![]() |
البَرّاض بن قيس الكناني
بسم الله الرحمن الرحيم
البَرّاض بن قيس الكناني: الفاتك الذي أشعل حرب الفِجار كان البَرّاض بن قيس بن رافع بن قيس بن جُدي بن ضَمرة الضَّمري الكناني من أشهر صعاليك العرب وفاتكيهم في الجاهلية، حتى أصبح اسمه مضربًا للمثل في شدة الفتك والجرأة. ولم يكن ملكًا ولا قائدًا لقبيلة كبيرة، لكنه ارتبط بحادثة كان لها أثر كبير في تاريخ العرب قبل الإسلام، إذ أدى قتله عروة الرحّال بن عتبة بن جعفر بن كلاب إلى اندلاع حرب الفِجار بين قيس عيلان من جهة، وكنانة وقريش من جهة أخرى. نشأته وخلع قومه له كان البرّاض يعيش بين قومه، لكنه اشتهر بالعدوان وارتكاب الجنايات، حتى ضاق قومه بأفعاله وتبرؤوا منه وخلعوه. وبعد أن أصبح منبوذًا بينهم، فارقهم واتجه إلى مكة، حيث حالف حرب بن أمية، ثم لم يستقر بها طويلًا، فارتحل إلى العراق وقصد النعمان بن المنذر ملك الحيرة. وأقام البرّاض بباب النعمان، وهناك وجد نفسه في بيئة تجمع فرسان العرب وسادات القبائل والوفود القادمة إلى ملك الحيرة. لطيمة النعمان كان النعمان بن المنذر يرسل كل عام قافلة تجارية إلى سوق عكاظ، وكانت تسمى اللطيمة، وهي قافلة تحمل الطيب والبز وسائر البضائع التجارية. وفي إحدى المرات سأل النعمان من يستطيع أن يضمن وصول لطيمته إلى عكاظ ويحميها في الطريق. فقال البرّاض إنه يستطيع حمايتها على أرض كنانة، لكن النعمان أراد رجلًا يستطيع حمايتها عبر ديار قيس وكنانة معًا. عندها تقدم عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب، المعروف باسم عروة الرحّال لكثرة وفادته على الملوك، وقال إنه يستطيع حماية القافلة فأعطاه النعمان اللطيمة، وخرج عروة بها متجهًا نحو عكاظ. البرّاض يلاحق عروة لم يرض البرّاض أن يُفضَّل عليه عروة، فتبع القافلة مترصدًا له. وبينما كان عروة يسير بها في طريق الحجاز، أدركه البرّاض، وانتظر الفرصة المناسبة للانقضاض عليه. وتذكر الروايات أن البرّاض أخرج قداح الاستقسام ليستشيرها في قتل عروة، فلما رآه عروة سأله عما يصنع، فأخبره البرّاض أنه يستقسم في قتله. ثم وقع بينهما كلام، فوثب البرّاض على عروة وضربه بسيفه ضربة قاتلة، فخر صريعًا، ثم استولى البرّاض على اللطيمة وفرّ هاربًا. وتختلف الروايات التاريخية في تحديد الموضع الدقيق الذي قُتل فيه عروة، إلا أنها تتفق على جوهر الحادثة: أن البرّاض قتل عروة في طريقه إلى عكاظ، ثم هرب بعد ذلك. من جريمة فردية إلى حرب قبلية كان مقتل عروة أخطر بكثير من مجرد جريمة قتل؛ لأن عروة كان من قيس عيلان، بينما البرّاض من كنانة، كما أن الحادثة وقعت في ظروف ارتبطت بالأشهر الحرم التي كانت العرب تعظّم حرمتها. وعندما وصل خبر مقتل عروة إلى قومه، اشتعلت نار الثأر، وأصبحت الحادثة سببًا مباشرًا في اندلاع واحدة من أشهر الحروب القبلية في الجاهلية. وهكذا تحولت فتكة البرّاض من جريمة ارتكبها رجل واحد إلى صراع واسع بين قيس عيلان وكنانة وقريش. حرب الفِجار سميت الحرب بـحرب الفِجار لأن القتال وقع في الأشهر الحرم، وهي أشهر كانت العرب ترى فيها القتال محرمًا. ولم تكن حرب الفِجار معركة واحدة، وإنما سلسلة من الوقائع والمعارك التي دارت بين القبائل المتحاربة، ومن أشهر أيامها: - يوم شمطة - يوم العبلاء - يوم الشِّرب - يوم الحريرة وكان من أبرز المشاركين والقادة في هذه الحرب عدد من فرسان العرب المشهورين، واستمرت الحرب عدة سنوات قبل أن تنتهي بالصلح. وتختلف المصادر في بعض تفاصيلها وتواريخها الدقيقة، إلا أن الروايات تجعلها في أواخر القرن السادس الميلادي، في الفترة السابقة مباشرة لبعثة النبي ﷺ. صلة النبي ﷺ بحرب الفِجار تكتسب حرب الفِجار أهمية خاصة في السيرة النبوية؛ لأن النبي محمد ﷺ شهد بعض وقائعها قبل البعثة. وتذكر الروايات أنه كان شابًا في ذلك الوقت، وأنه حضرها مع أعمامه، وكان يرد عنهم النبل. ولم يكن النبي ﷺ قائدًا في الحرب ولا صاحب قرار فيها، وإنما كان حضوره مع أعمامه في تلك الأحداث قبل النبوة. وهذا يجعل حادثة البرّاض مرتبطة بصورة غير مباشرة بمرحلة مهمة من التاريخ السابق للبعثة النبوية. نهاية الحرب استمرت المواجهات بين قيس وكنانة وقريش عدة سنوات، وسقط فيها عدد من القتلى من الجانبين. وفي النهاية اتجه الطرفان إلى الصلح، واتفقوا على إحصاء القتلى، وأن يدفع الفريق الذي زاد عدد قتلاه ديات الزيادة، حتى يتساوى الطرفان في الخسائر. وبذلك انتهت الحرب التي كان أصلها حادثة قتل واحدة ارتكبها البرّاض. لماذا أصبح البرّاض مضربًا للمثل؟ لم يشتهر البرّاض بالعلم أو الشعر أو الملك، وإنما اشتهر بالفتك، حتى أصبح اسمه في الذاكرة العربية رمزًا للرجل شديد البطش الذي يقدم على خصمه دون تردد. وقد سار ذكره في الشعر العربي، ومن أشهر ما قيل فيه: «كل يومٍ له بصرف الليالي فتكةٌ مثل فتكةِ البرّاض» وأصبح يقال في العرب عن شدة الفتك والجرأة: «أفتك من البرّاض». وهذه الشهرة تكشف مدى رسوخ قصته في الذاكرة العربية، رغم أن البرّاض نفسه لم يكن من كبار ملوك العرب أو زعمائهم. شخصية مثيرة للجدل في أخبار الجاهلية تكشف قصة البرّاض جانبًا من طبيعة المجتمع القبلي في الجاهلية؛ فقد كان الشرف والولاء القبلي والثأر وحماية الجوار عوامل شديدة التأثير في العلاقات بين القبائل. واللافت في قصته أن قومه أنفسهم تبرؤوا منه بسبب أفعاله، ومع ذلك بقي قادرًا على التنقل بين القبائل والاتصال بالملوك والفرسان، حتى انتهى به الأمر إلى حادثة كان لها تأثير يتجاوز حياته الشخصية بكثير. فلو لم يقتل البرّاض عروة الرحّال، لما وقعت حرب الفِجار بالطريقة التي عرفها العرب، ولهذا ارتبط اسمه بحرب أصبحت جزءًا مهمًا من تاريخ مكة والحجاز قبل الإسلام. المصادر والروايات وردت أخبار البرّاض وحرب الفِجار في عدد من المصادر التراثية، من أبرزها السيرة النبوية لابن هشام، والطبقات الكبرى لابن سعد، وأنساب الأشراف للبلاذري، والكامل في التاريخ لابن الأثير، والبداية والنهاية لابن كثير. وتتفق هذه المصادر على الخط العام للقصة، لكنها تختلف في بعض التفاصيل، مثل تحديد بعض المواضع وتسلسل بعض الأحداث والتاريخ الدقيق للحرب؛ ولذلك ينبغي التعامل مع التفاصيل الجزئية باعتبارها روايات تاريخية قد يختلف فيها النقل. الخلاصة كان البَرّاض بن قيس الكناني صعلوكًا وفاتكًا جاهليًا اشتهر بجرأته وشدة بأسه، حتى صار اسمه مضربًا للمثل. وبعد أن خلعه قومه بسبب جناياته، تنقل بين مكة والعراق، ثم ارتبط اسمه بالنعمان بن المنذر. وكانت فتكة البرّاض بعروة الرحّال الشرارة التي أشعلت حرب الفِجار بين قيس وكنانة وقريش، وهي حرب وقعت قبل الإسلام بسنوات وشهد بعض أحداثها النبي ﷺ في شبابه. وهكذا تحولت ضربة سيف من رجل واحد إلى حرب قبلية امتدت سنوات، وجعلت من البرّاض واحدًا من أشهر الفاتكين في أخبار الجاهلية، حتى بقي اسمه في الأمثال والشعر العربي قرونًا طويلة. |
| الساعة الآن 07:13 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.