تعود جذور الوجود العلمي الأمريكي الدائم عند القطب الجنوبي إلى السنة الجيوفيزيائية الدولية التي أُعلنت عام 1957، وهي مبادرة علمية عالمية جرت في ذروة الحرب الباردة، وسعت إلى تشجيع التعاون العلمي بين الدول رغم الانقسام السياسي الحاد آنذاك. وابتداءً من نوفمبر 1956، شيد طاقم من فرق البحرية الأمريكية المعروفة باسم "السيبيز" المحطة الأصلية، التي حملت اسم أموندسن-سكوت تكريمًا للمستكشفَين اللذين وصلا إلى القطب الجنوبي أول مرة في مطلع القرن العشرين.
كانت هذه المحطة الأولى، التي عُرفت لاحقًا باسم "القطب القديم"، بناءً عسكريًّا بسيطًا من ألواح خشبية مسبقة الصنع أُسقطت جوًّا فوق الموقع، وأُقيمت خلالها أولى عمليات المكوث الشتوي في تاريخ القطب الجنوبي. ومنذ شتاء عام 1957 الأول، بدأ جمع أولى البيانات الجوية التي ستشكل لاحقًا السجل المتصل الطويل الأمد الذي تعتمد عليه الهيئة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي حتى اليوم.
مرحلة القبة الجيوديسية: بناؤها ثم هدمها
مع تزايد الاهتمام بالبحث القطبي، تبين أن المحطة الأصلية لم تعد كافية، إذ بدأت جدرانها وأقواسها المعدنية تتشوه تحت الضغط المستمر لتراكم الثلوج، وأصبحت مولداتها الكهربائية مصدر أعطال متكررة.
لذلك، أُعيد بناء القسم المركزي للمحطة عام 1975 على هيئة قبة جيوديسية من تصميم بكمنستر فولر، بلغ قطرها خمسين مترًا وارتفاعها ستة عشر مترًا، وامتدت من جانبيها أقواس فولاذية كبيرة غطت مبانٍ معيارية وخزانات وقود ومعدات متنوعة. وقد صُممت القبة بذكاء هندسي لتفريغها من الحاجة إلى أعمدة داخلية، مما وفر مساحة داخلية واسعة ومرنة احتوت مبانٍ للسكن والطعام والترفيه ومختبرات مخصصة لدراسة الغلاف الجوي وعلوم الفلك والفيزياء الفلكية، إضافة إلى برج مربع الشكل عُرف باسم "سكاي لاب" خصص لأجهزة الرصد الجوي.
غير أن القبة، رغم متانتها الظاهرية في مقاومة تراكم الثلوج وصد الرياح القطبية العاتية، بدأت تعاني مع مرور الوقت من مشكلات هيكلية متفاقمة، إذ سُمع عام 1988 صوت تصدع واضح تبين لاحقًا أنه ناتج عن انكسار في عوارض الدعم الرئيسية جراء الإجهاد المتراكم. كما أخذت القبة تغوص تدريجيًّا في الجليد عامًا بعد عام، وأصبح إزالة الثلوج المتراكمة فوقها عبئًا سنويًّا يستهلك وقودًا ووقت طاقم ثمينَين خلال الصيف القطبي القصير.
ومع بدء تشغيل المحطة المرتفعة الجديدة الأحدث بنيويًّا في مطلع الألفية، غدت القبة عبئًا لا مبررًا لبقائه، فبدأ نقل معداتها إلى المبنى الجديد عام 2003، ثم فُككت بالكامل خلال ديسمبر 2009 ويناير 2010 بعد أكثر من ثلاثة عقود من الخدمة، ونُقلت أجزاء منها إلى كاليفورنيا للحفظ، بينما عُرض جزؤها العلوي المركزي لاحقًا في أحد المتاحف.
أما المحطة الأصلية "القطب القديم"، التي كانت قد دُفنت تمامًا تحت الجليد بعد هجرها عام 1975، فقد بقيت قائمة تحت السطح حتى انهار سقفها الخشبي تحت ضغط الجليد، ثم فُجرت بالديناميت ودُمرت نهائيًّا في ديسمبر 2010، بعدما سقط أحد عمال الصيانة عبر هيكلها المتصدع أثناء اختبار ثبات الثلج فوقها.
تأسيس مرصد الأرصاد الجوية المتخصص
بالتوازي مع هذه التطورات المعمارية للمحطة الرئيسية، كانت هناك حاجة متنامية لمنشأة رصد جوي متخصصة تُبقي أجهزة القياس بعيدة عن أي تلوث ناتج عن الأنشطة الصناعية اليومية للمحطة، من مولدات ووقود ومركبات.
لذلك، وبعد أن ظل الرصد الجوي دون موظف متفرغ لسنوات طويلة، أمضى فيرن رمبل، أول موظف مخصص من الهيئة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، شتاء عامي 1971-1972 في المكان، قبل أن يُشيَّد في صيف 1976-1977 أول مبنى دائم مخصص للرصد الجوي، وحمل اسم "منشأة الهواء النظيف".
خدمت هذه المنشأة لعقدين كاملين قبل أن يحل محلها المبنى الحالي، المعروف باسم "مرصد الأبحاث الجوية"، الذي شُيّد عام 1997 وما زال قيد التشغيل حتى اليوم.
موقع المرصد ومنطقة الهواء النظيف
يقع مرصد الأبحاث الجوية على بعد نحو أربعمائة متر إلى الشمال الشرقي الشبكي من المحطة الرئيسية، في موضع مدروس بعناية عند حافة منطقة مخصصة تُعرف باسم "قطاع الهواء النظيف".
وقد اختير هذا الموقع تحديدًا بسبب ثبات أنماط الرياح القطبية بشكل لافت، مما يجعل من الممكن إبقاء المرصد في الجهة المقابلة لريح أي تلوث محلي، بحيث يظل الهواء الذي يُؤخذ منه العينات ممثلًا حقيقيًّا للحالة الخلفية النقية للغلاف الجوي فوق القارة القطبية الجنوبية.
موقع المرصد ضمن شبكة أوسع
لم يكن اختيار القطب الجنوبي عشوائيًا ضمن الشبكة الأوسع لمراصد الأرصاد، بل جاء ضمن استراتيجية علمية مدروسة اعتمدتها الهيئة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي منذ السبعينيات، قضت باختيار مواقع تمثل خطوط عرض متباينة في نصفي الكرة الأرضية: القطب الجنوبي بوصفه الموقع القطبي، وجبل مونا لوا في هاواي بوصفه الموقع المتوسط العرض، وبارو في ألاسكا، وساموا الأمريكية بوصفها الموقع الاستوائي. تشكل هذه المراصد الأربعة معًا شبكة "مراصد الخط الأساسي للغلاف الجوي"، المصممة لتوفير سجلات طويلة الأمد ودقيقة لتركيز الغازات الجوية والهباء الجوي والإشعاع السطحي، بمعزل عن أي تأثير بشري أو نباتي أو حيواني محلي قد يشوّه القراءات.
المهمة العلمية اليوم
تطورت المهمة العلمية للمرصد عبر الزمن لتشمل عدة محاور بحثية متشابكة، أبرزها رصد تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون والغازات الدفيئة الأخرى ضمن سجل طويل يُعد من أطول السجلات المتصلة في العالم لهذا الغاز، إضافة إلى دراسة التغيرات في الهباء الجوي، ومراقبة الإشعاع الشمسي والسطحي، والأهم من ذلك متابعة التعافي التدريجي لطبقة الأوزون الستراتوسفيرية فوق القارة القطبية الجنوبية، وهي الظاهرة التي اشتهرت باسم "ثقب الأوزون" منذ اكتشافه في الثمانينيات.
العزلة القطبية وحياة العاملين
يتميز العمل في هذا المرصد بتحديات فريدة ترتبط بطبيعة المكان نفسه، إذ يعيش العاملون فيه ستة أشهر متصلة من الظلام الشتوي القطبي تنعدم خلالها رحلات الإمداد الجوي تمامًا، ولا تُستأنف الرحلات إلا مع عودة الشمس في الربيع الجنوبي. ويبقى هذا المرصد اليوم شاهدًا حيًّا على فكرة أن أقسى بقاع الأرض وأكثرها عزلة يمكن أن تتحول، بفضل الإصرار العلمي المستمر منذ أكثر من ستة عقود، إلى نافذة لا تُقدَّر بثمن لفهم كيفية تغيّر غلافنا الجوي على المستوى الكوكبي.