*كيما يزهر الأمل* قصة قصيرة على فصلين
*كيما يزهر الأمل*
*الفصل الأول*
*المصيبة*
اقتحم البيت فوج من المسلحين، حطموا الباب بأداة ثقيلة يحملونها، وخلال لحظات معدودات صاروا في الداخل وانتشروا في كل الغرف، يحملون بأيديهم رشاشات آلية وقنابل يدوية وخناجر كبيرة، يطلقون النار على غير هدى، ويفجرون قنابلهم في المطبخ والغرف.
الزوجان سامي وسلوى أصابتهما الصدمة، لا يعرفان ماذا يحصل، تغلغل الرعب في أوصالهم، يريدون النجاة بحياتهم وإنقاذ ابنهما الوحيد أنور ذي الست سنوات.
يقع البيت في الطابق الأرضي، مدخله الرئيسي عند الدرج الخارجي، وفيه كذلك عدة أبواب أخرى تربط ما بين غرفه المتعددة والحديقة، استطاعت الأم أن تحمل ابنها، وتهرب به من خلال فتحة الباب الأمامي المحطم، أما زوجها سامي، الذي كان متمددًا في الغرفة الداخلية، فقد هرب على غير هدى عن طريق الحديقة، وعندما توقف، بعد مسافة حسبها آمنة، واختبأ من المجرمين وراء أكمة كثيفة، شاهد النار من بعيد وقد أمسكت بتلابيب البيت كله، وحولته خلال زمن يسير إلى رماد، أما زوجته وولده فقد كانا جالسان قبلُ في الغرفة الداخلية، ولم يعلم أنهما استطاعا الخروج، وفي لحظات قاتمة خسر كل شيء، وسيطرت عليه مشاعر الأسى والحزن العميق، وقبع في مكانه تحت الشجر يندب حظه، ولا يعرف كيف يفكر ولا ماذا يفعل.
أما الزوجة وولدها، فبعد نجاتهما ووصولهما إلى مأمن، فقد جلست تبكي زوجها الذي مات، حسبما اعتقدت، محترقًا داخل البيت، ولم يخطر ببال أحدهما أن الآخر قد نجا، كما ولم يستطع أحدهما أن يفكر بالعودة إلى البيت المتفحم، الذي تحول إلى كومة من بقايا ورماد.
تداولت الأيام، سوداء قاهرة، الأعصاب مهدورة، والأجساد مهدودة، من جوع وتعب
واستطاعت سلوى بعد جهد وقهر، أن تحصل على مكان منفرد في خيمة مؤقتة، في معسكر إغاثة، تجمّعت فيها مجموعة من النسوة، لكل منهنّ مأساة صعبة، والخيمة لا تبعد كثيرًا عن مواطن الاشتباكات والخطر، الظروف كانت مأساوية، جف الدمع في المآقي، العيش ساعة بساعة، الغد لا ضمان له لأي أحد بأي شكل من الأشكال، العدو لم يضع الرحمة يومًا في قاموسه، والقذائف عشوائية، كلما سمعوا دويها، علموا أن مجموعة من الأهل والأطفال قد ارتقوا لخالقهم، وهذا المخيم كان مؤقتًا ، يضطر من فيه إلى الانتظار حتى يجد لهم المنظمون مكانًا آمنًا، إن كان في مخيم آخر، أو في بعض الحالات في دولة أخرى.
بدأت سلوى حياتها الجديدة في المخيم، مكان ضيق للنوم هي وولدها، وطعام شحيح قد يصل في موعد معقول، أو قد يتأخر وبحسب مستوى الخطر، وحالات النسوة حولها صعبة مرهقة لا يسهل سماعها، وصوت البكاء والنشيج للنساء وللأطفال صار صوتًا يستغرق اليوم كله ولا مفر منه، مما يزيد الهم في الصدور، كما أنهم لا يرتقبون أمامهم أي مستقبلٍ معروف كي ينتظرنه أو يتمسكن به.
مر أحد عشر شهرًا على سلوى وهي بهذا المعسكر، دون أمل أن شيئًا ما سيتغير، ودون أن تعرف كيف ستستمر في العيش هي وولدها، وفي هذه الأثناء، اقترب خطر الاشتباكات والقذائف من المكان الذي أضحت فيه لاجئة، وصار لا بد للجميع من مغادرته، حتى يتمكن الثوار أن يتحصنوا فيه.
في جنح الظلام، اصطفت عدة حافلات قديمة مهترئة في مكان مظلم مموه، وجرى سحب اللاجئين واحدًا إثر الآخر من الخيام، ووضعوهم في الحافلات، وكلما امتلأت حافلة منها تحركت مباشرة دون انتظار.
استغرقت رحلة الحافلة ما يقارب الساعات الأربع، ووصلوا إلى مكان مجهول بالنسبة لهم، واطمأنوا قليلًا عندما رأوا علم الأمم المتحدة يرفرف على مدخل مخيم كبير جدًا، يحوي أعدادًا هائلة من الخيام، وجاءت قرب الحافلة لجنة استلام، يأخذون المعلومات من اللاجئ أو اللاجئة، ثم يوزعونهم على خيام متناثرة في المخيم الكبير.
جاء نصيب سلوى في خيمة تحوي أربع سيدات، ومعهم مجموعة من سبعة أطفال، أكبرهم في السابعة، وأصغرهم مازال رضيعًا، ولكل سيدة ركن في الخيمة الصغيرة.
أما سامي، فقد قاسى الأمرين، فهو الآن وحيد، لا مال لديه، لا قريب أو صديق، كل من يعرفهم كانوا قد ماتوا أو تهجّروا، وانفصلت العرى، ولم يبق شيء في مكانه.
وحاول أن يستكشف طريقه في ظل المتغيرات الجديدة، وكان الهم والتفكير ينهشان في عقله صبح مساء، وقاده تفكيره إلى ضرورة أن يفعل شيئًا، أو أن يقدم شيئًا، عسى أن ينسى ما مر به من مصيبة، ومثل الآخرين حوله، فقد كان ينتظر المعونات كل يوم، فخطر بباله خاطر، لماذا لا يتطوع مع لجان الإغاثة المنتشرة حوله، وليطلبوا منه القيام بأية مهمة، فإنه لن يرفض أبدًا.
قام بتنفيذ فكرته مباشرة، وقبلوه معهم بدون تأخير، ولأنه إنسان متعلم، فقد تم تكليفه بالأمور الإدارية التي تحتاج إلى متابعة بالهاتف، وكتابة على الكمبيوتر المحمول.
مرت الأيام، وصارت لديه خيمة يتشاركها مع أصدقاء جدد تعرف عليهم خلال عمله.
كان العمل اليومي روتيني، ولكنه مليء بالإثارة والعاطفة وسماع حوادث ومصائب الناس حولهم، وكل منها تعتبر مأساة كاملة لأصحابها.
وفي كل صباح، كان يتناول ما يتوفر أمامه من طعام مع كوب الشاي، ويخرج إلى عمله، والذي يستغرق ثماني إلى عشر ساعات، لا مجال لكثرة الكلام، لا مجال للتأفف، والعيش حاصل يومًا بيوم، وساعة بساعة، ولا يدري أحد ما يخبئه القدر.
*يتبع*
التعديل الأخير تم بواسطة أحمد فؤاد صوفي ; 07-20-2026 الساعة 09:26 PM
سبب آخر: تضبيط