احصائيات

الردود
0

المشاهدات
560
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

أ محمد احمد is on a distinguished road

    موجود

المشاركات
2,762

+التقييم
0.66

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
08-21-2026, 07:13 AM
المشاركة 1
08-21-2026, 07:13 AM
المشاركة 1
افتراضي نبوخذ نصر
بسم الله الرحمن الرحيم









في قلب بلاد ما بين النهرين، حيث التقى نهرا دجلة والفرات ليغذيا واحدة من أعرق الحضارات التي عرفتها البشرية، برز اسم نبوخذ نصر الثاني ليصبح مرادفاً للقوة والعظمة والقسوة في آن واحد. هذا الملك الذي حكم بابل ثلاثة وأربعين عاماً، لم يكن مجرد فاتح عسكري، بل كان بانياً لحضارة تركت بصمتها في التاريخ والدين والأسطورة معاً، حتى أصبح ذكر فعله حاضراً في القرآن الكريم والكتب المقدسة كرمز للجبروت والعقاب الإلهي.

الاسم واللقب
الاسم الأكدي الكامل للملك هو "نبو كودورو أوصور"، ومعناه نابو حامي الحدود، نسبة إلى الإله نابو إله التجارة عند البابليين وابن الإله مردوخ. أما الفرس فقد أطلقوا عليه اسم بختنصر، ومعناه السعيد الحظ، وهو الاسم الذي شاع في المصادر العربية والإسلامية. ويفضل الأكاديميون والمؤرخون المعاصرون تسميته بـ"نبوخذ نصر الكبير" أو "نبوخذ نصر الثاني"، تمييزاً له عن ملك آخر يحمل الاسم ذاته حكم بابل في القرن الثاني عشر قبل الميلاد.

الأصول والنشأة: وريث إمبراطورية ناشئة
لم يكن نبوخذ نصر الثاني مؤسس الدولة البابلية الحديثة، بل كان الابن الأكبر والوريث الشرعي لنبوبولاسر، مؤسس السلالة البابلية الحادية عشرة. وقد وصف المؤرخ الكلداني بيروسوس نبوبولاسر بأنه حوّل بابل من منطقة خاضعة للاحتلال الآشوري إلى إمبراطورية عظيمة، بعد أن تمرد عليها عام 626 قبل الميلاد وتحالف مع الميديين لإسقاط نينوى عاصمة آشور عام 612 قبل الميلاد.

وقبل أن يعتلي نبوخذ نصر العرش، قاد الجيوش الكلدانية لهزيمة بقايا الآشوريين الذين حظوا بدعم الفرعون المصري نخاو الثاني، فحقق نصراً حاسماً في معركة كركميش الشهيرة عام 605 قبل الميلاد، ثم أحكم سيطرته على الشام وفينيقية. وفي شهر أغسطس من العام نفسه توفي والده نبوبولاسر، فأسرع نبوخذ نصر بالعودة إلى بابل ليُتوَّج ملكاً شرعياً عليها.

التوسع نحو الغرب: من غزة إلى فينيقية

بمجرد اعتلائه العرش، شرع نبوخذ نصر في سياسة توسعية طموحة استهدفت السيطرة على طرق التجارة الاستراتيجية التي تربط بلاد الرافدين بمصر عبر بلاد الشام. ومن اللافت أن الملك لم يكن يُدمّر المدن التي يدخلها، بل اكتفى غالباً بفرض الجزية عليها. ومدّ جيوشه حتى وصل إلى حدود مصر عند أرض غزة الحالية، حيث خاض معركة غزة عام 601 قبل الميلاد، والتي حالت دون توغل البابليين داخل الأراضي المصرية نفسها.

وبعد انسحاب المصريين من بلاد الشام، بدأت مصر تحرّض الممالك الكنعانية على التمرد ضد السيادة البابلية. فكانت مدينة عسقلان أول من عصى، إذ ثارت عام 604 قبل الميلاد، فقام نبوخذ نصر باحتلالها وسبى بعض سكانها ونصّب عليها ملكاً آخر موالياً له.

سقوط أورشليم: الحدث الأعظم في السجل التوراتي
لم تكن مملكة يهوذا بمنأى عن هذا الاضطراب. فحين رفض ملكها يهوياقيم دفع الجزية وأعلن العصيان، فرض نبوخذ نصر الحصار على أورشليم، وانتهى الأمر بسبي عدد من سكانها مع ملكهم الجديد يهوياكين عام 597 قبل الميلاد. ومع ذلك لم يُسقط الملك البابلي مملكة يهوذا كلياً، بل نصّب صدقيا بن يهوياقيم ملكاً عميلاً عليها.

غير أن صدقيا نقض العهد وتحالف مجدداً مع مصر مدفوعاً بالتحريض المصري، فتحرك البابليون أولاً لهزيمة القوة المصرية التي جاءت لنجدة يهوذا، ثم اتجهوا لمحاصرة أورشليم لمدة عام كامل، حتى تمكن نبوخذ نصر من اختراق أسوارها. وفي هذه المرة لم يكتفِ بالسبي، بل أمر بحرق هيكل سليمان وسبى معظم سكان المدينة، ومنهم صدقيا نفسه، لتنتهي بذلك سلالة داود التي حكمت يهوذا. وقد نقل الإمام الثعلبي في تفسيره رواية تصف كيف نقض بختنصر المسجد وجرّد سقوفه وحيطانه مما كان فيها من ذهب وفضة وجواهر، وحمل ذلك كله إلى دار مملكته في أرض العراق. وتتفاوت المصادر التاريخية بين تأريخ هذا السقوط النهائي بعام 587 أو 586 قبل الميلاد.

هذا الحدث لم يشكل فقط كارثة سياسية لمملكة يهوذا، بل تحولاً روحياً عميقاً في الفكر الديني اليهودي، إذ فُسّر السقوط على أنه عقاب إلهي على انحراف بني إسرائيل عن شريعتهم، فيما عُرف تاريخياً بـ"السبي البابلي".

حصار صور: أطول حصار في التاريخ القديم
لم تهدأ المنطقة بعد سقوط أورشليم، إذ عصت مدينة صور الكنعانية على السيادة البابلية، فحاصرها نبوخذ نصر مدة ثلاثة عشر عاماً كاملة، من عام 585 حتى عام 572 قبل الميلاد، حتى أذعن الكنعانيون أخيراً للهيمنة البابلية. ويُعد هذا الحصار أطول حصار مسجل على مدينة واحدة في التاريخ. وقد جاء في أحد الألواح الأثرية أن نبوخذ نصر نفسه وصف كيف تمكن من عزل ملك صور "الشرير"، وشق طرقاً بين الجبال للوصول إليها، وشتّت سكانها "الأشرار" إلى الجهات الأربع، قبل أن يختار ملكاً جديداً موالياً له على المدينة.

المواجهة الأخيرة مع مصر
وحسب لوح أثري محفوظ حالياً في لندن، جهّز نبوخذ نصر في السنة السابعة والثلاثين من حكمه جيشاً للزحف نحو مصر لمواجهة الفرعون أحمس الثاني. وحين علم الفرعون بذلك، جهّز بدوره جيشاً مصرياً واتجه نحو فينيقية لملاقاته. غير أن نتائج هذه المواجهة تبقى مجهولة، إذ إن النص المسماري الذي يوثقها غير واضح ومخروم في أجزاء حاسمة منه.

فعله في القرآن الكريم: إشارة ضمنية لا تسمية صريحة
لم يرد اسم نبوخذ نصر صراحةً في القرآن الكريم، لكن فعله وغزوه لأورشليم وردا بالإشارة الضمنية دون تسمية، وذلك في الآيات من سورة الإسراء، حيث يقول الله تعالى:

﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾** (الإسراء: 4)

﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾** (الإسراء: 5)

﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾** (الإسراء: 6)


فالآيات لم تذكر اسماً بعينه، بل وصفت "عباداً أولي بأس شديد" يُبعثهم الله على بني إسرائيل عقاباً على إفسادهم في الأرض وعلوهم. والربط بين هذا "التسليط الأول" وبين غزو نبوخذ نصر لأورشليم هو استنباط اجتهد فيه جمهور من المفسرين، منهم الطبري وابن كثير، استناداً إلى توافق الوصف القرآني مع تفاصيل الغزو البابلي وتخريب الهيكل وسبي بني إسرائيل الثابتة في المصادر التاريخية. أما "الإفساد الثاني" و"التسليط الثاني" فقد اختلف فيهما المفسرون، فمنهم من ربطه بأحداث لاحقة، ومنهم من رآه إشارة إلى الغزو الروماني لأورشليم عام 70 ميلادية بقيادة تيطس.

بابل في أوج مجدها: عاصمة العالم
لم يكن نبوخذ نصر سفاحاً فحسب، بل كان أيضاً بانياً عظيماً حوّل بابل إلى أعجوبة معمارية أذهلت كل من زارها من الرحالة والمؤرخين القدامى. فقد دعّم المدينة بسورين، أحدهما داخلي والآخر خارجي، بعرض ضخم جعل المؤرخ اليوناني هيرودوت يذكر أن بابل كانت المدينة الوحيدة في العالم القديم التي يمكن للعربات أن تسير فوق سورها. كما بنى للمدينة ثماني بوابات، كان أعظمها بوابة عشتار المزينة بألواح من الطوب المزجج المزركش برسوم التنانين والثيران، والتي كانت تتوسط شارع الموكب الذي يُحتفل فيه بعيد أكيتو، رأس السنة البابلية.

وشملت أعماله العمرانية أيضاً بناء معبد إيساكيلا، ومعبد إيتيمينانكي، وهو الزقورة الشهيرة التي عُرفت عند اليهود ببرج بابل، والتي كانت في المعتقد البابلي مسكناً للإله مردوخ. كما بنى قصراً كبيراً لنفسه، ونُسب إليه تمثال أسد بابل الذي لا يزال قائماً في موقع بابل الأثري حتى اليوم. ولم تقتصر إنجازاته على العاصمة، إذ عبّد عدة طرق، خاصة في بلاد الشام وجبل لبنان، حيث لا تزال بعض نقوشه وكتاباته محفورة في صخور تلك الجبال. وذُكر أيضاً أنه وضع مدونة قانونية على غرار شريعة حمورابي، طوّرها وسمّاها "شريعة الشمس".

وقد نقش الملك على جدار بوابة عشتار كلمات تفاخر ببنائه لتلك الأسوار والبوابات، وبإيصاله المياه إليها، وبتزيينه إياها برسوم الثيران والتنانين، معبراً عن رغبته في أن تتمتع البشرية برؤية هذا المشهد المهيب.

أما حدائق بابل المعلقة، إحدى عجائب الدنيا السبع القديمة، فقد ذكر بيروسوس أنها بُنيت إكراماً لزوجة نبوخذ نصر الميدية، أميديا، ابنة الملك سياخريس الذي كان قد تحالف مع نبوبولاسر، وذلك حين اشتاقت إلى جبال وطنها الخضراء وسط سهول بابل القاحلة. ويصف هيرودوت كيف كانت هذه الحدائق تُروى عبر منظومة من الأنابيب ترفع المياه إلى الأعلى، وهو نظام ري متقدم يعكس مهارة هندسية بابلية لافتة، وإن كانت بعض الروايات الشعبية اللاحقة بالغت في ربط هذه التقنية بمبادئ رفع المياه التي عُرفت لاحقاً باسم أرخميدس، رغم أن هذا الأخير عاش بعد نبوخذ نصر بقرابة ثلاثة قرون. غير أن الباحثين المعاصرين ما زالوا في جدل حول الموقع الحقيقي لهذه الحدائق، بل يرجح بعضهم أنها كانت في نينوى الآشورية لا في بابل نفسها، وأن الروايات اليونانية القديمة خلطت بين الموقعين.

صفات الملك وشخصيته

يُوصف نبوخذ نصر بأنه كان قائداً عالمياً استثنائياً عبر التاريخ، يستخدم ذكاءه وعبقريته للاستفادة القصوى من الشعوب التي يحتلها، حتى إنه كان يستنفد إمكانياتها البشرية والمادية إلى حد التحكم بمصائرها. ومع ذلك، فقد امتاز بتسامح ديني لافت وحرية فكرية، إذ سمح للشعوب الخاضعة لحكمه بعبادة آلهتها، بل شارك بعضها طقوسها الدينية واحترم معتقداتها. ولهذا السبب اشتهر بلقب "مقيم المدن"، إذ كان يُنظر إليه كفاتح باني للمدن لا كغازٍ هادم لها، معتمداً في ذلك على مشورة مستشاريه. ومن أقواله المأثورة التي تُنسب إليه: "الكبرياء الزائدة مدمرة للنفس".

أسطورة الجنون: بين التاريخ والرواية الدينية
يورد سفر دانيال في العهد القديم قصة مثيرة مفادها أن نبوخذ نصر أصيب بنوع من الجنون استمر سبع سنوات، حيث فقد عقله وعاش كالحيوان يأكل العشب، عقاباً له على كبريائه وادعائه العظمة الإلهية، قبل أن يستعيد رشده ويعترف بسلطان الإله الأعلى. ورغم أن هذه القصة لا تجد سنداً مباشراً في السجلات البابلية المسمارية، فإن بعض الباحثين ربطوا بينها وبين نص بابلي غامض يتحدث عن اضطراب أصاب الملك نفسه أو ربما أحد خلفائه، مثل الملك نابونيدس الذي عُرف بغرابة أطواره وانعزاله الطويل في تيماء بالجزيرة العربية.

السنوات الأخيرة والإرث
حكم نبوخذ نصر الثاني بابل ثلاثة وأربعين عاماً، بنى خلالها إمبراطورية كلدانية بابلية امتدت من الخليج العربي وبلاد فارس شرقاً حتى البحر الأبيض المتوسط غرباً، فكانت بابل في زمنه أقوى إمبراطوريات العالم وأجمل مدنه، نالت شهرة واسعة بين الأمم. وفي الشهر السادس من سنة حكمه الأخيرة، توفي الملك عن عمر يناهز ثلاثة وأربعين عاماً في الحكم، وخلفه ابنه أميل مردوخ.

ورغم أن الإمبراطورية التي بناها بجهد ودأب لم تصمد طويلاً بعد وفاته، إذ دبّ فيها الضعف والصراع على السلطة بين خلفائه حتى سقطت بابل نهائياً بيد كورش الفارسي عام 539 قبل الميلاد، فإن اسم نبوخذ نصر بقي خالداً في الذاكرة الإنسانية، رمزاً مزدوجاً للعبقرية المعمارية والطموح الحضاري من جهة، وللبطش والغطرسة والعقاب الإلهي من جهة أخرى، حاضراً في النصوص الدينية الثلاثة الكبرى، وفي كل مرة يُستحضر فيها التاريخ القديم كمرآة لصعود الإمبراطوريات وسقوطها.



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:14 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.