الموضوع: مُهاجر
عرض مشاركة واحدة
قديم 12-19-2025, 11:32 PM
المشاركة 410
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
قال لي صاحبي يومًا:
لم نكن نريدهم أن يُغدقوا علينا حبًّا، ولا أن يُسمعونا كلمات العاطفة،
كلّ ما أردناه أن يتركونا أحرارًا في اختيار من نحب،
وأن نختار مع من نرغب في العيش.
أن يتركوا قلوبنا تعيش بسلام!
لكنهم سلبوا أحلامك بكل بساطة،
وسلبوا فرحك وحياتك.


وفي النهاية تعيش مقهورًا،
ثم تعود إليهم فتعتذر، وتضحك معهم،
وكأنّ شيئًا لم يكن!
رغم أنّك المظلوم والمقهور.



عن نفسي، لم أطلب منهم الحبّ ولا الاحتواء الذي يتحدّثون عنه؛
فقد كان لديّ نصفي الآخر الذي أبني عليه حياتي،
ومستقبلي، وفرحي، وحزني.



كنت أسير في الطريق الصحيح، أخطّط كما ينبغي.
لكنهم بعثروا كلّ شيء،
فلا أنا نلتُ منهم حبًّا،
ولا هم تركوني أعيش مع من أحب.
وفي النهاية أعود إليهم، أضحك وأبتسم وأتحدّث،
وإذا تعب أحدهم أسرعت إليه،
وإذا احتاج أحدهم شيئًا وقفت إلى جانبه،
وكأنّ شيئًا لم يحدث،


وكأنهم لم يتسبّبوا في صناعة قهرٍ نفسيّ داخليّ،
ومشكلاتٍ لا تنتهي.




قلت:
أخي الكريم،
لعلّنا حين نمرّ على بعض الكلمات نجدها تُداعب العقل والوجدان،
ونراها لا تعدو أن تكون ضربًا من النرجسيّة والتنظير.
هكذا أراها — وأنا لا أستثني نفسي من جملة أولئك —
وقد كنت أتساءل عن سبب ذلك.



فوجدت مردّه وعلّته في أنّنا لا نتلمّس الحقيقة،
ولا نُكلّف أنفسنا عناء تتبّع واقعها،
فنُصدر الحكم عليها ليكون بداية البحث وخاتمته،
وآخر المطاف.



ولعلّ قائلًا يقول:
إنّك تقول ما تقول، ولم تعش واقع الحال،
ولم تُكابد ذاك الواقع الذي أحرق ربيع القلب،
فصار صيفًا يابسًا بعد أن كان يُبهج الأبصار.
ومع هذا، يبقى الواقع هو الفرض القائم،
ولا يُجدي حياله بكاء ولا صراخ.



وأقف معكم عند تجربة أحد الأصدقاء،
وهو إلى اليوم بمنزلة الأخ الشقيق لي.



يقول:
كانت طفولتنا — ولا أبالغ — حياة جحيم،
بعد أن طلّق أبي أمّي،
وجلب زوجته الجديدة لتُصبّ علينا ألوان العذاب.
حُرمنا الطعام والشراب،
وطُردنا من البيت ليكون الشارع لنا مقرًّا،
وغالبًا ما كان الجيران ينتشلوننا من
حاويات القمامة،
ليمنحونا العطف والإشفاق.



ومع ذلك،
كبرنا، وبفضل الله عملنا واجتهدنا،
واليوم نعمل في مكان مرموق،
ولنا أُسرٌ واستقرّ بنا الحال.
أمّا أبي،
فله علينا حقّ الأبوة،
وما جرى نحاول تناسيه،
امتثالًا لأمر الله في شأن الوالدين،
وما لهما من حقٍّ مصون.



ولعلّ ما صدر منه كان فَلْتة زمانه،
غير أنّ طمر الأحزان لا يكون سهلًا لدى الجميع،
فبعض الصور حين ترد إلى الذاكرة،
لا تترك مجالًا للغفران،
إذ يتجاوز الأمر القدرة،
ويغدو ضربًا من المعجزات لدى بعض النفوس.
لا ألوم، ولا أُعذر من يقف بين هذا وذاك،
لكنّ العقل يظلّ هو من يُسيّر ويُحدّد وجهة الإنسان.



وهنا يبرز تساؤل:
كيف يشقى بعض الآباء من أبنائهم،
بعدما جلبوا لهم الخزي والعار،
ثم يحسمون الأمر بقولهم:
«أنا متبرّئ منه / منها»،
وكأنّ شيئًا لم يكن؟
بينما الواقع يقول بخلاف ذلك،
فالمشكلة لا تنتهي بتلك الكلمات؛
لأنّ الاسم يظلّ مُلاحقًا لصاحبه،
كالروح مع الجسد،
لا ينفكّ أحدهما عن الآخر.



ومن هنا كان طرقنا لهذا الباب،
ليكون قرعًا لجرس الإنذار،
كي لا تكتوي الأجيال القادمة
بما اكتوت به الأجيال السابقة.




أخي الكريم،
لا تزال هناك تنهدات،
وحشرجاتٌ تسكن الحلق كالغصّة،
غير أنّ علينا في الوقت ذاته
أن نُدير دفّة الواقع،
وألّا نُطيل الوقوف على الأطلال.
أعلم يقينًا
أنّ الكلام سهل التلفّظ،
وأنّ الفعل تعترضه عوائق مُدلهمّة،



ومع ذلك:
الله مع الذين جاهدوا،
والنصر حليف من سعى لتغيير واقعه.
وفي المحصّلة:
لسنا الوحيدين الذين ذاقوا العذاب والحرمان،
وإن اختلفت التفاصيل،
وتفاوتت أحجام المعاناة.