احصائيات

الردود
0

المشاهدات
10
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

اوسمتي


أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,523

+التقييم
0.64

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
اليوم, 07:14 AM
المشاركة 1
اليوم, 07:14 AM
المشاركة 1
افتراضي اتخاذ القرار عند الغضب
بسم الله الرحمن الرحيم






إنّ الغضب من أقوى الانفعالات التي تعصف بالنفس البشرية، إذ يقتحم العقل اقتحامًا، ويُربك ميزان التفكير، ويقود الإنسان أحيانًا إلى قرارات لا تعبّر عن حقيقته ولا عن قيمه. وقد أثبتت التجربة الإنسانية أن القرار المتخذ في لحظة غضب لا يكون في الغالب قرارًا رشيدًا، بل يكون استجابة آنية لانفعال طارئ، سرعان ما تزول حدته وتبقى آثاره. ومن هنا تتجلى خطورة اتخاذ القرار عند الغضب، لما يخلّفه من تبعات نفسية، وأضرار أسرية، وانعكاسات اجتماعية قد تمتد آثارها إلى سنوات طويلة.

أولًا: الغضب بين الفطرة والانحراف
الغضب شعور فطري أودعه الله في الإنسان ليكون دافعًا لردّ الظلم وصيانة الكرامة، إلا أن هذا الشعور إذا خرج عن ضوابط العقل والشرع انقلب إلى انفعال أعمى يقود إلى الطيش والاندفاع. فالغضب المنفلت لا يميّز بين حق وباطل، ولا يقف عند حدود، بل يدفع صاحبه إلى تجاوزات يندم عليها حين تهدأ نفسه ويعود إليه رشده.

ثانيًا: تعطّل العقل في لحظة الغضب
العقل هو أساس التمييز وركيزة القرار السليم، غير أن الغضب إذا استحكم في النفس عطّل وظيفة العقل، وجعل العاطفة هي المتحكم الأول في السلوك. وفي هذه الحالة، تضيق الرؤية، وتغيب الحكمة، ويتحوّل القرار إلى رد فعل متسرع لا تحكمه دراسة ولا تقدير للعواقب، فيقع الإنسان في أخطاء جسيمة كان في غنى عنها لو أنه أمهل نفسه قليلًا.

ثالثًا: اتخاذ القرار تحت وطأة الانفعال
إن اتخاذ القرار يحتاج إلى هدوء واتزان واستحضار للنتائج، أما القرار المتخذ في لحظة غضب، فهو غالبًا قرار ناقص الرؤية، مختلّ التقدير، تحكمه المشاعر لا المبادئ. وقد يُقدم الإنسان وهو غاضب على تصرفات مصيرية كقطع رحم، أو هدم علاقة زوجية، أو اتخاذ موقف عدائي، ثم يكتشف لاحقًا أن ما فعله لم يكن سوى ثمرة انفعال عابر كلّفه خسائر فادحة.

رابعًا: التسرع والندم
التسرع هو الوجه الآخر للغضب، وهو عدوّ الحكمة الأول. فالغضب يدفع إلى العجلة، والعجلة تُسقط الإنسان في الخطأ. وما إن تزول سحابة الغضب حتى يظهر الندم، فيستشعر الإنسان ثقل الكلمة التي قالها، أو الفعل الذي ارتكبه، أو القرار الذي اتخذه دون روية. غير أن هذا الندم، مهما بلغ، لا يمحو آثار الخطأ ولا يعيد الأمور إلى سابق عهدها.

خامسًا: الغضب بوابة للجرائم والقضايا الجنائية
إن من أخطر نتائج اتخاذ القرار عند الغضب أنه قد يجرّ صاحبه إلى مسارات قانونية خطيرة، تبدأ بمشادة كلامية وتنتهي بجريمة. فكثير من القضايا الجنائية، من اعتداءات وإيذاء جسدي وحتى جرائم قتل، لم تكن إلا نتيجة مباشرة لانفجار غضب لحظي أفقد صاحبه السيطرة على نفسه. وفي تلك اللحظات، يُقدم الإنسان على فعل لا يمكن الرجوع عنه، فتُزهق الأرواح، وتُهدَر الحقوق، ويُحكم على الفاعل بعقوبات دنيوية، فضلًا عن وزرٍ عظيم في الآخرة.

سادسًا: آثار القرار المتخذ عند الغضب على الأسرة والمجتمع
1- الآثار على المستوى العائلي
على المدى القريب، يؤدي القرار المتسرع الناتج عن الغضب إلى توتر العلاقات داخل الأسرة، وانتشار الخلافات، وغياب لغة الحوار، وقد يصل الأمر إلى القطيعة أو الطلاق أو العقوق. أما على المدى البعيد، فإن هذه القرارات تزرع الشقاق الدائم، وتفكك الروابط الأسرية، وتترك آثارًا نفسية عميقة في الأبناء، كفقدان الشعور بالأمان، واضطراب الثقة، وتكرار أنماط الغضب ذاتها في سلوكهم مستقبلًا.
2- الآثار على المستوى الاجتماعي
اجتماعيًا، يخلّف القرار المتخذ في لحظة غضب آثارًا سلبية سريعة، مثل فقدان الاحترام، وتشويه السمعة، وقطع العلاقات، وانتشار العداوات. وعلى المدى البعيد، يؤدي ذلك إلى ضعف الترابط الاجتماعي، وتآكل قيم التسامح، وانتشار العنف، مما يهدد استقرار المجتمع وأمنه. فالمجتمع الذي لا يُضبط فيه الغضب، مجتمع مهيأ للصراعات والانقسامات.

سابعًا: الآثار النفسية والصحية للغضب
الغضب لا يدمّر العلاقات فحسب، بل يفتك بالنفس والجسد. فهو يولّد القلق والتوتر والاكتئاب، ويجعل الإنسان سريع الانفعال ضعيف الصبر. أما صحيًا، فيؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، وتسارع نبضات القلب، واضطرابات النوم والهضم، ويزيد من احتمالية الإصابة بأمراض القلب والجهاز العصبي، مما يجعل التحكم في الغضب ضرورة نفسية وصحية في آنٍ واحد.

ثامنًا: سبل العلاج وضبط النفس
إن علاج الغضب يبدأ بالوعي بخطورته، ثم بتدريب النفس على السيطرة عليه. ومن أهم الوسائل: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والسكوت عند الغضب، وتأجيل القرار، وتغيير الوضعية أو المكان، والوضوء والصلاة، والتفكر في عواقب الفعل قبل الإقدام عليه. فبهذه الخطوات يستعيد العقل سلطته، وتعود الحكمة إلى موضعها.

تاسعًا: التوجيه القرآني والنبوي
قال الله تعالى:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
وقال النبي ﷺ:
«ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»
وقال ﷺ:
«لا تغضب»
وهي توجيهات تؤكد أن ضبط الغضب قوة حقيقية، لا ضعفًا.

الخاتمة
وفي الختام، يتضح أن الغضب إذا لم يُضبط بالعقل والحكمة كان سببًا في قرارات مدمّرة، لا تقتصر آثارها على الفرد، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع، قريبًا وبعيدًا. وإن أعظم ما يتحلى به الإنسان هو قدرته على امتلاك نفسه عند الغضب، فبذلك يحفظ كرامته، ويصون علاقاته، ويقي نفسه الندم والخسارة في الدنيا، والحساب في الآخرة.



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: اتخاذ القرار عند الغضب
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أشهد عدل القرار !! ناريمان الشريف منبر القصص والروايات والمسرح . 19 01-24-2021 11:17 AM
صدر القرار حمزه حسين منبر الشعر العمودي 18 01-11-2021 08:44 PM
القرار - قصة قصيرة محمد مهاجر منبر القصص والروايات والمسرح . 5 12-21-2013 12:11 PM
المنهج السلوكي بين القرار والتطبيق غادة قويدر منبر النصوص الفلسفية والمقالة الأدبية 2 11-30-2011 08:42 PM
الغضب رشيد الميموني منبر القصص والروايات والمسرح . 4 02-28-2011 10:01 PM

الساعة الآن 01:17 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.