قصة: *أسبوع واحد*
*الفصل الأول*
تزوجنا بعد قصة حب عاصف، لم نكن نرى حولنا إلّانا، كنت سعيدة في بيتي، منحنا الرب كل شيء، بيت العائلة الكبير، آل إلينا، نسكن فيه وحدنا، حسب وصية الوالدة قبل وفاتها، رزقنا الله ابنتين بمنتهى الصحة والجمال، مشاريع زوجي وكل استثماراته كانت ناجحة، وتحقق نصيبًا عاليًا من الأرباح، كنا لا نقصر مع الفقراء والمساكين أبدًا، وعائلات كثيرة تتسلم منا راتبًا شهريًا يكفيها لمعيشة آمنة.
استمرت حياتنا هانئة بشكل مرضٍ نحسد عليه قرابة العشر سنين، أما ما كان ينغص علينا جو المحبة، أنّ للحسد عيون لا تنام، وللطمع قلوبٌ لا تشبع، إخوةٌ قربوا نسبًا وبَعُدوا أدبًا، فكانوا علينا لا لنا، وضدّنا لا معنا، ألسنةٌ حداد، وقلوبٌ شداد، لا يعرفون وصلًا ولا يصونون عهدًا، كراهيتهم معلنة، ذلك فقط لأنهم في وضع مادي أدنى من أخيهم، ويطمعون أن يستولوا على بيت العيلة، ويقومون ببيعه، على اعتبار أنه ورثٌ لهم، وهم لا يوفرون يومًا أو مناسبة، إلا ويتكلمون عنا كلامًا كالسيف، بدون اعتبار للقرابة أو للحق، ولا يملكون للرحمة مكانًا أو أي اعتبار.
في السنة العاشرة، مرضٌ أصاب زوجي، لم يقل لي ما هو، وما مدى خطورته، ولم يقبل يومًا أن أذهب معه عند مراجعته للطبيب،
*حبيبتي، ما عليك، دعي هذا الأمر لي، واطمئني.
وتمر الأيام، لم يفقد زوجي ابتسامته رغم الألم، ولا حنانه رغم الوهن، كان يذبل جسداً، ويزداد عطاءً، بل إنه زاد في عطفه عليّ وعلى الأولاد، ولكني كنت أراه يضعف يومًا بعد يوم، وترجّاني ألا أسأله شيئًا عن مراحل مرضه،
*أنا أتناول الأدوية بانتظام، اطمئني أرجوك.
مشاوير العمل أصبحت نادرة، مشوار كل يومين أو ثلاثة، وصار خروجه من البيت أقل كثيرًا من المعتاد، واستمر ذلك لأكثر من عامين، كان يذبل أمامي، وأنا أعلم بداخلي مدى خطورة المرض، وأدرك سبب إصرار زوجي على عدم الحديث عنه معي أبدًا
جاءت السنة الثالثة من مرض زوجي، صار خروجه نادرًا جدًا، وصار بعدئذ طريح الفراش، أنفذ معه برنامجًا صارمًا من الغذاء والدواء، وأقوم بواجبي بالطبع تجاه بيتي وتجاه أطفالي.
في نهاية السنة الثالثة، كنت أقوم بالمهام الاعتيادية في البيت، سمعت أنينًا خافتًا لا أدري مصدره، قفزت مسرعة إلى حجرة زوجي، وجدته هادئ الملامح، ساكن الألم، الموت مرّ عليه برفقٍ، بلا صخبٍ ولا وجعٍ، ولا فزع.
توقفت الحياة أمامي، كان حزني عظيمًا لا يحتمل، أصابني انهيار تام، جاء والدي ووالدتي، وقفا بجانبي، قام والدي بكل الإجراءات اللازمة، كنت منهارة في نفسي بشكل قاتل، وفي نفس الوقت، لم يكن في إمكاني أن أتخلى عن مسؤولياتي، فتحنا سرادق للعزاء، فحضر البعيد، وغاب القريب، وقف والدي يستقبل المعزين ويتقبل العزاء، ولم يحضر أحد من أخوة زوجي أبدًا، وكأن الحسد أعماهم، والشماتة قد أطفأت ما تبقّى في قلوبهم من نور.
مرت ثلاثة أيام لا غير، طرق الباب، فتحته مدبرة المنزل، برز وجه الشقيق الأكبر لزوجي، ووراءه شقيقته الصغرى، دخلا، لم يبدآ بالسلام، أو تقديم أي عزاء، بل اختصرا وجودهما بالقول:
*أنت تعلمين أنك تسكنين في بيت العائلة، كلنا لنا حصص فيه، ويساوي في الوقت الحالي ثروة كبيرة، ونطلب منك مغادرته خلال أسبوع واحد، حتى نتسلمه ونتمكن من التصرف فيه، وحصتك بعد البيع ستصلك أينما كنت، ثم قاما بدون كلام، خرجا كما دخلا، قسوة لا رحمة فيها، وبرودة لا عاطفة معها، اتجها نحو الباب الرئيسي، فتحاه وخرجا منه في صمت بشع.
كان بإمكاني أن أتمسك بالبيت طيلة فترة العدة، فأنا أذكر أن زوجي دفع ثمن البيت لوالده منذ زمن بعيد، ولا أعلم إن كان والده قد نقل الملكية له قبل وفاته، فهذه المواضيع لم تكن مما نتناقش فيه بيننا، وحتى لا أتعرض للمساءلة القانونية ومشاوير المحاكم، فكان عليّ أن أتناسى حالتي وحزني، وأترك البيت.
خلال يومين فقط، ضغطت على نفسي، وبمساعدة من مدبرة المنزل، وجهد والدتي ووالدي، قمت بترتيب حاجياتي وحاجيات الأولاد الأساسية، وتركت الجمل بما حمل، بدون أي نقاش، وانتقلت للعيش في منزلنا القديم، منزل والدي.
كان نصيبي في المنزل غرفة واحدة، تخلى عنها أخي الأصغر، لتصبح ملاذًا لي ولابنتيّ، الوضع لم يكن ميسرًا، فالطلبات كثيرة ويومية، واضطررت أن أبدأ ببيع ما أملكه من ذهب، جمعته من هدايا زوجي خلال حياتنا الهانئة،
*لا تستكثري على نفسك شيئًا، أنت تستحقين الدنيا وما فيها، هذا الذهب ستحتاجينه يومًا لك و لأولادنا، اجعليه ضمانًا لك.
-----------
يتبع ،،،