بسم الله الرحمن الرحيم

نقطة نيمو
نقطة نيمو تُعرف بأنها “القطب المحيطي الذي لا يمكن الوصول إليه”، وهي أبعد نقطة في المحيط الهادئ عن أي يابسة، تقع على مسافة 2,688 كيلومترًا من أقرب شاطئ.
اكتشفها مهندس المساحة الكرواتي الكندي هرفوي لوكاتيلا عام 1992 باستخدام برنامج كمبيوتر جغرافي — لم يذهب إليها قط، فقط حسب موقعها رياضياً، وأدرك أن أبعد نقطة في المحيط يجب أن تكون على مسافة متساوية من ثلاثة خطوط ساحلية مختلفة.
سُمّيت تيمناً بالكابتن نيمو، بطل رواية جول فيرن “20,000 فرسخ تحت البحر”، والترجمة اللاتينية لكلمة “نيمو” تعني “لا أحد” — وهو اسم مناسب لمكان منعزل للغاية.
وهي منطقة شاسعة في جنوب المحيط الهادئ تُقدَّر مساحتها بحوالي 34 ضعف مساحة فرنسا. إحداثياتها الدقيقة هي 48.87 جنوباً و123.39 غرباً، وتبعد 2,688 كيلومتراً عن أقرب ثلاث نقاط يابسة: جزيرة دوسي شمالاً، وجزيرة موتو نوي شمال شرقاً، وجزيرة ماهر قرب القارة القطبية الجنوبية جنوباً:42.
الشيء العجيب أنه لا توجد أي علامات مادية أو عوامات تشير إلى موقعها على سطح الماء — وجودها يقتصر على الإحداثيات والبيانات التقنية فقط.
نظراً لبُعد نقطة نيمو عن طرق الشحن والتجارة البحرية، اختارتها ناسا ووكالات الفضاء العالمية الأخرى لتكون مقبرة فضائية تحت الماء للحطام المتساقط من الفضاء، واستُخدمت لأول مرة عام 1971.
المنطقة باردة وتتميز بأمواج عملاقة ورياح عاتية، ولا توجد فيها أي أنشطة بشرية كالشحن أو الصيد. والغريب أن أقرب البشر إليها عادةً هم رواد الفضاء على متن محطة الفضاء الدولية، الذين يبعدون عنها 425 كيلومتراً فقط عند مرورهم فوقها.
🛰 من يدفن هناك ولماذا؟
عندما تنتهي صلاحية مركبة فضائية، أمام المشغّلين خياران:
الأول — مدار المقبرة: دفع القمر الصناعي إلى مدار أعلى بكثير خارج نطاق الضرر، باستخدام آخر وقود متبقٍ فيه، ليظل يدور هناك آلاف السنين.
الثاني — العودة إلى الأرض: توجيه المركبة لتخترق الغلاف الجوي وتحترق. المركبات الصغيرة تحترق بالكامل، أما الضخمة فتتبقى منها أجزاء تسقط في نقطة نيمو.
باستخدام النمذجة الحاسوبية، يمكن للعلماء اختيار الزاوية الدقيقة التي ستضرب بها المركبة الغلاف الجوي العلوي، لضمان سقوط الحطام ضمن منطقة محددة ومأمونة.
⚡ الرحلة الأخيرة
كل جسم عائد من الفضاء يحتاج إلى بلوغ سرعة 17,500 ميل في الساعة لاختراق حاجز الأرض، فيتحول إلى كرة نارية ساخنة تغلي من الضغط الشديد. أجزاء كثيرة تحترق تماماً، وما يتبقى يتناثر على مساحات شاسعة من قاع المحيط.
🌟 أبرز ما دُفن في نقطة نيمو
محطة مير الروسية (2001)
طارت بسرعة تتجاوز سرعة الصوت، تاركةً وراءها دخاناً كثيفاً وصوت دوي اختراق الصوت وموجات صدمة. كانت قد قطعت 1.2 مليار ميل حول الأرض على مدى 15 عاماً. احترقت معظم مكوناتها، وتبقّى منها نحو 25 طناً تناثرت على مساحة تقارب 1,600 كيلومتراً من قاع البحر، وكان أكبر الأجزاء الباقية بحجم سيارة صغيرة.
محطات من برنامج ساليوت السوفييتي
وهي المحطات الفضائية السابقة لـ”مير”، ودُفنت تباعاً في نفس المنطقة.
مركبات شحن أوروبية ويابانية
أرسلت وكالة الفضاء الأوروبية عدة مركبات شحن من بينها مركبة “جول فيرن” — تيمناً بذات الكاتب الذي سُمّيت نقطة نيمو باسم روايته — لتنتهي في قاع المحيط الهادئ.
صاروخ SpaceX Dragon
جزء من كبسولة إيلون ماسك الشهيرة انتهى بدوره في مقبرة نيمو، وهو من أحدث ما دُفن هناك.
سنوياً يتم توجيه ما بين 100 و200 طن من الحطام الفضائي إلى هذه المنطقة.
🌊 القادم: محطة الفضاء الدولية
محطة الفضاء الدولية التي تزن أكثر من 400 طن وبحجم ملعب كرة قدم أمريكية، مقررٌ إغراقها في نقطة نيمو عام 2031 بعد 30 عاماً من الخدمة. سيكون دخولها الغلاف الجوي حدثاً ضخماً — أضخم بكثير مما حدث مع “مير” — وسيتناثر حطامها على مساحات شاسعة من قاع المحيط.
🔬 الحياة في المقبرة
الغريب أن المنطقة شبه خالية من الحياة البحرية المتطورة، لأنها بعيدة عن التيارات البحرية القوية وشحيحة المغذيات. لكن العلماء يأملون أن تتحول الحطام الفضائي الراقد في قاع البحر مع الزمن إلى شعاب مرجانية اصطناعية وموائل لكائنات بحرية جديدة.
ورغم هذه العزلة الشديدة، أظهرت عينات المياه المأخوذة من نقطة نيمو وجود جزيئات بلاستيكية دقيقة بين 9 و26 جزيئاً لكل متر مكعب — دليل على أن التلوث البشري وصل حتى إلى أبعد بقعة على الأرض.
🎭 حقيقة تبدو خيالاً
أقرب البشر إلى نقطة نيمو ليسوا على الأرض إطلاقاً — بل هم رواد الفضاء في محطة الفضاء الدولية، الذين يدورون على ارتفاع 425 كيلومتراً فوقها، بينما أقرب إنسان على الأرض يبعد 2,688 كيلومتراً. بمعنى آخر: المحطة الفضائية أقرب إليها من أي إنسان على وجه الكوكب
.