حفظ اللسان عن أذى الناس
بسم الله الرحمن الرحيم
يعيش الإنسان في مجتمع يقوم على التعاون والتراحم، ولا يمكن لهذا المجتمع أن يستقيم إلا إذا سادت فيه الأخلاق الحسنة، ومن أهمها حفظ اللسان عن الخوض في أعراض الناس وكشف عيوبهم. فالتحدث عن سلبيات الآخرين وتتبع أخطائهم يُعدّ من أسوأ العادات التي تفسد العلاقات وتزرع الفتن بين الناس، كما أنه يدل على ضعف الوازع الديني وقلة الوعي الأخلاقي.
إن الإنسان بطبيعته غير معصوم من الخطأ، وكل فرد يحمل في شخصيته عيوبًا ونقائص، فلا يوجد أحد كامل. ومن هنا، فإن من يكشف عيوب الناس ويتحدث عن سلبياتهم هو في الحقيقة شخص له عيوبه الخاصة، وكان الأولى به أن ينشغل بإصلاح نفسه ومعالجة أخطائه بدلاً من تتبع أخطاء الآخرين. فإصلاح النفس دليل على النضج والحكمة، بينما الانشغال بعيوب الآخرين دليل على الغفلة وقلة الوعي.
الإنسان الذي يسعى لتصحيح عيوبه قبل أن ينتقد الآخرين يكون أكثر قدرة على التوجيه والنصيحة، لأن كلامه ينبع من خبرة حقيقية وفهم لطبيعة الإنسان. أما من يركز على أخطاء غيره بينما يغفل عن أخطائه، فإنه غالبًا ما يفقد احترام الناس، ويثير النفور والكراهية حوله، لأن هذا السلوك يُظهره متكبرًا وناقدًا بلا مبرر.
كما أن كشف عيوب الناس يسبب أذى نفسيًا كبيرًا، ويجرح مشاعرهم، وقد يؤدي إلى تشويه سمعتهم أمام الناس. وقد نرى في حياتنا اليومية أمثلة عديدة: شخص ينتقد زميله في العمل أمام الآخرين بسبب خطأ صغير، بينما لديه هو أخطاء أكثر، أو شخص يسخر من مظهر أو عادة صديق له بينما يغفل عن تصرفاته السيئة. هذه التصرفات تسبب النفور وتضعف الروابط الاجتماعية، وتبعد الناس عن بعضهم البعض بدل أن تقويها.
ومن الواجب أيضًا على من يرى أو يسمع أو يقرأ شيئًا سلبيًا عن الآخرين أن يكتمه، كما لو أنه لم يره أو يسمعه، فلا ينقله أو يروج له بين الناس. فالكلمة التي تنتقل بلا حكمة يمكن أن تضر بالآخرين أكثر من الضرر الذي سببته الفعلة نفسها. وإن كتمان العيوب وحفظ الأسرار يعكس خلقًا راقيًا وضميرًا حيًا، ويُظهر احترامًا للآخرين ولسمعتهم.
وقد جاء الدين الإسلامي بتعاليم واضحة تحث على ستر العيوب وتحرم الغيبة والنميمة، وأمر بالإصلاح والنصيحة بالتي هي أحسن دون فضيحة أو تشهير. فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: “من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة”، وهذه دعوة صريحة لحماية كرامة الآخرين وعدم كشف عيوبهم. كما أن النصح يكون بحكمة ورحمة، فلا ننتقد من أجل الإهانة أو التفوق على الآخرين، بل بهدف الإصلاح والارتقاء بهم.
من الجانب الاجتماعي أيضًا، فإن الانشغال بعيوب الآخرين يضيع الوقت والجهد فيما لا فائدة منه، بينما توجيه هذا الجهد إلى تطوير الذات والاعتراف بالأخطاء والسعي لتصحيحها يرفع من شأن الإنسان ويزيد من احترام الناس له. فالذي يحاسب نفسه أولًا، ويتعلم من أخطائه، يصبح أكثر حكمة وأكثر قدرة على التعامل مع الآخرين، بينما من يركز على أخطاء غيره فقط يظل شخصًا ضعيف النفس ومثيرًا للفتنة.
وفي الختام، يجب على الإنسان أن يتذكر أنه ليس كاملًا، وأن له عيوبًا كما لغيره، ولذلك فالأجدر به أن يعالج عيوبه ويسعى لتحسين أخلاقه، وأن يجعل لسانه وسيلة للخير لا للأذى. كما يجب أن يكتم ما يعرفه عن أخطاء الآخرين، كأن لم يسمع أو يرى شيئًا، ليحافظ على سمعتهم ومودتهم، فبإصلاح النفس، وحفظ اللسان، واحترام الآخرين، ونصحهم بلطف، يُبنى مجتمع متماسك يسوده التفاهم والمحبة والسلام. وعندما يكون الإنسان قد أصلح نفسه، يكون قادرًا على تقديم النصيحة والمساعدة للآخرين بطريقة تجعلهم يتقبلونها دون جرح لمشاعرهم، وهذا هو الطريق الحقيقي للحياة الطيبة والمجتمع السليم.
التعديل الأخير تم بواسطة ثريا نبوي ; اليوم الساعة 04:27 AM
سبب آخر: تصويب العنوان في فهرس المنبر