الموضوع
:
مُهاجر
عرض مشاركة واحدة
05-10-2026, 06:22 PM
المشاركة
470
مُهاجر
من آل منابر ثقافية
اوسمتي
مجموع الاوسمة
: 1
تاريخ الإنضمام :
Feb 2022
رقم العضوية :
16905
المشاركات:
656
رد: مُهاجر
هنا...
حيث تسكن الروح في ملاذي وموطني، ذلك الذي كلما أعلنت الرحيل عنه ساقني الشوق إليه،
وكأن بيني وبينه عهدا قديما لا تنقضه المسافات، ولا تطفئه مواسم الغياب، فإذا أوغلت في التيه ردني إليه حنين يعرف الطريق أكثر مما أعرفه أنا.
فهنا... أضع أثقال ما يعتري فكري وقلبي وشعوري وكياني كله، هنا المنبر الحر الذي لا يصادر فيه الفكر، ولا تطعن فيه النوايا، وتنفلت فيه المشاعر من غير وصايا، كأن الحروف خلقت لتقال هنا، وكأن الصمت نفسه يجد في هذا المقام لسانا ينطق به.
هنا...
ساحة المواجهة مع أفكار قد تتوافق، فتنجب من ذلك فكرة، وتغرس فيها بذرة، لتكبر وتصبح واحة يستظل تحتها تائه بفكره، فما الفكر إلا نار إن لم تجد من يحاورها أكلت صاحبها، وما الرأي إلا مرآة لا يكتمل صفاؤها حتى تنعكس فيها وجوه المختلفين.
هنا...
الجهة الموازية، ومرآتك الثانية، هنا الجانب الآخر الذي تحتاج إليه لتكتمل لديك الفكرة، فالحق — وإن بدا واحدا — لا يدرك من نافذة واحدة، وإنما تتجلى معانيه حين تتقابل العقول كما تتقابل النجوم في صفحة السماء.
نخط في هذا المكان حاضرا وماضيا، ونستشرف فيه قادم المستقبل، بعيدا عن الوشوشات التي قد تفضي بك إلى مزالق العناء، وتخضعك لمحاكم التفتيش التي عانى منها من اكتوى بجحيمها، فنال بذلك الردى.
فهنا لا سلطان إلا للحرف إذا صدق، ولا قيمة للصوت إن علا ما لم يحمل في علوه معنى، إذ ليست البلاغة بكثرة القول، بل بما يتركه القول من أثر في الأرواح.
ولرب فكرة ولدت في عتمة حوار عابر، ثم مشت بين الناس كأنها قنديل سارية في ليل طويل، يهتدي بها الحائر، ويأنس إليها المنقطع، فإن الكلمة — وإن خرجت همسا — قد تبلغ من الخلود ما لا تبلغه الجيوش والصروح.
وهنا أيضا...
نتعلم أن الإنسان لا ينجو بنفسه وحدها، وأن الأرواح وإن اختلفت مشاربها فإنها تلتقي عند معنى البحث عن الحقيقة، فكل امرئ يحمل في صدره صحراء شك، ولا يورق اليقين فيها إلا إذا سقته الأسئلة.
رد مع الإقتباس