بسم الله الرحمن الرحيم

الفيلق الروماني التاسع المفقود (Legio IX Hispana)
يُعد الفيلق الروماني التاسع هيسبانا (Legio IX Hispana) أحد أكثر الوحدات العسكرية غموضًا في التاريخ القديم. فقد خدم لأكثر من 150 عامًا، وشارك في عشرات الحملات العسكرية التي ساهمت في توسع الجمهورية الرومانية ثم الإمبراطورية، قبل أن يختفي اسمه فجأة من السجلات الرسمية. ومنذ القرن التاسع عشر، أصبح هذا الاختفاء أحد أشهر ألغاز التاريخ، وظهرت حوله عشرات الكتب والروايات والأفلام والدراسات الأثرية، لكن الحقيقة النهائية لا تزال مجهولة.
تأسيس الفيلق
يُرجح أن الفيلق التاسع تأسس حوالي عام 58 قبل الميلاد على يد يوليوس قيصر عندما بدأ حملاته الكبرى لإخضاع بلاد الغال (فرنسا وبلجيكا الحالية). وكان الجيش الروماني آنذاك يعتمد على الفيالق، وهي وحدات عسكرية محترفة يتراوح عدد أفرادها بين 4800 و5500 جندي، إضافة إلى آلاف الجنود المساعدين من الفرسان والرماة والمهندسين.
كان الفيلق التاسع من أوائل الفيالق التي رافقت قيصر، وشارك في معارك حاسمة ضد القبائل الغالية بقيادة فرسنجيتريكس، ومنها حصار أليسيا عام 52 ق.م، الذي أنهى المقاومة الغالية وأدخل معظم أوروبا الغربية تحت الحكم الروماني.
الحرب الأهلية الرومانية
بعد نجاح قيصر في الغال، اندلعت الحرب الأهلية بينه وبين منافسه بومبي. قاتل الفيلق التاسع في أهم معارك تلك الحرب، ومنها معركة ديراخيوم ثم معركة فرسالوس عام 48 ق.م، التي انتصر فيها قيصر وأصبح الحاكم الفعلي لروما.
وبعد اغتيال قيصر عام 44 ق.م، استمر الفيلق في الخدمة خلال الصراعات التي انتهت بوصول أغسطس إلى السلطة، لتتحول روما من جمهورية إلى إمبراطورية.
لقب "هيسبانا"
نال الفيلق لقب "هيسبانا" بعد مشاركته في الحملات العسكرية الطويلة داخل إسبانيا، حيث خاض معارك ضد القبائل المتمردة هناك. وكان من المعتاد أن تُمنح الفيالق ألقابًا تشير إلى إنجازاتها أو المناطق التي خدمت فيها.
تنظيم الفيلق
كان الفيلق يتكون من عشر فرق (Cohorts)، وتنقسم كل فرقة إلى ستة قرون (Centuries)، يقود كل قرن قائد يُعرف باسم "السينتوريون". أما قائد الفيلق فكان برتبة ليغاتوس ويعيّنه الإمبراطور مباشرة.
وكان لكل فيلق نسر ذهبي مقدس يسمى Aquila، ويحمله ضابط خاص. وكان فقدان هذا النسر يُعد أسوأ عار يمكن أن يصيب أي فيلق، ولذلك كان الجنود يقاتلون حتى الموت لحمايته.
غزو بريطانيا
في عام 43م، أمر الإمبراطور كلوديوس بغزو بريطانيا. شارك الفيلق التاسع مع ثلاثة فيالق أخرى بقيادة القائد أولوس بلاوتيوس.
واجه الرومان مقاومة شرسة من القبائل البريطانية، لكنهم نجحوا في احتلال جنوب الجزيرة، ثم بدأوا بالتوسع شمالًا.
ثورة بوديكا
عام 60 أو 61م، قادت الملكة بوديكا ثورة ضخمة ضد الرومان بعد تعرضها للإهانة وسوء معاملة أسرتها.
أحرقت قواتها مدنًا رومانية كاملة، منها كامولودونوم ولندينيوم (لندن) وفيرولاميوم، وقُتل عشرات الآلاف من السكان.
أُرسل الفيلق التاسع لإنقاذ كامولودونوم، لكنه وقع في كمين مدمر، فقُتل معظم جنود المشاة، بينما تمكن قائده كوينتوس بيتيليوس سيرياليس من الفرار مع سلاح الفرسان.
ورغم هذه الكارثة، لم يُدمّر الفيلق بالكامل، إذ أرسلت روما تعزيزات من ألمانيا وأعيد تشكيله ليستمر في الخدمة.
قاعدة يورك
بعد إعادة تنظيمه، نُقل الفيلق إلى مدينة إيبوراكوم (يورك) في شمال إنجلترا، حيث بنى واحدة من أكبر القواعد العسكرية الرومانية في بريطانيا.
ومن هذه القاعدة انطلقت الحملات ضد القبائل الشمالية، خاصة قبائل الكاليدونيين التي كانت تشن غارات متكررة على الحدود.
آخر دليل مؤكد
حوالي عام 108م، ترك الفيلق نقشًا حجريًا في يورك يخلد إعادة بناء جزء من الحصن العسكري. ويُعد هذا آخر دليل مؤكد على وجوده في بريطانيا. عد ذلك، يختفي اسمه تمامًا.
بداية اللغز
عندما دوّن الرومان قوائم الفيالق الرسمية في العقود اللاحقة، لم يعد اسم Legio IX Hispana موجودًا، بينما بقيت أسماء معظم الفيالق الأخرى.
عدم وجود أي وثيقة رومانية تشرح سبب اختفائه هو ما جعل القضية تتحول إلى لغز تاريخي.
الأدلة الأثرية الجديدة
في القرن العشرين، اكتشف علماء الآثار في مدينة نيميغن الهولندية نقوشًا وأختامًا وطوبًا يحمل ختم الفيلق التاسع.
وهذا الاكتشاف غيّر نظرة المؤرخين، لأنه يشير إلى أن الفيلق ربما غادر بريطانيا بعد عام 108م، وانتقل إلى هولندا، مما يضعف نظرية إبادته في اسكتلندا.
النظريات الرئيسية
الإبادة في شمال بريطانيا
تفترض أن الفيلق سار شمالًا لمحاربة القبائل الكاليدونية، فوقع في كمين وأُبيد بالكامل، لكن لا يوجد موقع أثري لمعركة بهذا الحجم، ولا توجد أي رواية رومانية تؤكدها.
النقل إلى هولندا
يعتقد عدد كبير من الباحثين أن الفيلق غادر بريطانيا بالفعل، واستقر لفترة في نيميغن قبل أن يُرسل إلى جبهة أخرى.
التدمير في الشرق
ترى هذه النظرية أن الفيلق شارك في الحروب ضد الإمبراطورية الفرثية أو أثناء الثورة اليهودية الثانية (ثورة بار كوخبا بين 132 و136م)، وهناك تعرض لخسائر كبيرة أدت إلى حله أو فنائه، لكن لا توجد وثيقة رومانية تثبت ذلك.
لماذا لم تذكره المصادر؟
كان الرومان أحيانًا يتجنبون تسجيل الهزائم الكبيرة بالتفصيل، خاصة إذا مُنيت وحدة عسكرية بخسائر جسيمة. كما أن كثيرًا من الوثائق الرسمية ضاع خلال انهيار الإمبراطورية والحروب والحرائق، مما يجعل اختفاء السجلات أمرًا واردًا.
الفيلق في الأدب والسينما
أشهر عمل تناول قصته هو رواية النسر التاسع (The Eagle of the Ninth) التي صدرت عام 1954، وتدور حول ضابط روماني يبحث عن النسر الذهبي للفيلق بعد اختفائه في شمال بريطانيا. كما تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي، لكن أحداثها خيالية وليست مبنية على أدلة تاريخية.
هل سيُحل اللغز يومًا؟
يرى علماء الآثار أن حل اللغز قد يأتي من اكتشاف نقش روماني جديد، أو معسكر عسكري مجهول، أو وثيقة قديمة لم تُدرس بعد. وحتى يحدث ذلك، سيبقى الفيلق التاسع أحد أكثر أسرار الإمبراطورية الرومانية إثارة، لأنه اختفى من التاريخ دون أن يترك خلفه رواية واضحة عن نهايته، وهو أمر نادر جدًا بالنسبة لفيلق خدم روما لأكثر من قرن ونصف.
الآثار والاكتشافات الأثرية للفيلق التاسع
رغم اختفاء الفيلق الروماني التاسع من السجلات التاريخية، فإن علماء الآثار عثروا على العديد من الآثار التي تؤكد وجوده وتحركاته عبر أجزاء مختلفة من الإمبراطورية الرومانية. وقد ساعدت هذه الاكتشافات في إعادة بناء جزء من تاريخه، لكنها لم تكشف مصيره النهائي.
من أهم هذه الاكتشافات النقوش الحجرية التي تحمل اسم Legio IX Hispana، وقد وُجدت في مدينة يورك (إيبوراكوم) شمال إنجلترا، حيث كان الفيلق متمركزًا في أوائل القرن الثاني الميلادي. وتشير هذه النقوش إلى أن جنود الفيلق شاركوا في إعادة بناء الحصن العسكري والمنشآت الدفاعية حوالي عام 108م، ويُعد هذا آخر دليل مؤكد على وجوده في بريطانيا.
كما اكتشف علماء الآثار آلاف الطوب والقرميد المختوم بختم الفيلق التاسع داخل المعسكرات الرومانية، وكانت الفيالق الرومانية تصنع مواد البناء بنفسها وتطبع عليها اسم الفيلق، مما يساعد الباحثين اليوم على تحديد أماكن انتشارها.
وفي مدينة نيميغن الهولندية، عُثر على مجموعة من الأختام والنقوش والقطع الفخارية التي تحمل اسم الفيلق التاسع، ويعتقد كثير من المؤرخين أن هذه الآثار تعود إلى الفترة التي انتقل فيها الفيلق من بريطانيا إلى أوروبا، وهو ما جعل نظرية إبادته في اسكتلندا أقل قبولًا.
كما عُثر على شواهد قبور لعدد من ضباط وجنود الفيلق في بريطانيا وألمانيا، وتحمل أسماءهم ورتبهم العسكرية وأعمارهم، وتُعد هذه الشواهد مصدرًا مهمًا لفهم تنظيم الفيلق وأماكن خدمته.
ومن بين أهم المكتشفات أيضًا العملات الرومانية التي وُجدت داخل معسكرات الفيلق، حيث تساعد تواريخ سكّها في تحديد الفترات التي كان الفيلق موجودًا فيها. وقد كشفت الحفريات كذلك عن بقايا الثكنات العسكرية، والمخازن، والورش، وأفران صناعة الطوب، والطرق التي أنشأها الجنود، وهي آثار تدل على أن الفيلق لم يكن قوة قتالية فقط، بل كان أيضًا مسؤولًا عن بناء القلاع والطرق والجسور والبنية التحتية للإمبراطورية.
ورغم كثرة هذه الاكتشافات، لم يُعثر حتى اليوم على ساحة معركة، أو مقبرة جماعية، أو وثيقة رومانية تشرح نهاية الفيلق التاسع، ولذلك لا يزال اختفاؤه واحدًا من أعظم ألغاز التاريخ العسكري، وتستمر أعمال التنقيب في بريطانيا وهولندا وأوروبا بحثًا عن دليل قد يحسم هذا اللغز في المستقبل.