الموضوع: مُهاجر
عرض مشاركة واحدة
قديم 12-25-2025, 06:22 PM
المشاركة 440
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
وأنا في رحلتي تلك، وفي مكاني ذاك، توجهت إلى الشارع عازماً الذهاب لزيارة تلك المعالم: جبل أحد، ومسجد قباء، والبقيع. أوقفت سيارة الأجرة، وإذا بقائدها رجل عجوز يسألني: أين العزم؟ فأخبرته بأن وجهتي جبل أحد وقباء والبقيع.



تعجب مني، فقال: يا بني، البقاع التي تذكرها في المدينة المنورة وليست مكة!


أخبرته أن يوصلني إلى الحرم، وفي السيارة اعتذرت منه بعدما اختلط عليّ الأمر، فقال: كلٌ له همومه، وكلٌ له تفكيره، وكلٌ يحمل في قلبه ثقل الحياة وأوجاعها، وكلٌ يسعى بين الدروب ليخفف عن نفسه وطأة الأيام، وكلٌ يبحر في عواصف الحياة ليصل إلى برّ السلام الداخلي. ثم تنهد تنهيدة طويلة، كأنه يسحبها من أعماق قلبه، وسكت طويلاً، كأن الزمان توقف ليصغي إلى صمته، وكأن المكان احتوى ثقل الحزن الذي يحمله.


بعدها سألته عن سبب حزنه، فقال: فقدت زوجتي منذ سنة، وهذا حالي. جعلت الشارع سلواي أتناسى به همي، لكن أعظم هم عندي لا يزول إلا حين أعود إلى البيت، حين أفتح الباب وأجد كل زاوية تنطق باسمها، وكل ركن يذكرني بضحكتها، وكل صورة تعانق قلبي، وكل رائحة تهمس لي بأن الحب لم يمت، بل بقي حياً في صمت المكان، وفي ذكرياتنا المشتركة، وفي أعماق روحي التي لا تعرف النسيان. في تلك البقعة بكينا، وهناك ضحكنا، وهناك تواسينا، وهناك الحياة نفسها أحسست بها تدق في كل شيء حولي، كأن روحها ما زالت تعانق روحي، كأن حبنا لم ينقطع، بل امتد من القلب إلى القلب، ومن الذكرى إلى الذكرى، ومن الماضي إلى الحاضر، ومن الأرض إلى السماء.



حدثني وهو يدافع عن دموعه، ثم انقطع حديثه، وقد خفت عليه بعدما جاش بما في قلبه ونطق به لسانه، وكأن الكلمات لم تعد كافية لتسبر أغوار الحزن، وكأن الصمت أبلغ من أي حروف يمكن أن تنطق بها الشفاه.
هو يحدثني، وأنا في بعد آخر، في تلك اللحظة انفصلت عن الزمان والمكان. استقطبت الحاضر والمعاصر عن حال واقعنا، عن العلاقات العابرة التي ليس لها ميثاق، وتلك التي يحفظها الميثاق، عن الحب الذي يختزل كل شيء، عن الوفاء الذي يحفظ كل عهد، وعن الصدق الذي يروي القلوب ويملأ الأرواح سلاماً.



حينها برز في عقلي هذا السؤال: ما هو الحب؟ ما لونه؟ ما طعمه؟ ما معناه؟ علمت بأن لهذا السؤال آلاف المعاني لتلك المفردة، وأن كل قلب يجيب عليه بطريقته، وأن كل روح تراه بنظرتها الخاصة، وأن لكل تجربة مع الحب لونها ورائحتها وطعمها ووقعها في النفس، وأن الحب ليس كلمات عابرة، بل هو حياة تتنفس في العيون، وهو وفاء يكتب على الجدران، وهو صدق يروي الأيام، وهو تضحيات تسكن في الأعماق وتنبض في الصدور.



وأقطع ذلك الاسترسال باستحضار حال هذا الرجل الكبير في السن، ذلك الحب، كيف يراه؟ الكثير منا يجنح لتلك الكلمات العذبة المتبادلة، وللغزل العميق الذي يزين الحوارات، لكن كيف كان هذا الرجل يتعاطى معه؟ هل كان يغدق زوجته بتلك الكلمات العذبة؟ أم كان الحب لديهم فعلاً لا قولاً، حيث تُرجم ليكون الوفاء والإخلاص، والصدق والتضحيات، هو أساس معناه، هو جوهره، هو روح العلاقة، هو ما يبقى بعد زوال كل الكلمات، وما يصمد أمام مرور الزمن والعواصف؟