منتديات منابر ثقافية

منتديات منابر ثقافية (http://www.mnaabr.com/vb/index.php)
-   منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير (http://www.mnaabr.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   جرائم الحرب اليابانية (http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=31989)

أ محمد احمد 08-17-2026 06:15 AM

جرائم الحرب اليابانية
 
بسم الله الرحمن الرحيم




https://upload.hawamer.com/d.php?has...09b7c1fef809e1

مدينة سوشو، الصين، عام 1938. خندق مليء بجثث المدنيين الصينيين الذين قتلوا على أيدي الجنود اليابانيين.



في خضم الحرب العالمية الثانية، ارتكبت القوات اليابانية سلسلة من الجرائم الممنهجة ضد المدنيين وأسرى الحرب في مختلف أنحاء آسيا والمحيط الهادئ، امتدت من الصين إلى كوريا ومنشوريا ودول جنوب شرق آسيا وصولاً إلى جزر المحيط الهادئ. وقد بدأت هذه الجرائم قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية رسمياً، إذ تعود جذورها إلى الغزو الياباني لمنشوريا عام 1931 والحرب الصينية اليابانية الثانية التي اندلعت عام 1937، واستمرت حتى الاستسلام الياباني في أغسطس عام 1945.

مذبحة نانجينغ
تُعد مذبحة نانجينغ، المعروفة أيضاً باغتصاب نانجينغ، من أبشع الجرائم التي ارتكبها الجيش الياباني خلال الحرب. فبعد سقوط مدينة نانجينغ، عاصمة الصين آنذاك، في يد القوات اليابانية في ديسمبر عام 1937، شنت هذه القوات حملة منظمة من القتل الجماعي والاغتصاب والنهب استمرت نحو ستة أسابيع. تشير التقديرات إلى أن عدد الضحايا تراوح بين مئتين وثلاثمائة ألف مدني وأسير حرب صيني، رغم استمرار الجدل التاريخي حول الرقم الدقيق. وقد شملت الجرائم إعدامات جماعية بالرصاص والسيف، ودُفن كثير من الضحايا أحياءً، وأُحرقت جثث أخرى، فيما تعرضت عشرات الآلاف من النساء للاغتصاب الجماعي، بينهن فتيات صغيرات ونساء مسنات على حد سواء. كما شهدت هذه الفترة مسابقات علنية بين ضباط يابانيين لقتل أكبر عدد من الصينيين بالسيف، وتناقلتها الصحافة اليابانية آنذاك باعتبارها إنجازاً بطولياً.

وحدة 731
تمثل الوحدة 731 واحدة من أظلم فصول الحرب اليابانية، إذ كانت وحدة سرية تابعة للجيش الياباني الإمبراطوري متخصصة في تطوير الأسلحة البيولوجية والكيميائية، ومتمركزة قرب مدينة هاربين في منشوريا تحت قيادة الجنرال شيرو إيشii. وقد أجرت هذه الوحدة تجارب طبية وحشية على آلاف الأسرى الصينيين والكوريين والمنغوليين والروس، شملت التشريح الحي دون تخدير، وحقن الضحايا بالجراثيم المسببة للطاعون والكوليرا والتيفوئيد لدراسة تأثيرها على الجسم البشري، وتعريضهم للبرد القارس لدراسة حالات قضمة الصقيع، فضلاً عن تجارب الضغط الجوي والتعرض للإشعاع. وقُدّر عدد من قضوا نحبهم في هذه التجارب بعشرة آلاف شخص على الأقل، إضافة إلى مئات الآلاف الذين ماتوا جراء استخدام الأسلحة البيولوجية التي طورتها الوحدة في هجمات فعلية على مدن وقرى صينية، كنشر الطاعون عبر البراغيث الموبوءة. واللافت أن القيادة اليابانية لهذه الوحدة حصلت لاحقاً على حصانة من الملاحقة القضائية الأمريكية مقابل تسليم بيانات تجاربهم.



https://upload.hawamer.com/d.php?has...29f865a256eeb2

من الأعلى إلى الأسفل؛ جنود يابانيون يطلقون النار على سجناء سخيين معصوبي الأعين قبل طعنهم بالحراب. تم العثور على هذه المجموعة المكونة من أربع صور بين السجلات اليابانية عندما دخلت القوات البريطانية سنغافورة



نساء المتعة
يشير مصطلح "نساء المتعة" إلى مئات الآلاف من النساء، ومعظمهن من كوريا والصين وإندونيسيا والفلبين، اللواتي أُجبرن على العمل كرقيق جنسي في محطات عسكرية أنشأها الجيش الياباني في مختلف مناطق احتلاله. وقد جرى استقطاب كثير منهن بالخداع أو الإكراه المباشر، وأُخضعن لظروف قاسية من الاغتصاب المتكرر يومياً، وسوء المعاملة الجسدية، والحرمان من الحرية. ولا يزال هذا الملف يشكل نقطة خلاف دبلوماسي حساسة بين اليابان وكل من كوريا الجنوبية والصين حتى يومنا هذا، إذ تختلف الروايات حول درجة الإكراه الرسمي ومدى الاعتراف والتعويض الياباني.

مسيرة الموت في باتان
عقب سقوط شبه جزيرة باتان في الفلبين بيد اليابانيين في أبريل عام 1942، أُجبر نحو سبعة وستين ألف جندي فلبيني وعشرة آلاف جندي أمريكي على السير مسافة تقارب مائة كيلومتر تحت وطأة الشمس الحارقة ودون طعام أو ماء كافيين. وتعرض الأسرى خلال هذه المسيرة للضرب والطعن بالحراب والإعدام العشوائي، ولقي آلاف منهم حتفهم في الطريق، فيما مات آخرون لاحقاً في معسكرات الاعتقال جراء المرض وسوء التغذية والمعاملة الوحشية.

معاملة أسرى الحرب
عانى أسرى الحرب من دول الحلفاء، من بريطانيين وأستراليين وهولنديين وأمريكيين، من ظروف اعتقال قاسية للغاية في معسكرات يابانية متعددة، شملت السخرة القسرية في مشاريع بنية تحتية كسكة حديد بورما الشهيرة التي عُرفت بـ"سكة حديد الموت"، والتي أودت بحياة عشرات الآلاف من الأسرى والعمال الآسيويين المجندين قسراً بسبب الإرهاق والمجاعة والأمراض الاستوائية وسوء المعاملة. كما شهدت هذه المعسكرات حوادث تعذيب ممنهج وحرمان من الرعاية الطبية، وفي بعض الحالات وقعت حوادث أكل لحوم البشر من جانب جنود يابانيين تجاه أسرى قتلى، كما وثقت محاكمات ما بعد الحرب.

غزو منشوريا والصين
منذ احتلال منشوريا عام 1931 وإنشاء دولة مانشوكو العميلة، مارست السلطات اليابانية سياسات قمعية شملت التهجير القسري للسكان، والعمل السخري، والقمع الوحشي لأي مقاومة. وخلال الحرب الصينية اليابانية الثانية، انتهجت القوات اليابانية في مناطق واسعة من الصين ما عُرف بسياسة "الثلاثة كل"، أي "اقتل الكل، احرق الكل، انهب الكل"، كأسلوب لمكافحة حركات المقاومة الشيوعية والقومية، مما أدى إلى مقتل ملايين المدنيين الصينيين وتدمير قرى بأكملها.

الحرب الكيميائية والبيولوجية
استخدم الجيش الياباني أسلحة كيميائية محرمة دولياً، من بينها غاز الخردل والفوسجين، ضد القوات والمدنيين الصينيين في مناسبات عدة رغم كون اليابان طرفاً موقعاً على بروتوكول جنيف لعام 1925 الذي يحظر استخدام هذه الأسلحة. كما نفذت هجمات بيولوجية باستخدام الطاعون والكوليرا في عدة محافظات صينية، أسفرت عن وفاة مئات الآلاف على مدى سنوات، إذ استمر تأثير هذه الهجمات في التسبب بأوبئة بعد انتهاء الحرب بفترة طويلة.



https://upload.hawamer.com/d.php?has...d6df2e753d9afd

مقبرة جماعية لضحايا مذبحة نانجنغ ، 1937


محاكمات طوكيو وملف المساءلة
بعد استسلام اليابان، عقدت محكمة طوكيو الدولية العسكرية للشرق الأقصى بين عامي 1946 و1948 لمحاكمة كبار القادة العسكريين والسياسيين اليابانيين المتهمين بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وقد صدرت أحكام بالإعدام بحق عدد من القادة، من بينهم رئيس الوزراء الأسبق هيديكي توجو، فيما نال آخرون أحكاماً بالسجن المؤبد. غير أن هذه المحاكمات تعرضت لانتقادات واسعة لكونها استثنت الإمبراطور هيروهيتو من المساءلة كلياً لاعتبارات سياسية تتعلق باستقرار اليابان بعد الحرب، كما مُنح قادة الوحدة 731 حصانة كاملة مقابل تعاونهم مع السلطات الأمريكية، ولم تُطرح قضية نساء المتعة بشكل جدي في هذه المحاكمات أصلاً.

عدد الضحايا المقدر بحسب الحدث
- مذبحة نانجينغ: 200,000-300,000 ضحية (الرقم الصيني الرسمي)
- الحرب الصينية اليابانية ككل: 10-20 مليون قتيل صيني
- الوحدة 731: 10,000 قتيل مباشر على الأقل، وربما 200,000+ من ضحايا أسلحتها البيولوجية
- نساء المتعة: 20,000-400,000 امرأة
- مسيرة الموت في باتان: 5,000-10,000 قتيل من أصل 76,000 أسير
- سكة حديد بورما: 12,000 أسير حلفاء + حتى 90,000 عامل آسيوي قسري

الإجمالي التقديري: بين 3 و14 مليون ضحية في آسيا والمحيط الهادئ، مع تفاوت كبير بسبب نقص السجلات والخلاف السياسي حول منهجية الحساب.

اعترافات واعتذارات الحكومات اليابانية
بيان ميازاوا (1982)
عقب أزمة الكتب المدرسية التي اتهمت اليابان بتلطيف وصف غزوها للصين، أصدر كيتشي ميازاوا، كبير أمناء مجلس الوزراء آنذاك، بياناً يعترف بضرورة مراعاة مشاعر الدول الآسيوية المجاورة عند تدريس التاريخ، وأدى هذا لاحقاً إلى إدراج "بند الاعتبار الجاري" في نظام فحص الكتب المدرسية.

بيان كونو (1993)
أصدر يوهي كونو، كبير أمناء مجلس الوزراء، بياناً اعترف فيه رسمياً للمرة الأولى بأن الجيش الياباني كان متورطاً بشكل مباشر أو غير مباشر في إنشاء وإدارة محطات "نساء المتعة"، وأن كثيراً من النساء جُندن ضد إرادتهن عبر الإكراه. يُعد هذا البيان أهم اعتراف رسمي بملف نساء المتعة، رغم أنه لم يُرفق بتعويضات حكومية مباشرة للضحايا.

بيان موراياما (1995)
بمناسبة الذكرى الخمسين لانتهاء الحرب، أصدر رئيس الوزراء تومي إيتشي موراياما بياناً يُعد الأشمل والأكثر وضوحاً بين كل الاعتذارات اليابانية، عبّر فيه عن "ندم عميق" و"اعتذار صادق من القلب" عن الأضرار والمعاناة التي سببتها اليابان لشعوب آسيا من خلال "الحكم الاستعماري والعدوان". وقد تبنته الحكومات اليابانية اللاحقة كموقف رسمي مرجعي.

صندوق المرأة الآسيوية (1995-2007)
أُنشئ هذا الصندوق كمبادرة شبه حكومية لتقديم تعويضات مالية "من الشعب الياباني" لضحايا نساء المتعة، مصحوبة برسائل اعتذار موقّعة من رؤساء الوزراء المتعاقبين. غير أن كثيراً من الناجيات ومنظمات حقوقية رفضن هذا الصندوق لأنه لم يكن تعويضاً حكومياً مباشراً ورسمياً، واعتبرنه محاولة للتهرب من المسؤولية القانونية الكاملة.

بيان كويزومي (2005)
كرر رئيس الوزراء جونيتشيرو كويزومي، بمناسبة الذكرى الستين لانتهاء الحرب، مضمون بيان موراياما تقريباً حرفياً، معبراً عن "ندم عميق" و"اعتذار قلبي صادق".

بيان آبي (2015)
بمناسبة الذكرى السبعين، أصدر رئيس الوزراء شينزو آبي بياناً أثار جدلاً واسعاً، إذ تضمن الاعتذار لكنه استخدم صيغة تشير إلى أن الأجيال اليابانية اللاحقة "لا ينبغي أن تُحمَّل استمرار الاعتذار" عن أفعال أسلافها، مما فُسِّر في الصين وكوريا الجنوبية كمحاولة لإنهاء دورة الاعتذارات الرسمية بدلاً من تجديد الالتزام بها.

اتفاق كوريا الجنوبية-اليابان (2015)
توصلت الحكومتان إلى اتفاق أُعلن أنه يحل قضية نساء المتعة "نهائياً وبشكل لا رجعة فيه"، تضمن اعتذاراً رسمياً من رئيس الوزراء آبي وتعويضاً مالياً عبر صندوق جديد. لكن الاتفاق واجه رفضاً واسعاً من الناجيات الكوريات ومنظمات المجتمع المدني لأنه أُبرم دون استشارتهن، وأُلغي عملياً لاحقاً من الجانب الكوري بعد تغيّر الحكومة هناك.

نقاط الخلاف المستمرة
رغم هذه الاعتذارات المتعددة، لا يزال الملف مثار جدل لعدة أسباب: غياب اعتذار رسمي من العائلة الإمبراطورية نفسها، استمرار زيارات بعض المسؤولين اليابانيين لضريح ياسوكوني الذي يضم أرواح مجرمي حرب مدانين من الدرجة الأولى، الجدل الدوري حول محتوى الكتب المدرسية اليابانية ومدى تفصيلها لهذه الجرائم، وتصريحات متفرقة من سياسيين يابانيين تشكك في حجم مذبحة نانجينغ أو طبيعة إكراه نساء المتعة، مما يقوّض في نظر الصين وكوريا مصداقية الاعتذارات الرسمية السابقة.

إرث هذه الجرائم
لا تزال هذه الحقبة تخيّم بظلالها على العلاقات بين اليابان وجيرانها في آسيا حتى اليوم، إذ تتباين الروايات التاريخية الرسمية اليابانية أحياناً عن الرواية الصينية والكورية، وتثير الكتب المدرسية اليابانية بين الحين والآخر جدلاً حول مدى اعترافها الصريح بحجم هذه الجرائم. وقد قدمت الحكومة اليابانية اعتذارات رسمية متفرقة على مر العقود، من أبرزها بيان موراياما عام 1995 وبيان كونو المتعلق بنساء المتعة، لكن هذه الاعتذارات ظلت محل جدل من حيث كفايتها ومدى التعويضات المصاحبة لها.


الساعة الآن 07:13 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.