الموضوع
:
مُهاجر
عرض مشاركة واحدة
12-25-2025, 01:55 PM
المشاركة
438
مُهاجر
من آل منابر ثقافية
اوسمتي
مجموع الاوسمة
: 1
تاريخ الإنضمام :
Feb 2022
رقم العضوية :
16905
المشاركات:
647
رد: مُهاجر
لا يخلو منتدى من المنتديات، ولا مجلس من المجالس، إلا ويطرق فيه باب الخلاف بين الرجل والمرأة، حتى كأن الخصومة بينهما قدر سرمدي، وصراع أبدي لا يبرح ساحته أحدهما إلا ليغلب الآخر أو يفنيه. يرفع كل طرف لواء المظلومية، ويسوق من الشواهد والمبررات ما ينوء بحمله الثقلان، ليبرر موقفه ويثبت دعواه، ويلقي بالكرة في ملعب خصمه فرارا من السؤال، وهروبا من مواجهة الذات.
وفي خضم هذا الجدال المحتدم يغيب العقل، وتتراجع الحكمة، ويصبح هدم حجة الخصم غاية في ذاتها، لا وسيلة لبلوغ الحق، فتضيع الحقيقة بين صخب الأصوات، ويغيب الميزان الذي به توزن الأمور. والحقيقة الجلية التي لا تقبل الجدل أن الحياة قائمة على الذكر والأنثى معا، وأن العلاقة بينهما في أصلها علاقة تكامل لا تصارع، وتعاون لا تنافر، وما يتسلل إلى هذه العلاقة من خلافات إنما هو عوارض وهوامش لا تنفك عن طبيعة الحياة المتقلبة، إذ لم تخلق الدنيا على وتيرة واحدة، ولا استقرت على حال واحدة.
فالذكر محتاج إلى الأنثى، والأنثى محتاجة إلى الذكر، حاجة الفطرة قبل حاجة الواقع، ومن تعامى عن هذه الحقيقة، أو حاول نفيها، إنما يمارس مكابرة تخرجه من منطق الحياة، وتضعه في مواجهة السنن التي أقام الله عليها الكون.
وقد جاء الإسلام فأرسى دعائم المجتمع، وسن النظم والقوانين التي تحفظ الحقوق وتصون الكرامات، وجعل العدل مظلة يستظل بها كل من ناله ظلم أو لحقه جور، فجعل الحقوق والواجبات متبادلة بين الجنسين، لا تطغى إحداها على الأخرى، ولا تستقيم إلا بمعرفة حدها ومداها. والجهل بهذه المنظومة هو أصل البلاء، إذ يجعل الإنسان يسير في مناكب الأرض متجاوزا الحد، وهو يحسب أنه يحسن صنعا، فيخاصم الخلق وهو ألد الخصام.
ومن أبرز ما يثار في هذا السياق حديث المرأة عن حقوق ترى أنها جردت منها، أو انتقصت، أو أهدرت تحت مسميات شتى، من عرف، أو تقليد، أو وصاية مغلظة. ويأتي في مقدمة ذلك حق الاختيار، اختيار المصير في الزواج، واختيار مسار التعليم، واختيار ما يتصل بالحياة الخاصة في حدود ما أذن به الشرع، بعيدا عن التقزيم، أو الإهانة، أو الانتقاص من الكرامة الإنسانية.
غير أن النظر المنصف يقتضي التفريق بين حق مشروع، ومطلب متوهم، وبين ما أقره الشرع، وما أملته الأهواء. فحق المرأة في المشورة والاستئذان في الزواج ثابت لا مراء فيه، كفله الإسلام صيانة لها، وحفظا لمصلحتها، غير أن هذا الحق لا يعني إقصاء دور الأسرة، ولا إلغاء نظر الولي، إذ كثيرا ما يكون رفض بعض الزيجات نابعا من إدراك أعمق لعواقب الأمور، لا من تسلط مجرد.
وفي المقابل، فإن من الفتيات من تأخذهن العاطفة، فتغفل عن السؤال عن كنه الخاطب، وأخلاقه، ودينه، واستقامته، فتقصر النظر على ظاهر القول، وبريق الشعور، دون تمحيص أو روية. ومن الحكمة أن تنقل الفتاة نظرتها من موقع الندية المتعجلة إلى موقع التأمل الرشيد، وأن تنظر إلى حرص الولي، إن كان صادقا، على أنه حماية لا قيدا، ووقاية لا حجرا.
أما التعليم، فقد بات حقا مكفولا، تسعى الدول إلى توفيره، وتفتح له الأبواب، حتى بلغت المرأة فيه مراتب عليا، غير أن بعض التحفظات التي تثار أحيانا لا تكون وليدة عداء للعلم، بل خوفا من انزلاق في السلوك، أو تجاوز في القيم، وهو خوف قد يكون مبررا في بعض صوره، ومبالغا فيه في صور أخرى، مما يستدعي الحوار لا القطيعة، والإقناع لا الفرض.
وأما الحب، فإنه لا يكون مشروعا إذا انفلت من ضوابطه، ولا يصح أن يتخذ ذريعة لتبرير علاقات عابرة، أو تواصل خارج إطار الزواج، تحت وهم النهاية السعيدة. فما وضعت ضوابط الشرع إلا سياجا يحفظ القلوب من الانكسار، ويصون النفوس من الخداع، ويقلل من آهات المكلومين والمخدوعين. وقد أظهر الواقع أن كثيرا من العلاقات التي رفعت راية الحب انتهت إلى خيبات موجعة، وكرامات منتهكة، لأن الحب حين ينفصل عن القيم يتحول إلى أداة هدم لا بناء.
ولا يصح أن يضفى على الخطأ ثوب الشرعية لمجرد شيوعه، ولا أن يجعل التواتر دليلا على الصواب، فكم من باطل شاع، وكم من حق حورب، والميزان في ذلك كله هو ما وافق الشرع، وحقق المصلحة، ودفع المفسدة.
وفي خضم هذه المطالب، يقع الإشكال حين تتحول الأعراف إلى دين، وتلبس العادات لبوس المقدسات، فيحرم الحلال، ويقيد المشروع، باسم الحرص تارة، وباسم الغيرة تارة أخرى. ومع ذلك، فإن معالجة هذا الخلل لا تكون بالتصادم الأعمى، ولا بالتمرد الفج، بل بالحوار الهادئ، والتدرج الحكيم، وإيضاح الفرق بين ما هو عرف حسن، وما هو قيد مصطنع.
ولا يمكن إنكار أن بعض النساء في هذا الزمان حملن أعباء مضاعفة، فجمعن بين مسؤوليات العمل ومتطلبات البيت، وتحملن ما كان يفترض أن يتقاسمه الطرفان، مما جعل الحاجة إلى إعادة التوازن أمرا ملحا، لا صرخة عاطفية. وليس في ذلك انتقاص من دور الرجل، بل تصويب لمساره، ليعود إلى موقع القوامة بمعناها الحق، لا بتسلط ولا بإهمال.
وما من ظلم يقع على المرأة إلا وكان وراءه بعد عن منهج الدين، أو جهل بأحكامه، فالإسلام رفع شأن المرأة، وحفظ كرامتها، وجعل إهانتها دليلا على لؤم الطبع، لا رجولة الخلق. ولو التزم الناس بأدب القرآن، وسنة النبي، لامتلأت البيوت رحمة، وسكنت القلوب طمأنينة، ولساد التراحم بدل التنازع.
إن جوهر الإشكال ليس في الحقوق ذاتها، بل في الوعي بها، والتمييز بين مشروعها ومتوهمها، وبين ما يسترد بالحكمة، وما يطلب بالصبر، وما يعالج بالحوار. فالثقافة، والتوعية، والرجوع إلى أصول الدين، هي السبيل لتبديد ظلمات التعصب، وتفكيك عقول الجمود، وبناء علاقة صحية بين الرجل والمرأة، قوامها العدل، وسقفها الرحمة.
فالكون كله قائم على التناغم، من الذرة إلى المجرة، ومن الذكر إلى الأنثى، والخير هو الأصل، والشر عارض طارئ. وما بقاء الحياة إلا بالتكامل، وما اندثارها إلا بالصراع. ومن هنا، فإن الواجب قبل الخوض في أي قضية أن يكون لنا من المعرفة نصيب، ومن الوعي رصيد، حتى لا نخوض لجج الخلاف بغير بوصلة، ولا نرفع رايات المطالبة بغير بصيرة.
فإذا كان الميزان هو الشرع، وكان الحوار هو الوسيلة، وكانت الحكمة هي النهج، استقامت الطريق، وهدأت النفوس، وعاد لكل ذي حق حقه، بلا إفراط ولا تفريط.
رد مع الإقتباس