منتديات منابر ثقافية

منتديات منابر ثقافية (http://www.mnaabr.com/vb/index.php)
-   منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير (http://www.mnaabr.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   أحجار بعلبك (http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=31998)

أ محمد احمد 08-29-2026 06:29 AM

أحجار بعلبك
 
بسم الله الرحمن الرحيم




https://up6.cc/2026/08/178797381711241.jpg

الكتل الصخرية المعروفة باسم التريليثون (الصف العلوي من أضخم صفين من الحجارة الظاهرة في الصورة) في معبد جوبتر بعلبك




تُعتبر أحجار بعلبك من أعجب الآثار المعمارية التي خلّفتها الحضارة الرومانية في الشرق، وهي تتوزع بين موقعين متلازمين في مدينة بعلبك اللبنانية الواقعة في سهل البقاع، الذي كان يُعرف في العصر الروماني باسم هليوبوليس. الموقع الأول هو الجدار الغربي لقاعدة معبد جوبيتر ضمن مجمع معابد بعلبك، وفيه الأحجار الثلاثة المعروفة مجتمعة باسم التريليثون، أما الموقع الثاني فهو المحجر الروماني الواقع جنوب القلعة على تلة تُعرف محلياً بتلة الشيخ عبد الله، وفيه الكتل الحجرية التي نُحتت ثم تُركت في مكانها دون أن تُنقل قط.

مجموعة التريليثون
تتألف هذه المجموعة من ثلاث كتل حجرية عملاقة مصفوفة أفقياً جنباً إلى جنب ضمن جدار القاعدة، ويزن كل حجر منها ما يزيد على سبعمائة وخمسين طناً وفق بعض التقديرات، وثمانمائة طن وفق تقديرات أخرى، ويبلغ طول أضخمها نحو تسعة عشر متراً وارتفاعه أكثر من أربعة أمتار وعرضه نحو ثلاثة أمتار ونصف. وتكمن الأهمية الاستثنائية لهذه الكتل في كونها مرفوعة فعلياً وموضوعة على ارتفاع عدة أمتار عن سطح الأرض ضمن جدار البناء، وهو ما يجعل مسألة رفعها ونقلها من المحجر إلى موضعها الحالي لغزاً هندسياً لم يُحسم بعد.

كيفية نقل الأحجار ورفعها
يجب التفريق هنا بوضوح بين مجموعتي الأحجار. فالأحجار الثلاثة في المحجر الجنوبي، أي حجر الحبلى والحجر القبلي والحجر المنسي، لم تُنقل إطلاقاً، بل بقيت في مكان قطعها حتى اليوم، وبعضها لا يزال متصلاً جزئياً بالصخر الأم من الأسفل. فهي لم تُحرَّك قط منذ نحتها في العصر الروماني، وهذا بالضبط هو مصدر غموضها: يبدو أن حجمها تجاوز في مرحلة ما إمكانيات النقل المتاحة، فتُركت في موضعها دون استخدام. أما أحجار التريليثون الثلاثة المدمجة فعلاً في جدار قاعدة المعبد، فهي التي نُقلت ورُفعت بالفعل من المحجر إلى موضعها في البناء، وهنا يكمن اللغز الحقيقي الذي لا تزال دراسات علم الآثار عاجزة عن حسمه بشكل قاطع، إذ لم يُعثر حتى الآن على أي نص روماني أو وثيقة معاصرة تشرح الطريقة الفعلية المستخدمة، وكل ما هو متداول اليوم هو نظريات مبنية على استنتاج هندسي لاحق.

من أبرز هذه النظريات نظرية الانزلاق على منحدرات ترابية، وهي الأقرب لما استُخدم في نقل أحجار الأهرامات المصرية، وتقوم على بناء منحدر تراب مدكوك يُسحب عليه الحجر فوق زلاجات خشبية بواسطة عدد كبير من العمال والحيوانات، ثم إزالة المنحدر بعد الانتهاء. غير أن هذه النظرية تصطدم بمشكلة حقيقية في موقع بعلبك، إذ تنحدر التضاريس المحيطة بالمكان الذي كان يُفترض أن يوضع فيه هذا المنحدر، ولم يُعثر على أي أثر لسطح صلب مبني ثم أُزيل لاحقاً.

وهناك أيضاً نظرية الروافع الخشبية المتعددة، وتفترض استخدام مجموعة من الروافع الكبيرة تعمل بالتناوب، ترفع الحجر تدريجياً بضعة سنتيمترات في كل مرة، ثم يُدعَّم الارتفاع الجديد بدعامات خشبية أو حجرية قبل تكرار العملية، وهي الطريقة نفسها التي يُرجَّح أنها استُخدمت في بعض المسلات المصرية. أما النظرية الثالثة فهي الأسطح الدرجية المتدرجة، وتقوم على بناء مصاطب حجرية متتالية يُرفع عليها الحجر درجة درجة باستخدام الروافع، وهي تحاول تفادي إشكالية الانحدار التي تواجه فرضية المنحدر الترابي، لكنها أيضاً لا تملك دليلاً أثرياً مباشراً في الموقع.

والمشكلة الجوهرية التي تواجه كل هذه النظريات ليست في تفسير كيفية رفع حجر واحد ضخم، بل في تفسير كيفية وضع سلسلة من هذه الكتل الهائلة بدقة متناهية جنباً إلى جنب على ارتفاع عدة أمتار، بحيث تتلاءم حوافها بإحكام ضمن جدار واحد متكامل. ولهذا السبب بالتحديد يظل علماء الآثار حتى اليوم غير متفقين على تفسير قاطع، ويكتفي أغلبهم بالإقرار بأن الرومان امتلكوا قدرات هندسية متقدمة جداً في مجال الرفع والبناء، دون أن يكون هناك دليل مادي حاسم يوضح التقنية الدقيقة التي طُبّقت في بعلبك تحديداً.



https://up6.cc/2026/08/17879738171192.jpg

الكتلة المتراصة الثالثة (الحجر المنسي) في موقعها الأصلي بمحجر بعلبك، وتظهر على اليسار بجانب حجر الحبلي



أحجار المحجر الجنوبي: حجر الحبلى
في المحجر الروماني جنوب القلعة، حيث لا تزال الكتل مرتبطة جزئياً بالصخر الأم، توجد ثلاثة أحجار رئيسية أشهرها حجر الحبلى، ويُعرف أيضاً بحجر الحبلة. وتتفاوت القياسات المنشورة لهذا الحجر تفاوتاً ملحوظاً بين مصدر وآخر، فبعض المصادر تذكر طولاً يبلغ نحو عشرين متراً وعرضاً أربعة أمتار وسماكة أربعة أمتار ووزناً يقارب ألفاً وستمائة وخمسة عشر طناً، فيما تذكر مصادر أخرى طولاً يبلغ واحداً وعشرين متراً ومتوسط عرض يقارب أربعة أمتار وثمانية سنتيمترات وارتفاعاً يبلغ أربعة أمتار وعشرين سنتيمتراً ووزناً يقارب الألف طن فقط. ويُرجَّح أن هذا التفاوت ناتج عن اختلاف نقاط القياس وعدم وضوح حدود الجزء المطمور من الحجر تحت الأرض والصخر المحيط به، فضلاً عن اختلاف الدراسات التي اعتمدها كل مصدر.



https://up6.cc/2026/08/178797381713463.jpg

الحجر القبلي (حجر الجنوب)، أُعيد اكتشافه في بعلبك في تسعينيات القرن العشرين ويبلغ وزنه 1242 طناً

الحجر القبلي والحجر المنسي
في مطلع تسعينيات القرن الماضي اكتُشف بالقرب من حجر الحبلى حجر ثانٍ أكبر منه حجماً، يُعرف بالحجر القبلي أو حجر الجنوب، ويُقدَّر وزنه بنحو ألف ومئتين واثنين وأربعين طناً، وهو ما يفوق وزن حجر الحبلى بوضوح ويضعه في مرتبة أعلى ضمن قائمة أضخم الكتل الحجرية المنحوتة المعروفة في التاريخ القديم.

ثم جاء الاكتشاف الأهم في عام أربعة عشر وألفين، حين تمكن المعهد الأثري الألماني العامل في الموقع من الكشف عن حجر ثالث لم يكن معروفاً من قبل، أُطلق عليه اسم الحجر المنسي، ويُقدَّر وزنه بنحو ألف وستمائة وخمسين طناً، وهو ما يعادل تقريباً وزن أربع طائرات من طراز بوينغ سبعمائة وسبعة وأربعين مجتمعة. وقد جعل هذا الاكتشاف من الحجر المنسي أثقل كتلة حجرية متراصة نحتها الإنسان في التاريخ المعروف حتى الآن، متجاوزاً بذلك حجر الحبلى نفسه الذي كان يحمل هذا اللقب لعقود طويلة قبل الكشف عنه.



https://up6.cc/2026/08/178797381714444.jpg

حجر الحبلى قبل البدء في أعمال التنقيب الحالية



الأهمية التاريخية والغموض العلمي
لهذه الأحجار الثلاثة في المحجر الجنوبي أهمية تاريخية إضافية، فهي لا تشكل جزءاً من بناء قائم بل بقيت مفردة في مكان قطعها، وبعضها لم يُفصل عن الصخر الأم فصلاً كاملاً، إذ لا يزال حجر الحبلى مرتبطاً بالصخر من ناحيته السفلى. ويُعتقد أن هذه الكتل كانت مُعدّة لتكون إضافة أخرى لجدار التريليثون في قاعدة معبد جوبيتر، غير أنها لم تُنقل أبداً من موضعها لأسباب لا تزال مجهولة، سواء كانت فنية تتعلق بصعوبة النقل الفعلية بعد اكتشاف ثقلها الحقيقي، أو متعلقة بتوقف العمل في المشروع لأسباب سياسية أو اقتصادية أو حتى وفاة الراعي الإمبراطوري للبناء.

وتضع هذه الأحجار بعلبك في مصاف المواقع الأثرية القليلة في العالم التي تحتفظ بأضخم الكتل الحجرية المنحوتة المعروفة، ولا ينافسها في ذلك على نطاق واسع سوى المسلة الناقصة الباقية في محاجر أسوان المصرية، علماً أن تلك المسلة لم تكتمل ولم تُقطع عن الصخر الأم بخلاف أحجار بعلبك التي اكتمل نحتها.

الروايات والأساطير الشعبية
لا تنفصل هذه الأحجار في الذاكرة الشعبية المحلية عن مجموعة من الروايات والأساطير التي حاولت تفسير حجمها الهائل وسبب بقائها في مكانها. فمن هذه الروايات ما يربط تسمية حجر الحبلى بامرأة حامل خدعت أهل بعلبك وأقنعتهم بقدرتها على تحريك الحجر إن هم أطعموها وخدموها حتى تضع مولودها، فلما وضعته فرّت به تاركةً أهل المدينة. ومنها رواية أخرى تنسب نحت الحجر وتحريكه إلى الجن، بل تذهب بعض الروايات إلى أن الجنّيات الحوامل تحديداً هن من كُلّفن بهذه المهمة. كما ترسّخ في المعتقد الشعبي أن لمس الحجر أو زيارة موقعه يزيد من فرص الحمل عند النساء اللواتي يعانين من تأخره، وهو ما جعل الموقع مقصداً لبعضهن حتى اليوم. وهذه كلها روايات تراثية شفوية متوارثة لا تستند إلى سند تاريخي موثق، لكنها تعكس مدى الحيرة التي أثارها هذا الحجم الاستثنائي لدى سكان المنطقة على مر الأجيال.


الساعة الآن 07:13 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.