قديم 05-10-2026, 06:33 PM
المشاركة 471
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
من أزمات النفس...
ذلك التَّسور لمآسي الماضي، والرجوع إلى أيام انقضت، والعيش في تفاصيلها، فيعايش الإنسان الألم وكأنه حاضر لا يزال يتجرع غصته، ويستحضر وجعه، ويستنطق صمته.


فثمة من يحتفظ بذاكرة لا تنسى أدق تفاصيل اللحظات، ولا تسقط من دفاترها أنين العثرات، غير أن العقل ذاته يرفض تجاوز ما كان، ويغرس في النفس أن الحاضر قد بدد ما مضى، وإن بقيت آثاره شاهدة عليه، ودليلا إليه، وندبة لا يطويها النسيان ولا يخفيها الزمان.


فيظل المرء بين وطأة الذكرى وقيد الحسرة، يرمم ما تكسر في داخله، ويخفي ما تعثر من مشاعره، بينما القلب يراوح بين حنين يثقله، وصبر يسنده، ووجع كلما خبا عاد فأوقد في الروح أسئلته.

قديم 05-10-2026, 06:35 PM
المشاركة 472
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
هي مجاراة الصراع المحتدم بين ماضٍ حاضر، ومستقبل متعثر، تلوك الألسن ما يقطر من عقل حائر، ويقتات القلب على فتات ما تبقى من الحسرات؛ إرثا ممن فارقه، وندبة ممن عانقه.


وكأن الحزن قدر لا فكاك منه، ورفيق لا مهرب عنه، كلما خبا أواره عاد فأوقد في الروح ناره.


ومن شدة المصاب كرهت للقلم قبضته، إذ غدا الألم حبرا يمازجه، والوجع معنى يلازمه، حتى ضاق الفضاء برحابته، وانطفأ السرور من فجاجه ومسالكه.

فيمضي المرء متقلدا وجها لا يشبه ما يعتمل في دخيلته، كأن الاتزان ستار يواري به انكساره، وكأن الطمأنينة لفظ يردده الناس وهم أبعد ما يكونون عن معناه.


يخالط الجموع بجسد حاضر، وروحه عند منعطف غابر لم يبرحه منذ أن أوهنه الفقد وأثقله الكدر، فكأن الزمن يدور حول جرحه، لا يأخذه إلى شفاء، ولا يرده إلى مفر.


وكلما همّ بانتشال نفسه من القاع الذي أثقلها، أعادته الذكرى إلى ذات العتمة، كأن الحزن قد أحكم دروبه إليه، فلا يضل عنه طريقا، ولا يترك له من الراحة بريقا.


حتى غدت الأمنيات تمر به مر العابرين، لا تستوقف قلبه، ولا توقظ فيه حنينا، وكأن الرغبة نفسها قد أضناها الانتظار، فتقوقعت في زوايا الخيبة والانكسار.


فلا الماضي أفلح في إطلاقه من قيده، ولا الحاضر وسعه بنسيانه، حتى غدا معلقا بين نجاة يرجوها، وذكريات يأبى الوجع إلا أن يبقيه رهينها.
وكأن الإنسان لا يهلكه ما فقده وحده، بل يهلكه ذلك الجزء الكامن فيه، الذي ظل يترقب عودة ما يعلم في قرارة نفسه أنه لن يعود، وأن ما انقضى قد أوصدت دونه السبل، وخبت على أعتابه كل المنافذ.

قديم 05-10-2026, 06:37 PM
المشاركة 473
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
عندما أتساءل عن بيت المستحيل، ترتسم صورته في مخيلتي، حتى بت أميز موقعه من بين آلاف المواقع. فتبرز معالمه حين يقدح السؤال عن وصف مكانه، فأطلق وصفا لا يفارق حقيقته، وإن كانت له ألف طريق تؤدي إليه. فهو قابع في بئر لا قاع لها، من وهم خالطه يأس، وعجز خانه السعي، واستسلام أوهن صاحبه.



وكأن ذلك البيت ما شيد في أرض، ولا قامت له دعائم من طين، وإنما هو بناء في صدور العاجزين، إذا وهن العزم، ومالت النفس إلى الدعة، وأسلمت القياد لما لا ينال.


فإذا استحكم الوهم في الفؤاد، وتكاثر فيه القنوط، صار المستحيل دارا يألفها القلب قبل أن يطرقها الواقع، ويأنس بها العقل قبل أن ينكرها البرهان.



وما هو إلا مرآة ضعف إذا نظر إليها المرء في نفسه، فإن قويت العزيمة تلاشى أثرها، وإن خارت، اتسعت حدودها حتى يضيق عنها الممكن كله، وكأن المستحيل لا يقام في الخارج، بل يولد في الداخل ثم يسقط على العالم كسقوط الظل على الجدار.

قديم 05-10-2026, 10:19 PM
المشاركة 474
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
ليس الاحتواء مما يستجدى على الأعتاب،
ولا مما ينال بإلحاح الخطاب،
ولكنه سر إذا طلب حضر، وإذا طورد نفر؛
تعرفه الأرواح إذا تلاقت على قدر،
وتنكره إذا أكرهت على غير وطر.


والحصانة ليست اكتفاء يغني،
ولا جفاء يبني، ولكنها ستر للحاجة كي لا تهان،
وصمت للضعف كي لا يلُوحَ للعِيان؛
كجدار قائم يبدو صلبا وفي باطنه رجف خفي.


وأما الخوف من غد لم يأت،
فإنه سارق خفي، يبدد سكون اليوم،
ويزرع في النفس وهما لا ينقضي؛
فتعيش الروح بين ما لم يكن،
وتفقد طمأنينتها بما هو كائن.


فدع أثقال الأمس حيث وقعت، ولا تستدع من ظلاله ما يعكر الصفو،
وخذ من الحياة صفحتها البيضاء، فإنها لا تعطي نفسها لمن يقيدها بقيود مضت،
ولا تفتح أبوابها لمن يسكن الأطلال؛ بل تؤنس من أقبل عليها بقلب طليق،
وروح لا تأسرها الحسرات.


وإنما الحكمة أن يؤخذ الحاضر برفق،
وأن يعانق العيش كما هو،
وأن يترك الغيب لرب الغيب،
فما كل متوقع واقع،
ولا كل آت قاطع.

قديم 05-10-2026, 10:21 PM
المشاركة 475
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
من مقبرة النسيان،
أكوام أجداث من الأحداث،
تستوطن الروح،
ودواعيها شواهد في تلك الأجساد؛
فراغات تستقطب وارد الحظوظ،
وتلقي بصاحبها في عميق الشتات.


أقبية تخفي في طياتها أقنعة الخلاف،
و"الأنا" ضجيج في عمق التيه تلقي تلك المرساة.

قديم 05-10-2026, 10:23 PM
المشاركة 476
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
في عمق شتات الفكر،
ينساق بعضهم خلف وهم لقاء يعقب الهروب من الذات،
وقد أغفل أن في ذلك الهروب سلوكا إلى التيه والضياع.


فالنفس لا يمكن الانعتاق منها، ولو على سبيل المجاز،
إذ الأصل التعمق فيها،
ومعرفة كنهها، وصالحها، وسقيمها.


فبربك...
كيف يرجى اللقاء بعد ذاك الفرار،
وقد اتخذ من البعد دارا؟

قديم 05-10-2026, 10:26 PM
المشاركة 477
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
تلك النداءات، وذلك الشدو الذي أعياه الشوق إلى الغائب الذي لا يعود،
مراسيل سلام، وإن تعثرت بقدم الاندثار،
تتحايل على الغياب، وترقب من شرفة الانتظار.


وجزما، تلك الخيبات تقرع باب الرجاء،
كأنها تعرف أن في القلب بابا لا يغلق مهما طال الانكسار،
وكم قسمنا العمر فرحا وحزنا،
كأننا نوزع الضوء على أطراف الليل إذا استطال المدار،
وكم تقاسمنا العناء،
حتى صار في الصبر بيننا ملامح ألفة لا تحتقر ولا تدار،
نمشي، وفي كل خطوة ظل سؤال،
لا يكتمل ولا يختفي، بل يتكاثر كلما مر به النهار،
كأن الود إذا انكسر لم يمت،
بل صار صدى يتنقل بين صدرين بلا قرار،
وما بين شرفة الانتظار وباب الرجاء،
يولد معنى لا يقال، ويذوب معنى لا يختار،
فلا الغياب انتهى، ولا الحضور اكتمل،
بل نحن بينهما... حكاية تكتب ولا تختار.

قديم 05-10-2026, 10:28 PM
المشاركة 478
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
وفي قلب الاشتباك، ينكشف الستار عن أعظم الأسرار،
أن العدو ليس دائما خلف المتاريس والأسوار،
بل قد يسكن صمت القرار،
وخوف الانهيار،
ووهم السلامة في حضن الانكسار.


فالحرية ليست نصرا يعلن في آخر النهار،
بل عبء يتجدد مع كل اختيار،
والوعي ليس نورا يرضي الأبصار،
بل نار تقلق الاستقرار،
وتفضح ما استتر من خضوع واعتذار.


ومن تحرر من وهم الاستعباد، خرج من حدود الاعتياد،
لا عبدا لظل، ولا أسيرا لمراد،
يكتب نفسه بيده، بلا سيد ولا انقياد،
ويرى في القيد سؤالا، لا قدرا من الأقدار.
وهكذا تستمر المعركة، لا بين سيف ودرع وجدار،
بل بين وعي يقاوم،
ووهم يجيد الانتشار.


مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 14 ( الأعضاء 1 والزوار 13)
مُهاجر
أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: مُهاجر
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مُهاجر للغيم ( سلطان السبهان) عبد الله الشدوي منبر مختارات من الشتات. 5 10-14-2024 12:41 AM

الساعة الآن 12:17 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.