بسم الله الرحمن الرحيم
ذو الإصبع العدواني أحد الشعراء والحكماء في العصر الجاهلي. سُمّي بهذا الاسم لأن له أصبعاً زائداً في رجله، وقيل بل لأن حية نهشت أصبعه فقطعته. وهو من المعمّرين إذ تجاوز عمره المئة عام بكثير.
اسمه حرثان بن محرث بن الحارث، وينتهي نسبه إلى قبيلة عدوان من القبائل العدنانية المضرية. أما لقبه "ذو الإصبع" فقد اختلف فيه الرواة؛ فقيل إن حية نهشت إبهام قدمه فقطعتها، وقيل بل كانت له أصبع زائدة في رجله، وفي كلا الروايتين كان هذا العلامة الفارقة التي أضحت لقبه الذي عُرف به على مر الأجيال.
حياته وشخصيته
عاش ذو الإصبع عمراً مديداً تجاوز المئة عام بكثير، حتى عُدّ في زمرة المعمّرين الذين حفظت العرب ذكرهم وأقوالهم. وكان إلى جانب شاعريته فارساً مغواراً، له غارات مشهورة ووقائع معروفة بين قبائل العرب، فجمع بين سيف اللسان وسيف اليد في زمن كان فيه المجد لمن جمعهما معاً.
وكانت له بنات أربع، إحداهن أُميمة التي ورثت عنه موهبة الشعر، وقد بكته ورثته لما رأته يتوكأ على العصا بعد أن كان فتىً طلقاً، فقال لها في موقف بالغ التأثير:
جزعتِ أمامةُ أن مشيتُ على العصا
وتذكّرتِ إذ نحن من الفتيانِ
طبيعة شعره
ينتمي ذو الإصبع إلى طراز الشعراء الوجدانيين الذين لا يقول أحدهم الشعر إلا حين يضطره إليه شعور صادق أو موقف حقيقي. وكان أكثر شعره في ثلاثة أبواب:
الفخر والحماسة — وفيه يفخر بقبيلة عدوان وبنفسه وبأصله، وكان في هذا الباب متوهج العبارة حاد النفس، لا يتحمل ضيماً ولا يقبل دنية.
الحكمة والعظة — وهو الباب الذي جعل شعره يعيش بعده، إذ ملأه بخلاصة تجارب عمر طويل رأى فيه أحوال القبائل ترتفع وتنهار، وعاين الزمن يطوف على الأقوياء قبل الضعفاء.
وصف الصيد والطرد — وله في وصف السهام والصيد شعر يدل على دقة ملاحظة وخبرة ميدانية.
وشعره في مجمله سهل التركيب ظاهر المعاني، لا يتعمد الغموض ولا يتكلف الزخرف، مما يجعله قريباً من النفس رغم بُعد عهده.
قصيدته في ابن عمه الغادر
كان لذي الإصبع ابن عم يكنّ له العداء ويتجسس عليه، ويسعى بينه وبين بني عمومته بالنمائم والفتنة. فقال فيه:
يا صاحبيّ قفا قليلاً وتخبّرا
عني لميسا عمّن أصابت قلبه
وليَ ابنُ عمٍّ لا يزال إليّ
منكرُهُ دسيسا
إما علانيةً وإما مخمَّراً
أكلاً وهيسا
وهذه القصيدة من أبلغ ما قيل في خيانة القريب وغدر الجليس، وفيها ألم من نوع خاص، لأن الطعن من الغريب يُحتمل، أما من يحمل اسمك ويأكل خبزك فجرحه أعمق.
أبياته الخالدة في العزة والأنفة
من أشهر ما حفظه الناس له قوله:
إني أبيٌّ أبيٌّ ذو محافظةٍ
وابنُ أبيٍّ أبيٍّ من أبيّينَ
عفٌّ يؤوس إذا ما خفتُ من بلدٍ
هوناً فلستُ بوقّاف على الهونِ
كلُّ امرئٍ صائرٌ يوماً لشيمتهِ
وإن تخلَّق أخلاقاً إلى حينِ
وهذه الأبيات الثلاثة وحدها كافية لتخليد اسمه؛ ففيها فلسفة كاملة عن الكرامة وأصالة الطبع وأن الإنسان مهما تصنّع فسيعود آخر الأمر إلى جوهره.
وصيته لابنه أسيد
وصيته لابنه أسيد تُعدّ من درر النثر العربي الجاهلي القليلة التي وصلتنا. أوصاه فيها بجملة من القيم والسلوكيات التي تحفظ كرامة الإنسان وتصون علاقاته، ومن أبرز ما جاء فيها:
صحبة الأخيار والوفاء لهم — فلا تستهن بمن صحبك في السفر، فإنهم شركاؤك في الغربة يشاركونك الأمر والمر.
الكرم المتوازن — اشرب بكأسهم وإن شربوا السم، أي شاركهم في أحوالهم حلوها ومرّها.
إكرام الصغير قبل الكبير — أكرم صغارهم كما تكرم كبارهم، يكرمك كبارهم ويكبر على مودتك صغارهم.
السير الجميل في المال — أأسيد إن مالاً ملكتَ فسِر به سيراً جميلا.
وفاته
توفي ذو الإصبع نحو عام 595م، وقد أسنّ في آخر عمره حتى أضعفه الكِبَر، غير أن اسمه ظلّ حياً في كتب الأدب والحكمة. وقد سأل عنه عبد الملك بن مروان لما بلغه ذكره، مما يدل على أن صيته تجاوز عصره ووصل إلى ما بعد الإسلام.
رجل عاش طويلاً فرأى كثيراً، وقال قليلاً لكن بعمق، فكانت كلماته مرايا يرى فيها كل إنسان شيئاً من نفسه.