احصائيات

الردود
0

المشاهدات
26
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

اوسمتي


أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,589

+التقييم
0.63

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
اليوم, 04:40 AM
المشاركة 1
اليوم, 04:40 AM
المشاركة 1
افتراضي هنري كيسنجر
بسم الله الرحمن الرحيم






نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




وُلد هاينز ألفريد كيسنجر في الخامس والعشرين من مايو 1923 في مدينة فورث البافارية، لأسرة يهودية كانت تعيش حياة مستقرة في المجتمع الألماني. مع صعود الحزب النازي وصدور قوانين نورنبرغ عام 1935، فقد والده وظيفته التدريسية بسبب انتمائه الديني. وفي أعقاب أحداث ليلة الكريستال عام 1938، غادرت الأسرة ألمانيا متجهةً إلى لندن ثم إلى نيويورك. وقد لقي ثلاثة عشر من أقاربه حتفهم في معسكرات الإبادة النازية ممن آثروا البقاء.

استقرت الأسرة في حي واشنطن هايتس بمانهاتن، حيث عمل كيسنجر في مصنع خلال النهار والتحق بالدراسة ليلاً. وقد ظلت لكنته الألمانية ملازمة له طوال حياته.

مرحلة الخدمة العسكرية
استُدعي كيسنجر للخدمة في الجيش الأمريكي عام 1943. خدم في وحدات الاستخبارات العسكرية مستفيداً من إتقانه اللغة الألمانية، وأُنيطت به مهام الكشف عن عملاء جهاز الغستابو في المناطق التي حررتها قوات الحلفاء. أدّى مهامه بأسلوب يغلب عليه الطابع البراغماتي البعيد عن الانفعال، وهو طابع لم يفارقه في مراحل حياته اللاحقة.

المسار الأكاديمي
بعد انتهاء الحرب التحق بجامعة هارفارد بموجب قانون إعادة تأهيل المحاربين. تخصص في العلوم السياسية وكتب أطروحة الدكتوراه عن مفهوم النظام الدولي في القرن التاسع عشر، متخذاً من شخصيتَي المستشار النمساوي مترنيخ والسياسي البريطاني كاسلري نموذجَين في إدارة موازين القوى عقب الحقبة النابليونية. نشر لاحقاً كتاباً أثار جدلاً واسعاً حين طرح فيه فكرة الحرب النووية المحدودة أداةً من أدوات الردع الاستراتيجي. أتاح له هذا النشاط الأكاديمي الاندراج تدريجياً في دوائر صنع القرار في واشنطن، إلى أن جاء وصول نيكسون إلى السلطة ليفتح أمامه الباب الأكبر.

العلاقة مع نيكسون والوصول إلى السلطة
حين فاز ريتشارد نيكسون بالرئاسة عام 1968، عيّن كيسنجر مستشاراً للأمن القومي على الرغم من أن الأخير كان قد عمل في السابق لصالح خصومه السياسيين. جمعت الرجلين علاقة قائمة على المصلحة المتبادلة أكثر من الانسجام الشخصي؛ إذ تكشف التسجيلات الصوتية لاحقاً أن كلاً منهما أبدى ازدراءً خاصاً تجاه الآخر، في حين حافظا على تنسيق علني وثيق. اعتمدا معاً نهجاً يقوم على تركيز القرار في دائرة ضيقة، وتجاوز القنوات البيروقراطية الرسمية، وإحكام السرية على المفاوضات الحساسة. وقد أُسند إلى كيسنجر لاحقاً منصب وزير الخارجية عام 1973، فجمع بين المنصبين في سابقة لم تتكرر.

الانفتاح على الصين
في يوليو 1971 توجّه كيسنجر إلى بكين في زيارة سرية، مستتراً بذريعة الراحة الصحية خلال جولة في باكستان. أمضى ثمانية وأربعين ساعة في محادثات مع رئيس الوزراء ذو إن لاي، مهّد خلالها لزيارة نيكسون التاريخية في فبراير 1972. كان الهدف الاستراتيجي من هذه الخطوة إيجاد ثقل موازن للاتحاد السوفيتي، وإلحاق الضغط النفسي على موسكو عبر التقارب الأمريكي مع بكين. وقد أسهمت هذه الخطوة في إعادة رسم بنية التوازن الدولي في مرحلة الحرب الباردة، وإن كانت الدوافع خلفها استراتيجية بحتة لا تنطوي على أي بُعد قيمي أو أيديولوجي.

ملف فيتنام
ورثت إدارة نيكسون حرباً مستعصية في فيتنام. دارت مفاوضات باريس على مستويين متوازيين: جلسات علنية شكلية، ولقاءات سرية بين كيسنجر ونظيره الفيتنامي لي دوك ثو كانت المحرّك الفعلي للمسار التفاوضي. في يناير 1973 وُقّعت اتفاقية باريس وانسحبت القوات الأمريكية. سقطت سايغون بعد عامين.

مُنح كيسنجر ولي دوك ثو جائزة نوبل للسلام عام 1973 على هذه المفاوضات. رفض الجانب الفيتنامي قبول الجائزة، واستقال عضوان من لجنة نوبل احتجاجاً. وقد جاء هذا القرار في سياق أوسع من الانتقادات التي طالت الأسلوب الذي أُديرت به الحرب برمّتها، وفي مقدمتها ملف القصف السري على كمبوديا.

قصف كمبوديا السري (1969–1973)
في موازاة مفاوضات السلام العلنية، أصدرت إدارة نيكسون بتوجيه مباشر من كيسنجر أوامر بقصف مكثف على الأراضي الكمبودية التي كانت تستخدمها قوات فيتنام الشمالية ممراً لوجستياً. أُخفيت هذه العمليات كلياً عن الكونغرس والرأي العام، وزُوِّرت وثائق العمليات العسكرية الرسمية لطمس الأهداف الحقيقية.

استمر القصف أربع سنوات. أُسقط على كمبوديا ما يزيد على نصف مليون طن من القنابل. قُتل ما يتراوح بين مئة وخمسين ألف وخمسمئة ألف مدني كمبودي. دمّرت الغارات البنية الاجتماعية والزراعية لمناطق ريفية واسعة، وأسهمت في تهيئة البيئة التي صعد منها نظام الخمير الحمر بقيادة بول بوت، الذي ارتكب لاحقاً إبادة جماعية راح ضحيتها ما يقارب ربع سكان كمبوديا.

تشيلي والانقلاب على الديمقراطية (1973)
في عام 1970 فاز سالفادور أليندي بالانتخابات الرئاسية التشيلية في تصويت حر ونزيه. كان أليندي اشتراكياً، وهذا كان كافياً لدى كيسنجر لاعتباره تهديداً يستوجب التدخل. صرّح في اجتماعات داخلية بما لا يقبل التأويل: "لا أرى لماذا يجب أن نقف مكتوفي الأيدي بينما تصبح دولة شيوعية بسبب تهور شعبها."

بدأت وكالة الاستخبارات المركزية بتوجيه من كيسنجر تمويل أحزاب المعارضة والإعلام المعادي لأليندي، والتنسيق مع عناصر عسكرية تسعى إلى الإطاحة به. في سبتمبر 1973 نفّذ الجنرال بينوشيه انقلابه، وقُصف قصر لا مونيدا الرئاسي بالطائرات، ومات أليندي داخله. اعتُقل ما يزيد على أربعين ألف شخص في الأسابيع الأولى وحدها، وعُذّب آلاف منهم، واختفى ما لا يقل عن ثلاثة آلاف شخص إلى الأبد. استمر نظام بينوشيه سبعة عشر عاماً.

بنغلاديش وسياسة التغاضي عن المجازر (1971)
في مارس 1971 شنّ الجيش الباكستاني عملية عسكرية في باكستان الشرقية استهدفت بصورة ممنهجة المدنيين والمثقفين والأقليات. راح ضحيتها ما بين ثلاثمئة ألف ومليون شخص، فيما اغتُصبت ما يتراوح بين مئتي ألف وأربعمئة ألف امرأة في جريمة استُخدم فيها الاغتصاب سلاحاً حربياً ممنهجاً.

أرسل القنصل الأمريكي في دكا آرتشر بلود، مع سبعة وعشرين دبلوماسياً أمريكياً، برقية رسمية وصفوا فيها ما يجري بأنه "إبادة انتقائية". ردّ كيسنجر بفصل بلود من منصبه ونقله إلى وظيفة هامشية، ووصف المحتجين بأنهم يميلون إلى العواطف على حساب المهنية. وواصلت واشنطن إمداد باكستان بالأسلحة طوال فترة المجازر. المسوّغ كان واحداً: باكستان كانت الوسيط السري للتواصل مع الصين.

أنغولا وتيمور الشرقية
حين نالت أنغولا استقلالها عام 1975، تدخّل كيسنجر سراً لدعم الفصائل المعادية للحركة الشعبية ذات التوجه الماركسي، بما في ذلك التنسيق مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وحين كشف الكونغرس عن هذا التدخل وحظره، وصف كيسنجر القرار بأنه تخلٍّ عن المسؤولية.
في إندونيسيا، وقبل ساعات من الغزو الإندونيسي لتيمور الشرقية عام 1975، التقى كيسنجر بالرئيس سوهارتو في جاكرتا. تشير الوثائق التي رُفعت عنها السرية لاحقاً إلى أن واشنطن أبدت تفهماً للعملية العسكرية المرتقبة. راح ضحية الغزو ما يتراوح بين مئة وثمانية وسبعين ألف وثلاثمئة ألف شخص، أي ما يعادل ربع سكان الجزيرة تقريباً.

التنصت وانتهاك الحريات الداخلية
داخل الولايات المتحدة نفسها، أشرف كيسنجر على عمليات تنصت غير مشروعة طالت صحفيين وموظفين حكوميين ومساعدين من طاقمه الشخصي، بهدف تتبع مصادر التسريبات إلى الصحافة. حين كُشف عن هذا الأمر خلال تحقيقات ووترغيت، نفى كيسنجر أي تورط مباشر، غير أن الوثائق التي أُفرج عنها لاحقاً قدّمت صورة مغايرة.

الملاحقات القضائية التي لم تكتمل
في مطلع الألفية الثالثة أصدر القاضي الإسباني بالتازار غارثون طلباً رسمياً لاستجواب كيسنجر في قضايا تتصل بمقتل مواطنين إسبان في تشيلي. حين توجّه كيسنجر إلى باريس، سعت السلطات القضائية الفرنسية إلى استجوابه هناك أيضاً، فغادر مسرعاً قبل تلقّي أي استدعاء رسمي. تقدّم المحامي والكاتب كريستوفر هيتشنز بمطالعات قانونية مفصّلة في كتابه "محاكمة هنري كيسنجر" يصف فيها جرائم يرى أنها توجب الملاحقة القضائية الدولية. لم تُفضِ أي من هذه المساعي إلى محاكمة فعلية.

الوفاة وتباين ردود الفعل
ظل كيسنجر حاضراً في المشهد العام حتى سنواته الأخيرة؛ يكتب ويحاضر ويلتقي بالمسؤولين. توفي في نوفمبر 2023 عن مئة عام. تباينت ردود الفعل تبايناً حاداً: رثاء رسمي من زعماء وحكومات في جهة، واحتفاء علني في شوارع دول تضررت من سياساته في جهة أخرى.

خلاصة تقييمية
ما يميّز مسيرة كيسنجر عن غيره من صانعي القرار ليس فقط حجم التأثير أو فداحة التداعيات، بل الاتساق المنهجي في المنطق الذي يربط بين القرارين معاً. لم تكن الانتهاكات الموثقة في حقه قرارات اندفاعية أو أخطاء تقدير معزولة، بل كانت نتاجاً طبيعياً لرؤية متماسكة ومُعلنة تُقدّم الاستقرار الاستراتيجي وموازين القوى على أي اعتبار آخر. طبّق هذه الرؤية بصرامة في كل ملف تقريباً، من الانفتاح على الصين إلى التغاضي عن المجازر، ومن مفاوضات السلام إلى دعم الانقلابات.

وتبقى المسافة بين ما حقّقه على صعيد موازين القوى الدولية وما خلّفه من ضحايا موثقين، هي الإشكالية التي لا يزال المؤرخون والفلاسفة والقانونيون يتجادلون حولها — ليس لأن الإجابة غائبة، بل لأن السؤال نفسه يمسّ جوهر ما نعنيه بالسياسة وحدودها الأخلاقية.



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: هنري كيسنجر
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هنري بيكريل أ محمد احمد منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير 0 11-05-2024 07:06 AM
هنري روبرتسون باورز أ محمد احمد منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير 0 06-22-2023 03:58 AM
هنري نستله أ محمد احمد منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير 2 12-29-2021 06:24 AM
هنري جيمس – د. زياد الحكيم د. زياد الحكيم منبر الآداب العالمية. 2 06-01-2012 01:19 AM
Henri Bergson / هنري برغسون دنيا أحمد منبر الآداب العالمية. 4 12-26-2010 12:09 AM

الساعة الآن 12:50 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.