![]() |
مسْكُ الختـــــام
مسك الختام
قبل فترة، شاء الله سبحانه، أن ألتقي برجل فاضل؛ يحمل في قلبه وقارَ التجربة، وفي ملامحه هدوءَ السنين، وأثناء تبادل الحديث، سألتُه سؤالًا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره: بعد أكثر من خمسين عامًا في هذه الحياة، ما هي نصيحتك لي وللجميع؟ كنت أتوقع أن يهمسَ لي بنصائح مألوفة: أكثِر من الطاعة، واغتنمِ الوقت في طلب العلم، واصبر على تقلبات الحياة .. لكن إجابةً واحدة منه هزّتني، وبدّلت نظرتي لأشياءَ كثيرة٠ قال بثقة وهدوء: مرحلة ما بعد الخمسين ليست مرحلة سباق، بل هي محطة للتأمل والمراجعة، ستتأمل فيها ماذا قدمت في هذه الحياة ؟! ومن أوائل تلك المراجعات أنك ستبدأ برؤية ثمار تربيتك في أولادك، ما الذي بقي فيهم من تربيتك؟ ستشاهد كيف أن كلًّا منهم قد استقل بطريقه، وربما سلكوا دروبًا لم تتخيلها يومًا، مختلفة عن تلك التي بذلتَ جهدك لرسمها لهم٠ لذلك نصيحتي: لا تُثقل هذه المرحلة بالحزن والأسى، ولا تُرهق قلبك بمزيد من التوقعات والآمال المؤجَّلة، لا تطارد النتائج، فهي ليست بيدك. ما زرعته قد لا يظهر كما كنت تحلم، لكنه لا يضيع٠ الاختلاف سُنة الحياة، وتحدياتها جزء لا يتجزأ من الرحلة، فإن كنت تنتظر النتائج مقابل سعيك، فهذا ظن مجانب للصواب، لأن النتائج ليست دومًا في يدك، ولا تسير الأمور كلها على ما نشتهي٠ ثم أسهب قائلًا: تذكّر أن أنبياء الله، وهم صفوة خلقه؛ لم يسلَموا من خيبات الأمل مع أقرب الناس إليهم، تأمل خطاب نوح عليه السلام وهو ينادي ابنه الغريق بلوعة الأبوة، وتأمل حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقد بلغ به الرفق مبلغه، وانظر إلى سيدنا محمد *ﷺ* كيف واجه صدود أقاربه رغم صفاء دعوته وطهارة رسالته. فخيبة الأمل التي تصيبك عند تتبع الثمرة، قد عايشها الأنبياء قبلك، والصالحون من بعدهم كذلك، وهي ليست دليلا على الفشل، بل أحيانًا على صدق السعي٠ ثم روى لي قصة الإمام ابن الجَوزي -رحمه الله- قال: كان من أعظم الوُعَّاظ، بل يقال: أن الجدران لو سمعت موعظته لبكت، وقد تاب على يديه أكثر من سبعين ألفًا، وهو مع هذا المنهج التربوي الإيماني المؤثر في القلوب، ابْتُليَ -رحمه الله- بولدٍ عاقٍّ يُدعى عليًّا، تألم من عقوقه حتى ألّف له كتابًا مؤثرًا بعنوان: [لفتة الكبد إلى نصيحة الولد] يناشده فيه ويرقّق قلبه، ولكن الابن لم يتّعظ، بل كان سببًا في سَجن أبيه، ثم باع مكتبته الضخمة بثمن بخس! باع تراث أبيه كما يُباع الدين لمن لا يُقدّر العلم ولا يعرف له قدرًا! ثم تابع حديثه قائلا: ابن الجَوزي رحمه الله برغم برّه بوالديه، لم يسلم من الابتلاء في ولده٠ وكما قال ابن القيم رحمه الله: (من الذنوب ما لا يكفّره إلا همّ الأولاد). حين تخيب الآمال في أبنائك، قد يكون في هذا الألم دافعٌ لقلب منكسر أن يلجأ إلى ربه متضرّعًا، يشكو بثّه وحزنه بين يديه، فيجد في هذا البلاء قربًا ومقامًا، يطرُق باب السماء بإلحاح، ويلحّ في الدعاء بصدقٍ واحتياج، فيرفعه الله بهذا الصدق والانكسار٠ وعلى الجانب الآخر، حين يُصلح الله لك أبناءك، قد تُبتلى بنوعٍ آخر من الفتنة، فتغترّ وتظن أن الفضل كله عائد لتربيتك وسعيك، فتغيب عنك حقيقة المنّة الإلهية٠ فنِعمة الأبناء قد تُطغي أحيانًا، كما أطغت الوليد بن المغيرة، حين قال الله فيه: وبنين شهودًا”٠ ثم ختم كلماته بنبرة حانية: الدعاء هو سر التربية الصالحة، فلا تظن أن كل خيرٍ تزرعه اليوم ستقطفه في حياتك، فبعض الزهر لا يُزهر إلا بعد أن يُغطَّى الجسد بالتراب، ادعُ لأبنائك، وارفق بقلبك، وثق بأن الله لا يضيع أثرًا خالصًا وإن تأخّر٠ أطرقتُ طويلا بعدحديثه، شعرت أنني كنت أنظر إلى الحياة بعدسة ضيقة، تقيس الإنجاز بالنتيجة، والنجاحَ بالطاعة من الأبناء، لا بالصبر من الآباء. (الخلاصة) خرجتُ من هذا اللقاء وكأنني عدت من رحلة، إلى البيت، بل إلى داخلي، إلى تلك الزاوية من الرٌّوح التي تحتاج إلى تصالحٍ مع القدر، وسكينةٍ مع تقلبات الدنيا، وإيمانٍ عميقٍ بأن دورنا هو البذل، أما الثمر، فله ربٌّ كريم لا ينسى٠ طابت اوقاتكم بالخير والنور والسرور وراحة البال٠ وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين٠ (منقول، بتصرف بسيط لضبط النحو والترقيم والتشكيل) |
| الساعة الآن 04:39 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.