الموضوع: مُهاجر
عرض مشاركة واحدة
قديم 01-13-2026, 12:16 PM
المشاركة 468
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
حين اقتحمتني الصحراء،
لم أجد غير الأمنيات أُناجيها،
ولا غير غيمةٍ أُداعب ظلّها،
تعانق السماء،
وتسكب من عيونها دمعةً رخية،
تنسينا هجير النهار،
وتوهِم القلب بأن للظمأ آخر.
وقبل ذاك،
كنت أسير،
لا أحمل في عقلي إلا السلام،
ولا أعلّق في صدري غير الأمل،
غير أنّ دوام الحال — كما علمتني التجارب —
محضُ محال،
وسرابُ كمال.
فما خلا مكانٌ من مشاكسة الآمال،
ولا نجا زمانٌ من خديعة السؤال،
وبها كنت أُثبت لنفسي
أنني إنسان،
تغلبه المشاعر،
ويتنفّس بالحياة عبر الأوجاع والحنان.
لم أكن ألتفت كثيرًا لالتماس الغيم،
ولا أُحسن قراءة إشارات السماء،
حتى تسوّر حالي اليباس،
واستبدّ القحط بالنبض،
فنسيت الربيع،
وغابت خضرة النبات،
وصار حلمي
لا يتجاوز نقيضه،
ولا يطمح إلا إلى ضدّه.
من أمانٍ كان يهدّئني،
واطمئنانٍ كان يؤويني،
تحوّل القلب إلى خوفٍ مقيم،
وصار الواقع ينذر بمصابٍ عقيم.
وُلدتُ مرة،
ثم متُّ ألف مرة،
غير أنّي في كل موتٍ
كنت أُبعث على هيئة وجعٍ جديد،
أحيا لأُنسى عذابات السنين،
لا لأنجو منها،
بل لأحمل ما لا أُطيق.
كان قدرًا لي فيه يد،
يوم أعلنتها — ساذجًا —
بأنني لها حبيب،
فجعلت القول فعلًا،
ومددت لها حبلًا متينًا،
قاسمتها الرئة،
ورهنت لها القلب،
وحتى اسمي
شققتُ لها منه حرفًا،
ونقشته تِبرًا نفيسًا.


فتلك حسرتي…
أعزفها من قيثارة الأنين،
نغمًا من آهات السنين،
وكلماتٍ نُسجت من قهرٍ عظيم.
أزفّ رحيلي،
أنصب خيمة البكاء،
وأستقبل الشامتين،
يواسونني بمصابي،
ويؤمّنونني بالمزيد من الألم.



يتناسل الحزن،
ويتوالد الهم،
ومن رحم الأفول
يولد مصابٌ جديد.
لعناتٌ تتعاقب،
والعمر تنسلخ عنه ثياب السعادة،
حتى لا يبقى
غير ثوب الشقاء،
لا بديل له،
ولا فكاك منه.



أحرث أرض نصيبي،
ومعولي قد أضناه التنقيب،
فإذا بجلمود اليأس
يحطّم معول الأمل،
فيرديني في قعرٍ سحيق،
أُكبّر بعدها على روحي أربعًا،
وخلفي المصلّون.



أبحث عبثًا عن الجاني،
فقد ولّى الدبر،
وقال لي قبل فراره:
ذاك الحب أساطير الأولين.
وكان — لمرارة الصدق — صادقًا،


حين قال:
ذاك جزاء من ألقى عصا الترحال،
وظنّ أن الزمهرير لا يدركه،
ولا العذاب المهين.



كلما خبا حلم،
تداعَت روحي للفجيعة،
وأراقب غيابها
كما يُراقَب الغروب الأخير.
هي محاولاتٌ يائسة،
أراوح بها مكان صبري،
أداعب بها حيلتي،
وأنفخ فيها من روح عزمي،
وأقول:
هي سحابة صيف،
تبدو لتغيب،
ويعقب العسر يسرٌ
لينسيني الحظ العصيب.



يطول انتظاري،
وأحدّق في أفق العيد،
أترصّد أملًا بعيدًا
كأنه وعدٌ لا يريد الوفاء.
تُحيط بي المثبّطات،
ويعتليني سديم العناء،
والقلب ينزف
بعدما انقطعت أوردة الفرج.



تمنّيت لو كنت نسيًا منسيًّا،
أو شجرةً تَعضُدُها فأس الفناء،
لأغيب عن الأشهاد،
وكأنني لم أكن
سوى وهمٍ
تذروه رياح الحقيقة.



لعلّ حلمًا يولد من صُرّة الأماني؟
غير أنّ الثقوب
أغلقت الذاكرة عن الصراخ.
فقرّرت أن أبدّد زحام الأسى،
وأطرد محتلّ القلب،
وأعلن التحرير والاستقلال،
وأقيم — ولو كذبًا —
حفلًا سعيدًا.
أرسلت لها ما أعاني،
أطالبها بتعويضٍ مستحيل:
قلبٌ مهشّم،
لسانٌ أبكم،
سمعٌ معطّل،
وجوارح أنهكها السهاد والبكاء،
حين كنت منفيًّا
في داخلي.



فقالت:
لك ما تريد…
فانتظر فقط
حتى يتكلّم الجماد،
ويبيضّ الغراب،
ويتصالح الليل مع النهار.
ذاك وعدي،
وذاك عهدي،
فانتظر
حتى يتحقّق.