الموضوع: مُهاجر
عرض مشاركة واحدة
قديم 12-25-2025, 05:49 PM
المشاركة 439
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
لا تزال تلك الرحلة إلى البقاع المقدسة، منذ سنوات طويلة، عالقة في عقلي، وقد تشربها قلبي، فما مررتُ بموقف إلا وخطّ أثره في دفتر ذكرياتي، حتى صارت الرحلة لوحة تتنفس بين صفحات حياتي.



فكانت الرحلة برفقة نفسي، رفيقة الروح التي لم تفارقني، وهي أول تجربة في حياتي، تجربة اجتزت فيها حدود الزمان والمكان، واختبرت فيها أعماق ذاتي، واستشعرت فيها نفحات الروحانية التي لا يعرفها إلا من سار في دروب السكون والتأمل.



في كل لحظة رافقتها تفاصيل دقيقة، ولو دقّت حالها، فتعمدت العيش في كل لحظة بكل شعور، مستشعراً كل واجب ومندوب ومسنون جاء به الدين الحنيف، وكأنّ الزمن كله قد تراجع أمام عظمة تلك اللحظات، وكأن القلب قد صاغ له مساراً بين السماء والأرض.



ولم أجد كمثل ذلك يخط طريقك لتصل إلى تلك المقامات، التي استقر فيها وامتزج فيها أبدال الله في الأرض، فكان كل حجر وكل تلّ، وكل نسيمٍ يمرّ عليّ يذكّرني بعظمة الخالق وبحكمته التي تحيط بكل شيء.



وكي لا أغوص في عمق الرحلة، واستجلب لكم الملل، توقفت عند المواقف التي بينت لي معنى الحياة، بعدما انعتقت وانفصلت عن عالم المحسوس، فقد كنت أسير جسداً في الأرض، وروحاً تحلّق في الملكوت، أرى ما وراء الحجب، وأسمع ما وراء الكلمات، وأشعر بما لا يلمسه إلا من فتح قلبه للسماء.
فعندما وصلت مشارف الحرم، رأيت المكان بلا بنايات تناطح السحاب، ولا مركبات تنبعث منها الملوثات، بل كانت بطحاء تحيط بها التلال، سكونٌ يملأ المكان، ونقاءٌ يحيط بالروح، وكأن الأرض نفسها تنحني إجلالاً للقداسة.
كنت حريصاً على اقتفاء الأثر، حتى وإن خضب الطريق ذلك الأسفلت المنيع، وأنا أقلب نظري رجعت إلى الوراء لألف سنة، يتلوها الأربعمئة من بعثة المعصوم، تلك دار عمر، وذاك دار الأرقم، ورأيت الصحابة في الأسواق يتناجون ويتذاكرون، ينظرون إليّ تعجباً، وقد أتيتهم من عالم ثانٍ، عالم الروح والصفاء.




دخلت الحرم، ورأيت الكعبة، وأولئك الطائفون الملبون، كلّ له حاجته، وكلّ له دعاء يرفعه إلى السماء، وكم أحزنني كثيراً تلك المشاهد حين وجدت الغفلة والتقاط الصور، وكأنهم في نزهة سياحية، وكنت أقول في نفسي: ألا يستحون أمام قدسية المكان؟



طفت وسعيت، وفي السعي انتقلت إلى عهد الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وسعي أمنا هاجر، وهي تضرب برجلها لتسقي الذبيح إسماعيل، وعن ماء زمزم لا تسل، ففيه السر العظيم، سرٌ لا يراه إلا من سلك الطريق بصدق القلب، ومن فتحت روحه لتلقي النور.



وفي كل خطوة، شعرت بأن الزمن يتلاشى، وأن القلب يتسرب إلى رحاب السماء، وأن الروح تجد فيها مرساها، فتصبح الرحلة ليست مجرد مسير بين المكان، بل مسير بين النفس والله، بين الخلق والخالق، بين الأرض والسماء، بين الحاضر والخلود.