المقهىلتسكن النفوس وتهدأ الجوارح بعد ثقل وحي الإبداع.
أهلا وسهلا بك إلى منتديات منابر ثقافية.
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط هنا.
كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.
"وأحذركم الدنيا فإنها منزل قُلعةٍ (1) وليست بدار نجعة (2) قد تزينت بغرورها، وغرَّت بزينتها. دارها هانت على ربها، فخلط حلالها بحرامها، وخيرها بشرِّها وحياتها بموتها، وحلوها بمرها، لم يُصفها اللّه تعالى لأوليائه، ولم يضنَّ بها على أعدائه. خيرها زهيد وشرها عتيد وجمعها ينفد، وملكها يُسلبُ، وعامرها يخرب" (3).
إن نظرة الإنسان للدنيا ستحدد له أهدافه وأولوياته وطرق عمله وستنعكس على مسلكيته فيها. وبالتالي فإن نظرة الإنسان للدنيا ستصنع شخصيته وتحدد مآله ومصيره.
من هنا أكثر الإمام عليه السلام من وصف الدنيا وفصل ذلك بأساليب متعددة. فكيف يقدم الإمام عليه السلام هذه الدنيا؟
هناك عدة صفات أساسية تتميز بها الدنيا أشار إليها الإمام عليه السلام تتلخص بما يلي:
الدنيا دار فناء
"فإنها منزل قلعة وليست بدار نجعة".
ويقول عليه السلام:
"ثم إن الدنيا دار فناء وعناء وغِير وعبر" (4).
فالدنيا ليست ملازمة للإنسان وإنما هي مرحلة يمر بها وجسر يعبره. وهذه المرحلة إذا قسناها بالمراحل التي يمر بها الإنسان منذ خلقه الله تعالى إلى أن يترك الدنيا ثم حياة البرزخ التي هي أطول بكثير من عمر الإنسان في الدنيا، ثم الآخرة التي سيخلد فيها، سنجد الدنيا مقابل ذلك زهيدة جداً، لا قيمة لها.
وهذا ما عبر عنه أمير المؤمنين عليه السلام في العديد من كلماته:
"وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ..." (5).
"ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ..." (6).
هذه الدنيا التي تمر بهذه السرعة والتي يخبر تعالى عنها في القرآن الكريم:
كم تستحق أن يلتفت إليها الإنسان ويصرف من طاقاته وإمكاناته التي أعطاه الله تعالى؟ هل تساوي نصف أو ربع أم أنها ليست شيئاً يذكر أمام المراحل الأخرى التي يعيشها؟ فلماذا يعطيها أكثر مما تستحق؟ ولماذا يتوجه إليها بكل مجهوده ويصرف فيها كل طاقاته وهو يعلم أنه سيتركها بعد لحظات؟! أليس حرياً بالعاقل أن يصرف طاقاته فيما هو أبقى له؟
أفلا قرأنا بقلوبنا هذه الكلمات النورانية لأمير المؤمنين عليه السلام:
"عباد اللّه أوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم وإن لم تحبوا تركها والمبلية لأجسامكم وإن كنتم تحبون تجديدها فإنما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلاً فكأنهم قد قطعوا، وأمّوا (8) علماً فكأنهم قد بلغوه... وما عسى أن يكون بقاءُ من له يو لا يعدوه وطال حثي من الموت يحدوه (9) ومزع في الدنيا حتى يفارقها رغماً، فلا تنافسوا في عز الدنيا وفخرها..." (10).
الإمام عليعليه السلام حذر من الانغماس والغرق في الدنيا لما لها من تأثير سلبي إذا استخدمت بغير طاعة اللّه تعالى ولم يكن المأخوذ منها ما يغذي الحياة الآخرة لأنه يجب أن تكون في نظرنا وسلوكنا أنها مزرعة للآخرة وعوناً عليها فنأخذ منها ما ينسجم مع مشروعنا الأخروي والسعادة الأخروية الحقيقية. ولا نقبل عليها مع تجاهل النتائج والآثار والمآل، بل إن ذلك يرتبط بسلسلة من الأخطار الجسيمة على مستوى على الفرد والمجتمع، فيتفكك بذلك المجتمع ويعيش الأفراد فيه حالة الجشع والطمع لا ينظر إلى الأمور بواقعية ولا يقيسها بميزان العقل كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
"ومن عشق شيئاً أعشى (17) بصره، وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة ويسمع بأذن غير سميعة قد خرقت الشهوات عقله وأماتت الدنيا قلبه وولهت عليها نفسه فهو عبد لها، ولمن في يده شيء منها، حيثما زالت زال إليها وحيثما أقبلت أقبل عليها" (18).
ويهذا يصل إلى مرحلة لم تعد تنفعه المواعظ ولا تفيده الزواجر حتى يصل إلى يوم يقول يا ليتني كنت تراباً، أو يطلب من اللّه تعالى العودة حتى يعمل صالحاً من جديد.
يقول عليه السلام:
"لا يزدجر من اللّه بزاجر، ولا يتعظ منه بواعظ وهو يرى المأخوذين على الغِرَّة (19) حيث لا إقالة ولا رجعة، كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون" (20).
تابع ما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن الدنيا
احذر الدنيا
كان عليه السلام يحذر الناس دائماً من هذا الزمان الذي وصلوا إليه من قلة السالكين في طريق الخير والمقبلين على الدنيا وشرورها.
يقول عليه السلام:
"وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدباراً، ولا الشر فيه إلا إقبالاً ولا الشيطان في هلاك الناس إلا طمعاً..." (21).
وفي مواجهة ذلك لا بد من جهاد النفس وترويضها بالأساليب المناسبة لها. فإذا وجدت نفسك قد غرقت في الدنيا حتى صارت الدنيا أكبر همك فعليك أن تتذكر الأنبياء والأولياء وموقفهم من الدنيا ومقدار استفادتهم منها.
فهذا أمير المؤمين عليه السلام يقول:
"ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه (22) ومن طعمه بقرصيه (23) ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد، فواللّه ما كنزت من دنياكم تبراً (24) ولا ادخرت من غنائمها وفرا. ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا (25)، ولا حزت من أرضها شبراً، ولا أخذت منه إلا كقوت أثاثٍ دبرة (26) ولهي في عيني أوهى وأهون من عفصة مقرة (27)
"ولقد كان في رسول اللّه صلى الله عليه وآله ما يدلك على مساويء الدنيا وعيوبها: إذ جاع فيها مع خاصته (28) وزويت عنه (29) زخارفها مع عظيم زلفته (30) فلينظر ناظر بعقله: أكرم اللّه محمداً أم أهانه، فإن قال أهانه، فقد كذب واللّه العظيم بالإفك العظيم، وإن قال: أكرمه فليعلم أن اللّه قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له، وزواها عن أقرب الناس منه..." (31).
ويقول عليه السلام في موضع آخر:
"قد حقَّر الدنيا وصغرها وأهون بها وهوَّنها، وعلم أن اللّه زواها عنه اختياراً وبسطها لغيره احتقاراً، فأعرض عن الدنيا بقلبه وأمات ذكرها عن نفسه وأحب أن تغيب زينتها عن عينه، لكيلا يتخذ منها رياشاً (32)، أو يرجو فيها مقاماً، بلَّغ عن ربِّه معذراً ونصح لأمته منذراً. ودعا إلى الجنة مبشراً وخوَّف من النار محذِّراً" (33).
هنا نورد وصف أمير المؤمنين عليه السلام لأهل الإيمان وأولياء اللّه مع هذه الدنيا كيف تعاملوا معها وماذا كانت تعني لهم وما هو مدى وقعها في نفوسهم وهم ليسوا بأنبياء ولا أئمة، لكن بإيمانهم وثقتهم باللّه تعالى وعبادتهم الحقيقية التي تربطهم باللّه تعالى ومن خلال تفكرهم بأحوال الماضين الذين جمعوا الدنيا كهارون وقارون، علموا بأن النفس مظانها في غدٍ جدث ينقطع في ظلمته أخبارها وتغيب آثارها ولا يأخذ معه الإنسان إلا عمله الخالص للّه تعالى.
فيقول سلام اللِه عليه في وصف المتقين ونظرتهم إلى الدنيا:
"... أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها..." (34).
ويقول عليه السلام في موضع آخر:
"... والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه..." (35).
ويقول عليه السلام في موضع آخر يصف الزاهدين:
"... كانوا قوماً من أهل الدنيا وليسوا من أهلها، فكانوا منها كمن ليس منها، عملوا فيها بما يُبصرون، وبادروا فيها ما يحذرون، تقلب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة، ويرون أهل الدنيا يعظمون موتى أجسادهم وهم أشدُّ إعظاماً لموتى قلوب أحيائهم" (36).
وأيضاً يقول عليه السلام في وصف أوليائه:
"... إن أولياء اللّه هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذا نظر الناس إلى ظاهرها، واشتغلوا بآجلها إذا اشتغل الناس بعاجلها، فأماتوا منها وخشوا أن يميتهم، وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالاً ودركهم بها فوتاً..." (37).
ثم يقول عليه السلام في موضع آخر:
"أولئك واللّه الأقلون عدداً والأعظمون عند اللّه قدراً، وصحبوا الدنيا بأبدان أوراحها معلقة بالمحل الأعلى... آه آه شوقاً إلى رؤيتهم..." (38).
هذه هي بعض أحوال أهل الإيمان مع الدنيا حيث نراهم يعيشون في هذه الدنيا ولكن تطلعهم الحقيقي إلى الحياة الأبدية الأخرى حيث رضا اللّه ورضوانه ونرى كيف يتشوق الإمام لرؤيتهم تكريماً لهم بالفوز الذي حازوه.
يقول عليه السلام:
"فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ (39) وقراضة الجلم (40) واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم وارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم" (41).
لم تكن الدنيا تعني شيئاً عند أمير المؤمنين عليه السلام وإنما هي دار ممر ومعبر إلى دار القرار وهي دار فناءٍ وعناء.
إن على القائد أن يكون المبادر دائماً إلى فعل الخيرات قبل الآخرين ومن هم تحته من المنقادين. حتى يصح أن يكون قدوة يقتدي به غير في الفعل والعمل بل على القائد في موقعه أن يتحمل أكثر من غيره كما كان أمير المؤمنين عليه السلام.
بعد أن تولى أمير المؤمنين عليه السلام السلطة كافح التحول الذي طرأ على الأمة والانحراف عن السنة بأسلوبين: الأول الأسلوب الكلامي من خلا ل المواعظ وتعميم الثقافة الإسلامية. والثاني الأسلوب العملي من خلال بسط العدل في المواساة في العطاء والمعاملة بين كل شرائح المجتمع.
أراد أمير المؤمنين عليه السلام لأهل الإيمان وأولياء اللّه أن يتعاملوا مع الدنيا بالتفكر وطرح التساؤلات المنطقية. ومن خلال تفكرهم بأحوال الماضين الذين جمعوا الدنيا كهارون وقارون وكلهم علموا بأن النفس مظانها في غدٍ جدث ينقطع في ظلمته أخبارها وتغيب آثارها ولا يأخذ معه الإنسان إلا عمله الخالص للّه تعالى.
فيقول عليه السلام في وصف المتقين ونظرتهم إلى الدنيا:
"... أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها".