عرض مشاركة واحدة
احصائيات

الردود
0

المشاهدات
8
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

اوسمتي


أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,587

+التقييم
0.63

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
اليوم, 04:12 AM
المشاركة 1
اليوم, 04:12 AM
المشاركة 1
افتراضي بداية استخراج الغاز
بسم الله الرحمن الرحيم





نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


يُعدّ الغاز الطبيعي من أبرز الموارد الطبيعية التي أسهمت في تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية الحديثة، إذ لم يكن اكتشافه وليد لحظة عابرة، بل كان ثمرةً لتراكم معرفي امتد عبر قرون متتالية، توالت فيها الملاحظات والتجارب حتى بلغت ذروتها في القرن الثامن عشر الميلادي، حين تحوّل هذا المورد من ظاهرة طبيعية مبهمة إلى صناعة منظمة أعادت رسم خارطة الطاقة في العالم.

وقد شكّل عام 1785 الميلادي منعطفاً تاريخياً فارقاً في مسيرة الغاز، إذ شهد أول استخدام صناعي حقيقي له في بريطانيا، في خضم ثورة صناعية كانت تبحث بشغف عن مصادر طاقة جديدة تُغذّي آلاتها وتُنير مدنها المتنامية بسرعة مذهلة.

السياق التاريخي والحضاري قبل عام 1785

1. الحضارات القديمة وظاهرة الغاز
قبل أن يدرك الإنسان الماهية العلمية للغاز الطبيعي، كان قد رصد تجلياته الطبيعية منذ آلاف السنين. فقد وثّقت الحضارة الفارسية، قبل نحو ستة قرون قبل الميلاد، ظاهرة اشتعال الغاز المتسرب من باطن الأرض، وأطلق عليها الفرس تسمية “النيران الأبدية”، ورأوا فيها آية إلهية تستوجب التبجيل، فشيّدوا حولها المعابد والهياكل الدينية. وقد ظلّ معبد يانار داغ في أذربيجان شاهداً حياً على هذه الظاهرة حتى اليوم، إذ لا تزال النيران تتصاعد منه دون انقطاع منذ آلاف السنين.

وفي سياق مغاير تماماً، أبدت الحضارة الصينية وعياً عملياً مبكراً بهذا المورد، إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن الصينيين، قبل نحو خمسة قرون قبل الميلاد، كانوا يحفرون آباراً لاستخراج الملح، فيصادفون في طريقهم طبقات من الغاز المنضغط. وبدلاً من الإحجام عنه، عمدوا إلى توظيفه توظيفاً براغماتياً رائداً، إذ نقلوه عبر أنابيب مُصنّعة من قصب الخيزران لتسخين مياه البحر واستخلاص الملح منها، في ما يُعدّ أول توظيف عملي للغاز الطبيعي في تاريخ البشرية.

2. أوروبا في عصر ما قبل الثورة الصناعية
ظلّت أوروبا حتى مطلع القرن الثامن عشر تعتمد في إضاءتها على الشموع الشمعية وزيت الحيتان وزيت الزيتون، وهي مصادر باهظة التكلفة، محدودة الكفاءة، تُشكّل عبئاً ثقيلاً على كاهل الطبقات الاجتماعية المختلفة. وكانت المدن الكبرى تغرق في الظلام بمجرد حلول الليل، مما أفرز مشكلات اجتماعية وأمنية بالغة الخطورة، إذ كانت الجريمة تستشري في شوارع لندن وباريس وسائر العواصم الأوروبية بعد منتصف الليل.

وفي المقابل، كانت المصانع التي نشأت في أحضان الثورة الصناعية تعاني من قصر ساعات العمل المرتبطة بضوء النهار، مما حدّ من طاقتها الإنتاجية وأعاق مسيرة التطور الاقتصادي المنشود. وهكذا باتت الحاجة إلى مصدر إضاءة بديل ملحّةً وعاجلة، لتُفتح الباب أمام عصر الغاز.

الريادة البريطانية عام 1785

1. المشهد العلمي والصناعي في بريطانيا
لم يكن عام 1785 حادثة معزولة، بل كان محصّلةً طبيعية لمسار علمي وصناعي متراكم. فقد كانت بريطانيا تشهد في تلك الحقبة تحولات جذرية متسارعة؛ آلة البخار لجيمس وات تدور في المصانع، والأفران العالية تعمل بالفحم الحجري، والعقول العلمية تتسابق للكشف عن أسرار الطبيعة وتسخيرها لخدمة الصناعة الناشئة.

وفي هذا المناخ الخصب، لاحظ عدد من العلماء والمهندسين أن الفحم الحجري، حين يُسخَّن في أوعية مغلقة بمعزل عن الهواء، يُنتج غازاً قابلاً للاشتعال، يمكن توجيهه وتوظيفه للإضاءة والتدفئة. وكانت هذه الملاحظة بمثابة البذرة الأولى لصناعة الغاز الحديثة.

2. ويليام مردوك: رائد عصر الغاز
يتصدر المشهد التاريخي لهذه الحقبة اسم ويليام مردوك (1754-1839)، المهندس الاسكتلندي الموهوب الذي يستحق بجدارة لقب “أبو صناعة الغاز”. وُلد مردوك في أيرشاير الاسكتلندية، وتلقّى تدريبه المهني على يد أحد أبرز المهندسين في عصره، قبل أن ينضم إلى شركة بولتون ووات الشهيرة لصناعة آلات البخار في برمنغهام.

مساهماته التأسيسية:
أجرى مردوك سلسلة من التجارب المنهجية على تسخين الفحم الحجري، وتوصّل إلى طريقة فعّالة لجمع الغاز المنبعث وتنقيته وضخه عبر أنابيب معدنية. وفي عام 1792، تُوِّجت جهوده بإنجاز تاريخي بارز، حين نجح في إضاءة منزله في مدينة ريدروث بكورنوال بالغاز المستخرج من الفحم، وذلك للمرة الأولى في تاريخ الإضاءة المنزلية.

غير أن الإنجاز الأعظم جاء عام 1802، حين أضاء مردوك مصنع بولتون ووات بأكمله بالغاز احتفاءً بتوقيع معاهدة أميان بين بريطانيا وفرنسا، وكان ذلك الحدث إعلاناً رسمياً لبزوغ فجر عصر الغاز الصناعي.

المنافسة الأوروبية وتطور الصناعة

1. فيليب لوبون والمساهمة الفرنسية
لم يكن مردوك وحده في هذا الميدان، إذ كان المهندس الفرنسي فيليب لوبون (1767-1804) يسير في المسار ذاته على الضفة الأخرى من القنال الإنجليزي. طوّر لوبون نظاماً مستقلاً لإنتاج الغاز من الخشب بدلاً من الفحم، وحصل على براءة اختراع رسمية عام 1799 أطلق عليها اسم “الترموليمب”، وعرض مشروعه على الحكومة الفرنسية لإضاءة شوارع باريس.

بيد أن مشروعه اصطدم بعقبات تمويلية وسياسية، وتوفي لوبون عام 1804 دون أن يرى ثمار عمله، تاركاً للبريطانيين السبق في التطبيق الفعلي على نطاق واسع.

2. فريدريش ألبرت ويندزر وإضاءة لندن

في عام 1807، قدّم المهندس الألماني الأصل فريدريش ألبرت ويندزر عرضاً مبهراً أمام الجمهور البريطاني، حين أضاء شارع بول مول في لندن بالغاز للمرة الأولى في التاريخ. وقد خلّف هذا الحدث أثراً بالغاً في الوجدان الشعبي البريطاني، ودفع الرأي العام نحو تبني صناعة الغاز على نطاق أوسع.

وقد استثمر ويندزر هذا الزخم الجماهيري ليؤسس لاحقاً شركة غاز وستمنستر عام 1812، وهي أول شركة غاز تجارية في تاريخ البشرية، حصلت على ترخيص برلماني رسمي لمد أنابيب الغاز تحت شوارع لندن وتزويد المنازل والمتاجر والمصانع بالغاز.

التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية

1. التحولات الاجتماعية العميقة
أحدث دخول الغاز إلى حياة الإنسان البريطاني تحولات اجتماعية جوهرية يمكن إجمالها فيما يلي:

أولاً: أمن الشوارع وانحسار الجريمة
مع إضاءة الشوارع بالغاز، تراجعت معدلات الجريمة الليلية تراجعاً ملحوظاً، إذ حُرم المجرمون من غطاء الظلام الذي كانوا يتخذونه درعاً لأنشطتهم غير المشروعة.

ثانياً: امتداد ساعات النشاط الإنساني
لم تعد الحياة الاجتماعية والاقتصادية رهينة ضوء النهار، فامتدت ساعات عمل المصانع والمحال التجارية، وازدهرت الحياة الثقافية والترفيهية في المسارح والمقاهي التي باتت تعمل حتى ساعات متأخرة من الليل.

ثالثاً: الأثر الطبقي والاجتماعي
أسهم الغاز في تخفيف العبء المالي عن كاهل الطبقات المتوسطة والفقيرة، إذ كانت الشموع وزيت الإضاءة تستنزف جزءاً معتبراً من دخل الأسر المحدودة.

2. الانعكاسات الاقتصادية
على الصعيد الاقتصادي، أفرز ظهور صناعة الغاز موجة استثمارية واسعة، وخلق فرص عمل جديدة في مجالات التنقيب والإنتاج والتوزيع والصيانة. كما أسهم في تعزيز التنافسية الصناعية البريطانية، إذ منح المصانع البريطانية ميزة تشغيلية على منافسيها الأوروبيين الذين تأخروا في اعتماد هذه التقنية.

الانتشار العالمي بعد 1785
سرعان ما تجاوزت صناعة الغاز الحدود البريطانية لتنتشر في ربوع العالم المتحضر:
• 1816: مدينة بالتيمور الأمريكية تصبح أول مدينة خارج أوروبا تعتمد الغاز لإضاءة شوارعها.
• 1820: باريس تُضيء شوارعها الرئيسية بالغاز.
• 1823: برلين تنضم إلى ركب المدن الغازية.
• 1825: معظم العواصم الأوروبية الكبرى تعتمد الغاز مصدراً رئيسياً للإضاءة.
• 1821: حفر أول بئر غاز طبيعي متعمد في فريدونيا، نيويورك على يد ويليام هارت.

الإرث التاريخي لعام 1785

الدلالة الحضارية
لا يمكن فهم أهمية عام 1785 بمعزل عن السياق الحضاري الأشمل. فقد كان هذا العام إيذاناً بانتقال الإنسانية من مرحلة الاعتماد على الموارد الحيوانية والنباتية في الإضاءة، إلى مرحلة استثمار الموارد الأحفورية الكامنة في باطن الأرض. وكان ذلك التحول في جوهره تحولاً حضارياً شاملاً طال البنى الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية على حدٍّ سواء.

البصمة على المستقبل
أرسى الاستخدام الأول للغاز عام 1785 القواعد التأسيسية التي انبنت عليها صناعة الطاقة الحديثة بأسرها، وفتح الأفق أمام البحث العلمي المنظم عن الغاز الطبيعي في باطن الأرض، إلى أن بلغت هذه الصناعة ذروتها في القرن العشرين حين باتت تُشكّل ركيزة أساسية في منظومة الطاقة العالمية.