الموضوع
:
الخصوصية حدودك الرقمية
عرض مشاركة واحدة
احصائيات
الردود
0
المشاهدات
72
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية
اوسمتي
مجموع الاوسمة
: 3
المشاركات
2,523
+
التقييم
0.64
تاريخ التسجيل
Feb 2015
الاقامة
رقم العضوية
13657
01-05-2026, 05:35 AM
المشاركة
1
01-05-2026, 05:35 AM
المشاركة
1
Tweet
الخصوصية حدودك الرقمية
بسم الله الرحمن الرحيم
لم تعد الخصوصية في زمن السوشيال ميديا مفهومًا ثابتًا أو حدًّا واضحًا يمكن الإشارة إليه بسهولة، بل تحوّلت إلى مساحة رمادية تتقلص كلما توسّعت دوائر النشر والمشاركة. ففي عالمٍ تُدار فيه العلاقات، والانطباعات، وحتى القيم عبر الشاشات، لم يعد السؤال الحقيقي: هل نكشف؟ بل أصبح: كم نكشف؟ ولماذا؟ ولمن؟
لقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي علاقة الإنسان بذاته قبل أن تغيّر علاقته بالآخرين. فأصبحت الحياة الخاصة مادة قابلة للعرض والتقييم، وأحيانًا للمساءلة العلنية. ومع تكرار المشاركة، تآكل الإحساس بالفاصل بين العام والخاص، حتى بات البعض يشعر أن وجوده الرقمي لا يكتمل إلا بالظهور، ولا يُعترف به إلا إذا شوهد.
في هذا العصر الرقمي، لم تعد الخصوصية تُنتهك فقط عبر الاختراق أو التعدي، بل تُستنزف طواعية. فكل صورة تُنشر، وكل موقع يُحدَّد، وكل فكرة تُكتب بدافع اللحظة، هي تنازل جزئي عن مساحة شخصية قد لا يمكن استعادتها. والمشكلة لا تكمن في الفعل ذاته، بل في غياب الوعي باستمرارية الأثر؛ فما يُنشر اليوم قد يُقرأ غدًا خارج سياقه، ويُستخدم في غير مقصده، ويبقى شاهدًا على مرحلة عابرة.
وتزداد هشاشة الخصوصية حين تختلط الرغبة في التعبير بالحاجة إلى القبول الاجتماعي. فثقافة الإعجابات والمشاهدات أعادت تعريف القيمة، وجعلت الاعتراف مرهونًا بالظهور. وهنا يبدأ الإنسان، دون أن يشعر، في تسويق ذاته، فيكشف تفاصيل يومه، ومشاعره، وعلاقاته، معتقدًا أنه يشارك حياته، بينما هو في الحقيقة يجزّئها ويعرضها للاستهلاك العام.
ولا يمكن إغفال دور المنصات الرقمية نفسها، التي تقوم بنيتها على جمع البيانات وتحليل السلوك. فحتى الصمت الرقمي ليس صمتًا حقيقيًا؛ فالتصفح، ومدة التوقف، ونوع التفاعل، كلها تتحول إلى أثر رقمي يُرسم منه ملف دقيق عن المستخدم: ميوله، اهتماماته، حالته النفسية، وحتى قراراته المحتملة. وهنا تصبح الخصوصية مهددة لا بما نقوله فقط، بل بما نفعله دون إدراك.
أما على المستوى الإنساني، فالخصوصية ليست ترفًا حديثًا، بل حاجة فطرية مرتبطة بالكرامة والحرية والأمان النفسي. فالإنسان يحتاج إلى مساحة لا يُراقَب فيها، ولا يُقاس، ولا يُحاكَم. وحين تضيق هذه المساحة، يظهر القلق، ويزداد الخوف من الحكم، ويضعف الإحساس بالذات، لأن الحياة تتحول من تجربة تُعاش إلى صورة تُعرض.
وفي البعد الأخلاقي والديني، تتجلى قيمة الخصوصية بوصفها مسؤولية لا تقل أهمية عن حرية التعبير. فصيانة الأسرار، وحفظ البيوت، وعدم تتبع العورات، واحترام الحدود الشخصية، كلها مبادئ تؤكد أن ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُملك يُنشر. فالستر قيمة، والصمت حكمة، والاحتفاظ ببعض الأمور ليس نقصًا في الصدق، بل حفاظًا على المعنى.
إن حماية الخصوصية في زمن السوشيال ميديا لا تعني الانعزال عن العالم أو رفض التقنية، بل تعني التعامل معها بوعي ونضج. وعي يُدرك أن بعض التفاصيل جمالها في بقائها غير مرئية، وأن المشاركة ليست دائمًا دليل قرب، وأن ما لا يُنشر لا يعني أنه غير موجود أو غير حقيقي.
فالإنسان لا يُقاس فقط بما يظهره، بل بما يختار أن يحتفظ به لنفسه. وفي زمن أصبح فيه كل شيء قابلًا للعرض، تبقى الخصوصية آخر أشكال السيادة على الذات، وآخر مساحة يملك فيها الإنسان حق الاختيار الكامل
م تُسلب الخصوصية فجأة، بل تآكلت بهدوء مع كل مشاركة غير محسوبة، حتى أصبح الكشف عادة والصمت استثناء. ومع غياب الوعي، لم تعد الحدود تُرسم بإرادة صاحبها، بل بما يراه الآخرون ويؤولونه.
وحين يفقد الإنسان سيطرته على ما يُظهر وما يُخفي، يفقد جزءًا من سيادته على ذاته. لذلك، لم تعد حماية الخصوصية خيارًا ثانويًا، بل وعيًا دائمًا، لأن من لا يحمي حدوده الرقمية بنفسه، سيجد أن حياته رُسمت عنه دون إذن.
رد مع الإقتباس