الموضوع: الكرم والإسراف
عرض مشاركة واحدة
احصائيات

الردود
2

المشاهدات
390
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

اوسمتي


أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,545

+التقييم
0.64

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
01-11-2026, 03:30 AM
المشاركة 1
01-11-2026, 03:30 AM
المشاركة 1
افتراضي الكرم والإسراف
بسم الله الرحمن الرحيم





يُعدّ الكرم من القيم الراسخة التي صاحبت الإنسان منذ نشأة المجتمعات، وهو خُلُق يعكس رقيّ النفوس وسموّ الأخلاق، وقد ارتبط في الوجدان العربي والإسلامي بمعاني الشهامة والمروءة والتكافل الاجتماعي. فالكرم ليس مجرد بذل للمال، بل هو إحساس عميق بالآخرين، وتقديم العون عند الحاجة، وإشاعة روح المحبة بين الناس، ولهذا ظلّ الكرم معيارًا يُقاس به فضل الأفراد وعلوّ مكانتهم في المجتمع.

الكرم في الزمن الماضي زمن الشدائد
كان الكرم في الماضي يولد من رحم المعاناة، حيث عاش الناس في شظف من العيش، وقلة في الموارد، ومع ذلك كانوا يتسابقون إلى العطاء، فيؤثرون غيرهم على أنفسهم رغم حاجتهم. لم يكن الكرم آنذاك ترفًا ولا مظهرًا اجتماعيًا، بل ضرورة إنسانية تحفظ كرامة الفقير، وتشدّ أزر المحتاج، وتضمن تماسك المجتمع. فكان الرجل يجود بالقليل وهو يعلم أن الغد قد لا يحمل له المزيد، ومع ذلك يقدّم ما عنده ابتغاء الأجر، واستجابة لنداء الضمير.

دوافع الكرم قديمًا وأثره في المجتمع
انبثق الكرم في المجتمعات القديمة من الإيمان بقيمة التعاون، ومن إدراك أن بقاء الجماعة مرهون بتكافل أفرادها، فكان العطاء صادقًا نابعًا من الإحساس المشترك بالحاجة. وقد أسهم هذا الخُلُق في ترسيخ الثقة بين الناس، وتقوية الروابط الاجتماعية، وتقليل الفوارق الطبقية، حتى أصبح الكرم وسيلة لبناء مجتمع متماسك، يتقاسم أفراده الأفراح والأتراح دون تمييز أو تفاضل.

الكرم في العصر الحاضر وتحول الممارسة
في العصر الحاضر تغيّرت ملامح الكرم عند بعض الناس، فارتبط بكثرة الإنفاق واتساع المظاهر، وأصبح أحيانًا وسيلة للمفاخرة وإثبات المكانة الاجتماعية. ومع وفرة المال وسهولة الحصول على النعم، فقد الكرم لدى البعض جوهره الإنساني، وتحول إلى عادة شكلية يغلب عليها التكلّف، حتى أصبح الإنفاق في غير موضعه يُحسب كرمًا، مع أنه في حقيقته إسراف يفتقر إلى الحكمة والرشد.

اختلاط الكرم بالإسراف في واقع اليوم
أدّى غياب الوعي بمفهوم الكرم الصحيح إلى اختلاطه بالإسراف، فصار البعض يظن أن كثرة الإنفاق دليل على السخاء، ولو ترتب عليه إهدار للمال أو إضرار بالنفس والمجتمع. وقد نتج عن ذلك مظاهر متعددة من التبذير في المناسبات والولائم، وإلقاء الطعام، وصرف الأموال فيما لا نفع فيه، مما يناقض مقاصد الكرم الحقيقية التي تقوم على النفع والإحسان.

الفرق الجوهري بين الكرم والإسراف
الكرم في جوهره إنفاق واعٍ مقصوده الإحسان، ومآله النفع، وحدّه الاعتدال، أما الإسراف فهو تجاوز لهذا الحد، وصرف المال بغير حساب أو حاجة. فالكرم يرفع صاحبه عند الله والناس، بينما يجرّ الإسراف صاحبه إلى الخسارة وزوال البركة، وقد يجتمعان في صورة واحدة، لكن الفارق بينهما يظهر في النية والمآل والأثر.

الكرم في ميزان الإسلام
جاء الإسلام فرفع شأن الكرم، وجعله عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، فحثّ على الإنفاق، وربطه بالإيمان، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، كما مدح الله أهل الإيثار بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، فدلّ ذلك على أن الكرم خُلُق إيماني أصيل.

تحذير الإسلام من الإسراف والتبذير
في الوقت نفسه شدّد الإسلام في التحذير من الإسراف، لما فيه من فساد للنفس والمجتمع، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾، وجاء عن النبي ﷺ قوله: «إنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ إِضَاعَةَ الْمَالِ»، فكان هذا التحذير تأكيدًا على أن الإسراف يتنافى مع مقاصد الشريعة.

عواقب الإسراف على الفرد والمجتمع
يؤدي الإسراف إلى زوال النعم وقلة البركة، ويزرع في النفس حب المظاهر والتفاخر، ويُضعف الإحساس بالمسؤولية تجاه المحتاجين. كما يسهم في نشر الفقر غير المباشر، ويؤدي إلى خلل اقتصادي واجتماعي، ويجعل المال وسيلة للعبث بدل أن يكون أداة للبناء والعطاء.

عقوبة الإسراف في الدنيا والآخرة
أما عقوبة الإسراف، فقد جاءت واضحة في النصوص الشرعية، فالله لا يحب المسرفين، ومن أبغضه الله خسر رضاه وتوفيقه، كما أن المسرفين يُحاسبون على أموالهم يوم القيامة حسابًا شديدًا، إذ يُسأل العبد عن ماله فيما أنفقه، فإن كان في تبذير وإضاعة كان ذلك سببًا في المؤاخذة والعقاب، فضلًا عن العقوبات الدنيوية المتمثلة في ضيق العيش وذهاب البركة.


وفي الختام، يبقى الكرم خُلُقًا نبيلًا لا يستقيم المجتمع إلا به، غير أن جماله الحقيقي لا يظهر إلا إذا اقترن بالحكمة والاعتدال، فالإسلام لم يدعُ إلى التقتير، ولم يرضَ بالإسراف، بل جعل الكرم طريقًا متوازنًا بين العطاء وحفظ النعمة. فحريٌّ بنا أن نعيد للكرم معناه الأصيل، وأن نميّزه عن الإسراف، حتى يكون عطاؤنا سببًا للخير، لا بابًا للهدر والخسارة.