بسم الله الرحمن الرحيم

بحيرة نيوس بحيرة أفريقية تقع في شمال غرب الكاميرون، قريبة من الحدود مع نيجيريا. نشأت قبل آلاف السنين داخل فوهة بركان قديم خمد عن الانفجار، لكنه لم يمت تمامًا، فباطنه لا يزال يتنفس ويضخّ غاز ثاني أكسيد الكربون عبر شقوق في قاع البحيرة.
وغاز ثاني أكسيد الكربون غاز عديم اللون والرائحة، أثقل من الهواء، وهو في الظروف الطبيعية غير سامّ، لكنه يصبح قاتلًا حين يتركّز بنسب عالية في الهواء لأنه يزاحم الأكسجين ويحلّ محلّه، فتختنق الرئتان دون أن يشعر الإنسان بأي ألم أو إنذار مسبق. هذا الغاز لا يظهر على سطح البحيرة، بل يذوب في الماء العميق ويتراكم ببطء تحت ضغط هائل، سنةً بعد سنة، عقدًا بعد عقد، دون أن يشعر به أحد.
ما الذي حدث في ليلة 21 أغسطس 1986؟
كانت ليلة عادية تمامًا. نام الناس في قراهم المحيطة بالبحيرة كما يفعلون كل ليلة، دون أي إنذار أو علامة تدلّ على ما سيأتي.
في منتصف الليل، أحدث ثوران بركاني تحت قاع البحيرة اضطرابًا عنيفًا في طبقاتها العميقة، فأطلق دفعةً واحدة كل غاز ثاني أكسيد الكربون المتراكم في أعماقها على مدى سنوات طويلة. وتشير التقديرات إلى أن كمية الغاز المنطلقة تراوحت بين مئة ألف وثلاثمئة ألف طن، وربما بلغت مليونًا وستمئة ألف طن وفقًا لبعض الدراسات.
ارتفعت سحابة الغاز في البداية بسرعة مئة كيلومتر في الساعة، ثم إذ اكتشفت الطبيعة أن ثاني أكسيد الكربون أثقل من الهواء، نزلت السحابة إلى الأسفل وانسابت عبر الوديان نحو القرى النائمة، مزيحةً الأكسجين من طريقها وخانقةً كل كائن حيّ في دائرة تمتد حتى خمسة وعشرين كيلومترًا من البحيرة.
ماذا وجد الناس في الصباح؟
حين أشرق الفجر، كان المشهد مروّعًا. بشر ودواب وطيور، جميعهم ساقطون في أماكنهم لم يتحركوا. لم تكن آثار عراك أو هروب، فغاز ثاني أكسيد الكربون لم يمنح أحدًا فرصة الإحساس بالخطر، بل انقطع الوعي في لحظة واحدة دون ألم ودون صراع.
بلغ عدد الضحايا من البشر ألفًا وسبعمئة وستةً وأربعين شخصًا، فضلًا عن نفوق ما يزيد على ثلاثة آلاف وخمسمئة رأس من الماشية في المنطقة ذاتها، في واحدة من أشدّ الكوارث الطبيعية غرابةً في التاريخ الحديث.
كيف يفسّر العلماء ما حدث؟
ما جرى في بحيرة نيوس هو ما يعرفه العلماء بـ"الانفجار اللِّمني"، وهو ظاهرة نادرة تحدث حين تتشبّع البحيرة العميقة بغاز ثاني أكسيد الكربون في طبقاتها السفلية حتى تبلغ حدّ الانفجار، فأي اضطراب مفاجئ — كثوران بركاني تحت القاع، أو انهيار صخري، أو حتى مطر بارد — يقلب طبقات البحيرة ويطلق الغاز كله دفعةً واحدة. والأخطر في هذه الظاهرة أن ثاني أكسيد الكربون لا لون له ولا رائحة، فلا ترى السحابة القادمة نحوك ولا تشمّها، ولا تدرك وجودها إلا حين يكون الأوان قد فات.
هل الخطر انتهى؟
لا، لم ينتهِ. بعد الكارثة، ركّب العلماء في البحيرة نظامًا متخصصًا لإزالة الغازات، يتكوّن من أنابيب تمتد من السطح حتى القاع، تتيح لغاز ثاني أكسيد الكربون الخروج بشكل آمن ومستمر على شكل نافورة مائية. والهدف من هذا النظام تخفيف تركيز الغاز في المياه تدريجيًا للحدّ من خطر انفجار بركاني جديد. غير أن الخطر لا يزال قائمًا، إذ تشير القياسات إلى أن مستويات الغاز في البحيرة اليوم لا تزال مرتفعة، مما يعني أن الماضي قد يعود في أي وقت.