة الظلال، هي دوحةُ فرح أسرة الفقيد الغالي. وكانت تلك
النار (بلاءٌ) ليس كمثله بلاء حلَّ بتلك الأسرة المفجوعة.
تشير الشاعرة إلى أنَّ ما حلَّ بتلك الدوحة من مصابٍ لم يبق منها غصنًا، فهي لم تتعرض لريحٍ تكسر بعضًا منها وتبقي بعضًا، لم تتعرض لقحطٍ يؤمل بعده غيثٌ يعيد ريَّها. لقد أُنْهيت تمامًا. فيا للفاجعة!
وفي استخدام الشاعرة لعبارة (دوح فرحتنا) إشارةٌ ذكيّةٌ إلى سعادتهم الدائمةُ كأسرةٍ في كنف الزوج والوالد قبل فقده.
وظفت الشاعرة قافية الهمزة مسبوقةً بالألف، التي توحي بالامتداد والاتساع والانفتاح، في تناغمٍ واتساقٍ مع امتداد مشاعر الحزن وانفتاحها وديمومتها في قلب الشاعرة.
"أغار الموت ..غايته حبيبي
فأدركها، وليت له فــــــــــــــــــــــــــــــــداء"
تواصل الشاعرة استخدام الأفعال القويّة لتبلغ وتخبر عن المصيبة التي حلّت بهم، وتبدأ
البيت الثاني بالفعل (أغار)، لتضيفه للفعلين (هوى) و (أحرق) في البيت الأول متممًا لأثرهما، ومعمقًا لوقعهما. والإغارة تكون فجأةً مثلها مثل*الموت، ومن هنا يكون الإبداع الشعري عالمًا موازِيًا للعالم الواقعي، أو انعكاسًا له.
ولعلَّ الشاعرة أرادت أن تخبرنا بأنَّ موت حبيبها لم يكن متوقعًا، فلعلَّه جاء نتيجة حادثٍ، وليس نتيجة مرضٍ كان يتوقع معه وفاته. وأقسى أنواع الموت هو الذي يأتي فجأةً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من موت الفجاءة.
إن وقع أيِّ غارةٍ لهو وقعٌ عظيمٌ*على من تقع عليه أيًّا كان المُغِير، فما*بالنا والمُغِيرُ هنا هو
الموت بجبروته وقوَّته، وحدَّته، وغلظته وبشاعته؟ وغارته استهدفت حبيب الشاعرة،
وهنا مفارقةٌ بديعةٌ تتمثل في نقيضين هما(موت مغيرٌ) و (إنسانٌ حبيبٌ)؛
لا تسايَ ولا تقاربٍ
بينهما البون شاسعٌ بين القوَّتين؛ قوّة الموت في مقابل ضعف الإنسان، وجبروت الغارة أمام مشاعر الحبِّ.
ولا نغفل أنَّ الغارات أشدُّ ما يكون وقعها ليلًا والناس نيامٌ، وهذا ما هيأتنا لإدراكه الشاعرة في البيت الأول.
ونتيجة تلك الغارة المتوقعة والحتميّة هو أن يدرك الموت وينال بغيته؛ حبيب الشاعرة، ويبقيها متحسرةً تتمنى لو كان له فداءٌ، فتفتديه بكل ما تملك من مالٍ، بل وبروحها إن استطاعت إلى ذلك سبيلًا، ولكن هيهات؟
"جـمـيـلاً كـان عـبـدُ الـلـه خَـلـقـاً
وأخلاقا، وخـافــقــه*نــــقـــاءُ

بـهـــيّــاً كـان ..وضّــاءَ المــحــيّـا
يُـكـلِّـلُ حُـسـنَ طـلـعــتـه الـحَـيـاءُ

وكان حديـثـه يـنــســابُ عَــــذبـاً
وفـيـه لـكـلِّ مــســـتـمـع ٍ ثـــــراءُ

نديُّ الكفِّ ،سَـمْـحُ الـروح، عــطـرٌ
فضائله ارتـقــى فـيـهـا الـبــنـاءُ"
تلتقط الشاعرة هنا أنفاسها المتعبة، وتنتقل من الإخبار عن المصاب الجلل، ووصفه، إلى ذكر مآثر الفقيد ومنها حسن خَلْقِهِ وخُلُقِه.
ونلحظ أنَّها لم تبدأ أبياتها هنا بالجمل الفعليَّة كما كان الحال في الأبيات الثلاثة الأوّل. وإنّما فضلت البدء بالجمل الاسميَّة. الجمل الفعليَّة تناسب وصف الحدث العظيم، بينما الجمل الاسميَّة تتماشى مع الثبات والديمومة، ولهذا فهي الأنسب لوصف الراحل خَلْقًا
وخُلُقًا.
ويستوقفنا هنا أن الشاعرة توظف حاستي البصر والسمع في وصف فقيدها، فهو جميلٌ وبهيٌّ ووضّاءٌ المحيا، وذو طلعةٍ حسنةٍ. كما أنّه عَذْبُ الحديث ثَرِيُهُ، وثراء الحديث لايتأتى إلا نتيجة اطلاعٍ وثقافةٍ وخبرةٍ، ومجالسة أناسٍ مستنيرين معرفةً وعلماً، وتجارب حياتيةً. وتشبه الشاعرة الفقيد بالعطر، في إضافة لحاسة الشمِّ بقصدٍ إلى حاستي البصر والسمع.
وفي قولها: "فضائله ارتقى فيها البناء"، تعيدنا للبيت الأول الذي وصفته فيه بالصرح لتجعل من قصيدتها قصيدةً ذات وحدة عضويّةٍ على مستوى المعنى واللفظ دونما تكلفٍ أو تصنعٍ.
"وكـم تُـخـفـي يـمــيـنٌ عـن شِــمـالٍ
عـطـايا الخير ..ما نـضـبَالعـطـاءُ"
هنا تناصٌ جليٌّ مع الحديث النبوي قال صلى الله عليه وسلم: "سبعةٌ يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه ..فذكر الحديث، وفيه:ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها، حتى لا
تعلم شمالُه ما تُنفق يمينه".
كما أنَّ ثمّة تناصِيًّا آخر في المعنى في عبارة (ما نضب العطاء)، مع قوله صلى الله عليه وسلم: "ما نقص مال عبد من صدقة".
"على عــرش الــوفــــاء لـه اســتـواءُ"
تضيف الشاعرة هنا تناصًّا آخر مع الآية القرآنية الكريمة: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى). ولله المثل الأعلى.
ذكرت الشاعرة في الأبيات السابقة صفات زوجها على عدّة مستويات فمنها صفات في ذاته كالجمال والبهاء والحياء وحسن الطلعة، وصفات تتضح أكثر في تعامله مع الآخرين فهو متحدث جيّدٌ وذو ثقافة ومعرفةٍ وخبرةٍ وتجربةٍ، كما أنّه رجلٌ جوادٌ كريمٌ معطاءٌ سخيٌّ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، لا يهتم بالشهرة ولا يسعى إليها لأنَّه مكتفٍ من الداخل،
كما أنّه حنون.
وتنتقل الشاعرة لذكر صفات الراحل في التعامل معها باعتبارها شريكة حياته ورفيقةعمره وأم أولاده:
"يؤانسني ويـطــوي لـي جــراحـي
ويـســعـفــني إذا اشـــتـدَّ الــبـــلاءُ

وأرسو كـلــمـا الأمواج هـاجــت
عـلى كـتـفــيـه يـغــمـرني الهــنـاءُ"
فهو أنيسٌ ومعينٌ، كما أنّه مصدر أمان واطمئنان وراحةً، وباعث للهناء والسعادة، وسبب بعد الله لكلِّ يسرٍ وفرجٍ لزوجه حينما تتعثر الحياة، وتسير بعض أمورها على غير ما يحبُّ الإنسان ويبتغي. وبذلك فهو زوجٌ قائمٌ بمسؤولياته تجاه أسرته وأهل بيته جميعهم، وفي مقدمتهم زوجته، و"خيركم خيركم لأهله"، كما قال صلى الله عليه وسلم.
ولا يخفى على القارئ مقدرة الشاعرة البلاغيَّة في توظيف المجاز بحرفيّةٍ واقتدارٍ في معظم أبيات قصيدتها، ومن ذلك قولها:
" عــرش الــوفــــاء" و "ويـطــوي لـي جــراحـي" و "وأرسو كـلــمـا الأمواج هـاجــت" و "يـغــمـرني الهــنـاءُ".
وهذا الاستخدام المقنن للمجاز، والذي قلّما يخلو منه بيتٌ من أبيات القصيدة منحها عمقًا، وأضفى عليها شعريّةً وشاعريّةً يعتد بهما.
"تــداعـــت ياسـميـنك يـا حـبـيـبي
علـى أغصانها يغــفــو الـضـــيـاءُ"
هنا انتقلت الشاعرة للحديث عن وضعها الراهن بعد رحيل زوجها، الذي كان لها بمثابة
كلِّ جميلٍ وممتعٍ ومعينٍ في هذه الحياة، لتخبره وتخبرنا بأنّها (تداعت)، و (تداعى) لفظةٌ قويّة ومعبرةٌ ومفعمةً بمعانيرالانكسار والضعف ومنها: (تصدَّعَ وآذَنَ بالانهياروالسُّقوط)، لذا فتوظيفها هنا موفقٌ للتعبير عن المعنى.
توظف الشاعرة اسمها (ياسمين)، لتبيان أنَّها (ياسمينُهُ)، ومن يدري، فلعلّه كان يناديها بهذا. أليس هو الحنون والرقيق وصاحب الخلق الحسن والكلام العذب؟
أغصان تلك الياسمينة لم تعد مضيئةً كما كانت قبل رحيله، بل إنَّ الضياء الذي كان يشع
من أغصانها، ويحيل أوراقها إلى بياضٍ ناصعٍ قد غفا الآن، والله أعلم هل يستيقظ ثانيةً من غفوته تلك أم يظل غافيًا إلى الأبد؟
الأمر ببساطةٍ هو أنَّ زوجها هو ضياؤها.
"توشوشني الوسـادةُ : أين عـطــري ؟
ويـشـكـو بـعــدك الـبــردَ الـغـطـــــــــــــــــــــــاءُ"
تعود بنا الشاعرة ثانيةً لصورة سمعيَّةٍ من خلال صورةٍ بيانيّةٍ بديعةٍ تتمثل في أنَّ الوسادة توشوشها سائلةً إيَّاها عن عطرها/ الفقيد الراحل. وهنا إشارةٌ ذات معنى أنَّ الراحل لم يفقده فقط الأحياء، بل حتى الأشياء التي تمثلهاً هنا الوسادة.
ومفردة (عطري) تعيدنا لمهارة براعة الشاعرة في التنقل بين الحواس البصريّة والسمعيّة
والشميّة بالإضافة إلى المشاعر الداخليَّة.
نلحظ هنا أن الشاعرة لم تجب على سؤالً الوسادة، بل تجاوزته، ولهذا المنحى دلالةٌ فنيّةٌ تتمثل في أنَّ الجواب مستعصٍ عليها رغم أنّها تعرفه حق المعرفة، ولعلَّها رحمةً ورفقًا
بالوسادة المكلومة آثرت الصمت.
وإذا كانت الوسادة توشوشها - والوشوشةً من دلالتها الترجي والتمني والاستجداء، فكأنِّي بالوسادة تستجديها جوابًا-، فإن البرد يشكو الغطاء بعد رحيل الفقيد. فياللصورة؟
اعتاد الناس أن يتغطوا اتقاءً للبرد، ولكن الشاعر المبدع الذي يعيد خلق العلاقات بين الأشياء، يجعل من البرد هنا يشكو من عدم وجود ما يتغطى به. كان الفقيد هو الغطاء الذي يمنح البرد نفسه الدفء، وبعد رحيله فكل شيءٍ بارد.
"يخـطُّ إليك بـنـيـامــيـنُ شــوقـاً
ويُــرهــق عـــزمَ أحرفه اصـطـلاءُ"
تبرز الشاعرة مظاهر الحزن والتأثر على ابن الفقيد (بنيامين) وابنته (ياسمينة)، فالابن يلجأ للكتابة ملاذًا، يُفْرِغُ من خلال الكلمات والعبارات والجمل بعضًا من جراحه فهو يسطر
رسائل لوالده يعلم كلَّ العلم بأنّها لن تصل إليه، ولن يقرأها. ورغم أنّ الابن يجيد الكتابة؛
(عزم أحرفه)، إلا إنَّ المصاب أكبر من أن تتسع له الكلمات، مما يجعل
حروفها تصطلي بنار الألم والوجع والحسرة، ولعلنا نلحظ أنَّ كلمة (اصطلاء) هنا تذكرنا بالشطر الثاني في أول أبيات القصيدة: (وأحرق دوح فرحتنا بلاء)، في تكامل بنيويٍّ يقوي القصيدة ويميزها.
"وترســمُ بــدرَ وجهـك يـاســمـيـنٌ
فـتـحـضـنـه ويُـشـقـيـها اخـتـــــــفـاءٌ"
امَّا ابنة الفقيد التي تحمل نفس اسم والدتها؛ (ياسمينة)، فتعبر عن مشاعرها المفعمة
بالحزن من خلال الفن التشكيلي الذي هو هوايتها التي تجيدها أيّما إجادة، فترسم لوحةً
تضمنها وجه أبيها كما عهدته بدرًا مضيئًا، وبمجرد أن تنتهي من تلك اللوحة، تحضنها، غير أنّ هذا الاحتضان يشقيها كثيرًا، لاختفاء حقيقة ذلك الوجه. وهنا مفارقة بديعة يجدر
التوقف عندها، وهو أن الاحتضان دائمًا ما يبث ويعبر عن مشاعر الحب والسعادة والفرح والابتهاج والتعاطف والمؤازرة بين الطرفين؛ الحاضن والمحضون، غير أنّه -في هذه الحالة- يزيد من جراح الحاضن، ولا يستطيع المحضون تلقيه أو التفاعل معه. ألم
أقل أنَّ الشاعر المبدع هو من يعيد رسم الأشياء والمعاني، ويغير كثيرًا مما ألفناه من علاقات فيما بينها؟
تواصل الشاعرة الحديث عن الرسم واللوحة في دلالةٍ على ما توليه تلك الأسرة للفن،
وتعبيرًا عن رقيها فنيًّا، إنتاجًا وتلقيًّا، ووعيًا بأهميته في حياة الإنسان وتهذيبه:
"تـوشَّــحَ بالـسَّـواد الـرسـمُ حُــزنـاً
وفي الـلـوحــات يـسـتـعـرُ الـبكـاءُ"

اللوحات الفنيّة بالبيت / المرسم اتشحت بالسواد حزنًا لفراق الفقيد، ولعلَّ القارئ يتذكر
أنّه عندما يموت ملك أو رئيس أو شخصيّة اعتبارية، فإنَّ الصحف تصدر حينها صورة
لتلك الشخصيّة متشحةً بإطارٍ أسود.
وتلك اللوحات تستعر بكاءً. ومفردة (تستعر) تذكرنا بمفردات (أحرق) و (اصطلاء) في استمرار للوحدة العضوية معنى ومبنى التي تتقنها الشاعرة.
"وتـلـطـمُ خــدَّهـا الألوان ثـكـلى
وريـشـتــك اســتـبـدَّ بها الـخــواءُ"
تواصل الشاعرة الحديث عن الفن التشكيلي واللوحات، وتؤنسن بحرفيّةٍ فنيّةٍ الألوان،
وتجعل منها كائنًا حيًّا، بل إنسانًا يشعر بالحزن الشديد ويلطم خدَّه، وفي الوقت نفسه تخبر الراحل أن ريشته غدت خاويَةً بعد رحيله. وهنا نعلم أنَّ الفقيد كان فنانًا يمارس الرسم.
إنَّ (الأنسنة) الموظفة باقتدارٍ في ثنايا القصيدة لم تقتصر على الألوان، بل شملت اللوحات والحروف والموت والمرايا، والوسادة، والشعر، وغيرها، الأمر الذي جعل من القصيدة نفسها مفعمةً بالحيوات، وكأني بالشاعرة تكثر من الحيوات في مقابلةٍ لافتةٍ مع موضوعها الرئيس (الموت)!

"عـلـيـلاً بــات شــعـري والـقـوافـي
تـنــوح و مـا لأدمعها انـكــفــــــــــــــــــــاءُ"
وإذا كان الابن بنيامين عبر عن حزنه كتابةً، والابنة ياسمينة أظهرته رسمًا، فإن الأمّ المكلومة أفصحت عنه قوافِيَ وأبياتًا ومنها القصيدة التي بين أيدينا.
"ورائي بـاتــت الــدنـيـا حبـيـبي
فـبـعـدك كـل مـا فـيـهـا هـــبــاء ُ

ظـلامـاً حـالـكـاً بـاتــت حــيـاتي
وبـعـدك رحـلــتـي فـيـهـا عــنـاءُ

مـواسمُ للأسى في الـقـلـب تـربــو
ولـيـس لعُـمـر مأساتي انـقــضـاءُ

اُظ”قــلِّــبُ سِــفـرَ ذكــرانـا حـنـيـنـاً
ويـعـصـرني بـقــبـضــتـه الـشــقـاءُ

بخـيــبـتـه ندائي بـــات يُـمــنـى
ويُخـزى خـلـفَ خـطـوتـك اقـتـفـاءُ

وتُلـهـبُ وجـنــتيَّ ســيـاطُ دمـعـي
وآهاتي يــضــجُّ بـهـا الـفــضــاء ُ

عـلـيـلاً بــات شــعـري والـقـوافـي
تـنــوح و مـا لأدمعها انـكــفــاءُ

ســتـبـقـى فــيَّ عـبـدَ الـلـه حـيّـاً
وروحــك يـرتـوي مـنـهـا الــبــقـاءُ"

في نهاية القصيدة، شرعت الشاعرة في الحديث عن حياتها بعد رحيل زوجها، ووصفت تلك الحياة بأنّها وراءها وليست موازيةً لها أو أمامها، كما هو المفترض عندما يكون الحديث عن الحياة، ولهذا التعبير دلالته لمن يتأمل فيه ويمعن النظر، فالإنسان عادةً ما يفكر في حاضره، وينظر بأملٍ وتفاؤلٍ لمستقبله، أمّا ماضيه فقد مضى وانتهى وولى إلى غير رجعةٍ. والشاعرة هنا تجعل حاضرها ومستقبلها وراءها (ماضيًا) ليس إلا، وذلك بسبب فقدها لمن كان يعطي لحياتها المعنى والقيمة، والدلالة، والأهمية، والجمال، والأمل.
كنت أفضل ألا تستخدم الشاعرة مفردة (بات) ثلاث مرات في قصيدتها؛ (ورائي بـاتــت...) و(ندائي بـــات ...) و (بـاتــت حــيـاتي)، لا سيما وأنَّ قاموس الشاعرة يظهر لنا مكتنزًا بالمفردات، ولديها القدرة على توظيفها شعريًّا دونما حاجةٍ إلى التكرار.

"بـحــبـل الـلـه مُــعـتـصـمٌ فؤادي
إليه الأمر يـرجــع والــقــضــاءُ

وإيماني يــشــدُّ حـزامَ صـبـري
ولـي فـي حُـسـن سـيـرتـك الـعـزاءُ

فـطــب نــومـاً إلى يـوم الـتـلاقي
ولا يكــبــو مــدى الـعُـمـر الـدعـاءُ"
تذيل الشاعرة قصيدتها باللجوء إلى الله وحده، شأنها شأن أي مسلمٍ يفوض أمره إلى خالقه عزَّ وجلَّ، ويطلب منه السكينة والصبر وعظيم الأجر. وتشير إلى أنَّ في سيرة زوجها الراحل الزكيّة العطرة كثيرًا من العزاء.

ختامًا ... القصيدة حبلى بالمشاعر والأحاسيس والعواطف، وغارقةٌ في لغةٍ شعريّةٍ منتقاةٍ
دونما تكلفٍ، ولهذا جاءت واضحةً بسيطةً يصدق عليها وصف (السهل الممتنع)،
وتذكرنا
بعيون المرثيات العربيّة الشهيرة كمرثية الخنساء في أخيها صخرٍ ، ومرثية المهلهل في أخيه كليبٍ، ومرثية جرير لزوجته، ومرثية المتنبي لأم سيف الدولة الحمداني وأخته وغيرها.
دعواتنا للفقيد بالرحمة والمغفرة وحسن المثوبة، ولزوجه وابنه وابنته وكافة أهله وذويه ومحبيه بأن يمنحهم الله السكينة وجميل الصبر وعظيم الأجر.



التعديل الأخير تم بواسطة ياسَمِين الْحُمود ; 09-23-2021 الساعة 01:25 PM
قديم 09-22-2021, 11:37 PM
المشاركة 2
عبد الكريم الزين
(متابع أول)
مشرف منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات

اوسمتي
الألفية الرابعة الألفية الثالثة وسام الإبداع الألفية الثانية التواصل الحضور المميز الألفية الأولى 
مجموع الاوسمة: 7

  • موجود
افتراضي رد: أ. خلف القرشي وقراءة لياسَمِين
أعجبتني جدا هذه القراءة المستفيضة لقصيدة رائعة
أبدعتها الشاعرة بلمستها الفنية الرفيعة وقدرتها اللغوية المتميزة

جزيل الشكر أستاذ خلف لإضاءاتك القيمةسجل لمشاهدة الصور
ولأديبتنا الموهوبة ياسمين الشعرسجل لمشاهدة الصور

قديم 09-23-2021, 02:03 PM
المشاركة 3
محمد أبو الفضل سحبان
مشرف منبر القصص والروايات والمسرح

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: أ. خلف القرشي وقراءة لياسَمِين
قراءة نقدية سامقة في مرثية " مواسم الأسى" للشاعرة المرهفة والإنسانة المحبوبة ياسمين الحمود...شكرا جزيلا للأستاذ الكبير خلف سرحان القرشي على الإضاءة المعمقةو التحليل المفصل الرائع لمواطن الجمال والإبداع في هذا العمل الأدبي الهام...
وتقبلوا خالص التحايا وفائق الاحترام.
أبو الفضل.
سجل لمشاهدة الصور

قديم 09-23-2021, 05:13 PM
المشاركة 4
محمد محسن الغامدي
من آل منابر ثقافية
  • غير موجود
افتراضي رد: أ. خلف القرشي وقراءة لياسَمِين
دراسة الأستاذ خلف القرشي عن قصيدة ياسمين خلف دراسة عميقة تطرق فيها للنواحي النفسية التي أثرت العمل الأدبي المميز دراسة تستحق الثناء والشكر

قديم 09-23-2021, 10:12 PM
المشاركة 5
حمزه حسين
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • غير موجود
افتراضي رد: أ. خلف القرشي وقراءة لياسَمِين
دراسة واعية مفصلة وعميقة
غاصت في أعماق النص فتوهجت بهذا الجمال الأخاذ

دراسة نقدية محكمة لامست شغاف المشاعر التي تماهت وفحوى وجدانية هذا النص المميز

بوركت أستاذ خلف المحترم
جهد مبارك متألق يستحق التوقف عنده كثيرا والاستزادة منه

وحييتِ دكتورة ياسمين وأنت تحلقين بالنقد وعالمه إلى سماء الجمال

تحياتي الكثيرة لكما

وتقديري الكبير

قديم 10-10-2021, 08:02 PM
المشاركة 6
ماجد جابر
مشرف منابر علوم اللغة العربية

اوسمتي

  • غير موجود
افتراضي رد: أ. خلف القرشي وقراءة لياسَمِين
بارك الله فيك أستاذة ياسمين الحمود على موضوعك الجميل المفيد، ومنابر علوم اللغة ترحب بك وبقلمك الممشوق.


مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: أ. خلف القرشي وقراءة لياسَمِين
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الأم - محمد بن إدريس الشافعي القرشي المطلبي أبو عبد الله د. عبد الفتاح أفكوح منبر رواق الكُتب. 0 06-08-2014 01:49 PM
تصفح التفسير الميسر وكأنة بين يديك وقراءة صوتية مباشر لتفسير السعدي‎ خاطر بن عبدالله منبر الحوارات الثقافية العامة 1 05-10-2011 09:42 PM

الساعة الآن 04:06 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.