منتديات منابر ثقافية

منتديات منابر ثقافية (http://www.mnaabr.com/vb/index.php)
-   منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير (http://www.mnaabr.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   جبل رشمور (http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=31984)

أ محمد احمد 08-11-2026 05:59 AM

جبل رشمور
 
بسم الله الرحمن الرحيم




https://upload.hawamer.com/d.php?has...30be63c21d355f



يُعد جبل رشمور في ولاية ساوث داكوتا الأمريكية واحدًا من أشهر المعالم المنحوتة في العالم. فعلى واجهة جبل ضخم من الجرانيت نُحتت وجوه أربعة من أشهر رؤساء الولايات المتحدة: جورج واشنطن، توماس جيفرسون، أبراهام لينكولن، وثيودور روزفلت.

يبلغ ارتفاع كل وجه نحو 18 مترًا، لكن ما يراه الزائر اليوم ليس سوى الجزء الظاهر من مشروع كان أكثر طموحًا بكثير. فقد استغرق تحويل الجبل إلى نصب تذكاري نحو 14 عامًا، وشارك فيه قرابة 400 عامل، واستخدمت خلاله المتفجرات وآلات الحفر والمطارق الهوائية وأدوات النحت اليدوية لإزالة كميات هائلة من الجرانيت.

لكن قصة جبل رشمور لم تبدأ بالرؤساء الأربعة، بل بدأت بفكرة سياحية، ثم تحولت تدريجيًا إلى مشروع وطني ضخم.

المكان قبل جبل رشمور
يقع جبل رشمور في منطقة بلاك هيلز، وهي سلسلة جبلية في ساوث داكوتا تتمتع بأهمية تاريخية وثقافية كبيرة.

وتحظى بلاك هيلز بمكانة خاصة لدى قبائل لاكوتا والشعوب الأصلية في المنطقة، ولذلك فإن تاريخ الجبل يرتبط أيضًا بتاريخ طويل ومعقد بين الحكومة الأمريكية والسكان الأصليين.

أما اسم "رشمور" فجاء من رجل أعمال ومحامٍ أمريكي يُدعى تشارلز إي. رشمور، الذي زار المنطقة في القرن التاسع عشر، ثم أصبح اسمه مرتبطًا بالجبل.

كان الجبل نفسه كتلة ضخمة من الجرانيت، وارتفاع قمته يقارب 1,745 مترًا فوق سطح البحر، قبل أن يبدأ الإنسان في تغيير واجهته بصورة جذرية.

كيف ظهرت فكرة النصب؟
في عام 1923 ظهرت الفكرة الأولى على يد المؤرخ الرسمي لولاية ساوث داكوتا دوين روبنسون.

كان روبنسون يريد جذب السياح إلى الولاية، واقترح إنشاء منحوتات ضخمة في بلاك هيلز تمثل شخصيات مرتبطة بتاريخ المنطقة والغرب الأمريكي.

وكانت فكرته الأصلية مختلفة تمامًا عن المشروع الذي نراه اليوم؛ فقد كان يفكر في شخصيات من تاريخ الغرب، مثل المستكشفين وشخصيات أخرى مرتبطة بتاريخ المنطقة.

لكن روبنسون كان بحاجة إلى نحات يستطيع تنفيذ مشروع بهذا الحجم.

وهنا ظهر غوتزون بورغلوم.

غوتزون بورغلوم.. الرجل الذي حوّل الفكرة

كان غوتزون بورغلوم نحاتًا أمريكيًا معروفًا بمشروعاته الضخمة.

سبق له أن عمل على مشروع نحت ضخم في جبل ستون ماونتن بولاية جورجيا، ولذلك كان يمتلك خبرة في التعامل مع الصخور الكبيرة والمشروعات التي تتطلب إزالة كميات هائلة من الحجر.

وفي عام 1924 جاء بورغلوم إلى ساوث داكوتا ليتفقد الموقع.

عندما شاهد الجدار الجرانيتى الهائل في جبل رشمور، رأى فيه فرصة لإنشاء شيء أكبر بكثير مما كان روبنسون يتخيله.

واقترح بورغلوم تغيير فكرة المشروع من منحوتات لشخصيات محلية أو أبطال الغرب إلى نصب وطني يمثل تاريخ الولايات المتحدة بأكمله.

وكان هذا التغيير نقطة التحول الأساسية في قصة جبل رشمور.

لماذا اختير هؤلاء الرؤساء الأربعة؟

اختيار الرؤساء الأربعة لم يكن عشوائيًا.

كان بورغلوم يريد أن يمثل النصب مراحل مهمة من تاريخ الولايات المتحدة خلال أول 150 عامًا تقريبًا من تاريخها.






جورج واشنطن.. ولادة الدولة
كان جورج واشنطن قائد الجيش القاري خلال حرب الاستقلال الأمريكية، ثم أصبح أول رئيس للولايات المتحدة.

اختاره بورغلوم باعتباره رمزًا لتأسيس الدولة الأمريكية واستقلالها.

وكان وضع واشنطن في مقدمة المشروع منطقيًا، لأنه يمثل بداية الدولة الجديدة بعد انفصال المستعمرات الأمريكية عن بريطانيا.

توماس جيفرسون.. توسع الولايات المتحدة
كان توماس جيفرسون أحد الآباء المؤسسين، وكاتبًا رئيسيًا لإعلان الاستقلال، وأصبح ثالث رئيس للولايات المتحدة.

اختاره بورغلوم لتمثيل توسع الولايات المتحدة ونمو أراضيها.

وكان من أبرز الأحداث المرتبطة بجيفرسون شراء إقليم لويزيانا عام 1803، وهي الصفقة التي ضاعفت مساحة الولايات المتحدة تقريبًا.

أبراهام لينكولن.. الحفاظ على الاتحاد
أما أبراهام لينكولن فكان يمثل مرحلة مختلفة تمامًا.

فقد تولى الرئاسة أثناء الحرب الأهلية الأمريكية التي اندلعت عام 1861، وقاد الاتحاد خلال واحدة من أخطر الأزمات في تاريخ البلاد.

ارتبط اسمه بالحفاظ على اتحاد الولايات، وبإعلان تحرير العبيد.

لذلك اختاره بورغلوم ليكون رمزًا للحفاظ على الاتحاد والوحدة الأمريكية.

ثيودور روزفلت.. التنمية والقوة
أما ثيودور روزفلت فكان يمثل الولايات المتحدة في مرحلة أحدث.

كان رئيسًا في بداية القرن العشرين، وارتبط بالإصلاحات الداخلية، وحماية الأراضي الطبيعية، وتعزيز قوة الولايات المتحدة ومكانتها الدولية.

كما ارتبط اسمه بدعم مشروع قناة بنما.

ولهذا رأى بورغلوم فيه رمزًا للتطور والتنمية ودخول الولايات المتحدة العصر الحديث.

وبذلك أصبحت الوجوه الأربعة تمثل في تصور المشروع:

- واشنطن: ولادة الدولة

- جيفرسون: توسعها

- لينكولن: الحفاظ على الاتحاد

- روزفلت: نموها وتطورها

معركة الحصول على الموافقة
لم يكن نحت جبل كامل أمرًا يمكن القيام به بمجرد الحصول على فكرة جيدة.

كان لا بد من الحصول على موافقات سياسية وتشريعية، وتأمين التمويل.

لعب السيناتور بيتر نوربيك وعضو الكونغرس ويليام ويليامسون دورًا مهمًا في الحصول على الموافقات اللازمة.

واجه المشروع مقاومة في البداية، واحتاج إلى عدة محاولات حتى أصبح بالإمكان تنفيذ عملية النحت بصورة قانونية.

وفي عام 1925 أُجيز المشروع رسميًا وأصبح الموقع مرتبطًا بنصب تذكاري وطني.

لكن المشكلة الأكبر بقيت: من سيدفع تكاليف المشروع؟






الرئيس كالفن كوليدج يدخل القصة
في صيف عام 1927 كان الرئيس الأمريكي كالفن كوليدج موجودًا في منطقة بلاك هيلز.

وكان بورغلوم يعرف أن دعم الرئيس يمكن أن يغير مستقبل المشروع.

لذلك بذل جهدًا كبيرًا للحصول على دعمه.

وفي 10 أغسطس 1927 أقيم احتفال رسمي في جبل رشمور بحضور الرئيس كوليدج.

وألقى كوليدج خطابًا أعلن فيه دعمه للمشروع، وأصبح الطريق مفتوحًا أمام الحصول على تمويل اتحادي.

ومن هنا بدأ المشروع يتحول من فكرة محلية إلى مشروع أمريكي ضخم.

بداية النحت
بدأ العمل الفعلي في الجبل في 4 أكتوبر 1927.

ومنذ تلك اللحظة بدأت واحدة من أكثر عمليات النحت الجبلية طموحًا في القرن العشرين.

لم يكن أمام العمال جبل صغير يمكن التعامل معه بسهولة، بل كتلة ضخمة من الجرانيت الصلب.

وكان المطلوب تحويل الصخور إلى وجوه بشرية دقيقة يبلغ ارتفاعها عشرات الأمتار.

كيف نُحت جبل رشمور؟
من أكبر المفاجآت أن العمال لم يستخدموا الأزاميل وحدها.

كان الجزء الأكبر من الصخور يُزال بواسطة الديناميت.

وكانت عملية التفجير تتم بعناية شديدة.

كان المهندسون والعمال يحددون المناطق التي يجب إزالتها، ثم تُحفر ثقوب في الجرانيت وتوضع فيها المتفجرات.

وبعد التفجير تسقط كميات ضخمة من الصخور.

ثم تبدأ المرحلة التالية باستخدام آلات الحفر والمطارق الهوائية.

وبعد إزالة معظم الصخور الزائدة تبدأ عملية النحت الدقيقة.

استخدم العمال أدوات مختلفة للوصول إلى التفاصيل النهائية للوجه، مثل الأنف والعينين والفم والجبهة والخدين.

وبذلك مر الجبل بعدة مراحل:

جبل طبيعي → إزالة الصخور بالتفجير → تشكيل الكتلة → الحفر → النحت الدقيق → الوجه النهائي.

كيف تمكنوا من نحت وجه دقيق بهذا الحجم؟
كان بورغلوم يعتمد على نماذج صغيرة للوجوه.

كان يصنع نموذجًا مصغرًا ثم يستخدم القياسات الهندسية لنقل النسب إلى الجبل.

وبهذه الطريقة يعرف العمال المكان الذي يجب إزالة الصخور منه، وكمية الصخور التي ينبغي أن تبقى.

كانت العملية أشبه بتكبير تمثال صغير إلى حجم هائل.

ولهذا لم يكن العمال يعملون بشكل عشوائي؛ بل كانت عملية النحت تعتمد على التخطيط والقياسات الدقيقة.

العمال.. أبطال مجهولون في قصة رشمور
شارك في المشروع خلال سنواته المختلفة نحو 400 عامل.

كان بينهم:

- حفارون
- عمال تفجير
- ميكانيكيون
- حدادون
- فنيو معدات
- عمال نقل
- نحاتون
- مساعدين

وكان العمل في الجبل شديد الخطورة.

كان العمال يعملون على ارتفاعات كبيرة، ويتحركون بين الصخور باستخدام السقالات والحبال والمعدات المعلقة.

وكان عليهم الصعود إلى مناطق العمل يوميًا، وفي بعض المراحل كان الوصول إلى أماكن النحت يتطلب صعود مئات الدرجات.

ومع ذلك، فإن المدهش أن المشروع لم يشهد وفاة أحد من العمال أثناء عملية النحت نفسها.

جورج واشنطن.. أول وجه
كان وجه جورج واشنطن أول الوجوه التي بدأ العمل عليها.

وبعد سنوات من العمل، أصبح أول وجه يكتمل.

وفي 4 يوليو 1930 أقيم حفل تدشين وجه واشنطن.

وكان ذلك لحظة مهمة جدًا؛ إذ أصبح بإمكان الناس لأول مرة رؤية النتيجة الحقيقية للمشروع.

مشكلة جيفرسون
واجه بورغلوم مشكلة كبيرة أثناء العمل على وجه توماس جيفرسون.

فقد بدأ في موقع معين، لكنه اكتشف أن طبيعة الصخور في ذلك المكان لا تسمح بالحصول على النتيجة التي يريدها.

وكان أمامه خياران: الاستمرار في موقع سيؤدي إلى نتيجة سيئة، أو إزالة ما تم نحته والبدء من جديد.

اختار الخيار الأصعب.
تم التخلص من الجزء الذي بدأ العمل عليه، ونُقل وجه جيفرسون إلى موقع آخر على الجبل.

وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من العمل والوقت والجهد ضاع.

لكن النتيجة النهائية كانت أفضل.

وفي 30 أغسطس 1936 دُشن وجه جيفرسون بحضور الرئيس فرانكلين روزفلت.

وجه لينكولن
استمر العمل على بقية الوجوه.

وفي 17 سبتمبر 1937 دُشن وجه أبراهام لينكولن.

وكان اختيار هذا التاريخ مهمًا، لأنه وافق الذكرى الـ150 لاعتماد الدستور الأمريكي.

وأصبح لينكولن ثالث رئيس يظهر على الجبل.

وجه ثيودور روزفلت
كان الوجه الرابع والأخير هو وجه ثيودور روزفلت.

وفي 2 يوليو 1939 أقيم حفل تدشين وجه روزفلت.

وبذلك أصبحت الوجوه الأربعة التي نعرفها اليوم موجودة على جبل رشمور.

لكن المشروع نفسه لم يكن قد انتهى تمامًا.

المشروع الأصلي كان أكبر بكثير

ما نراه اليوم ليس الشكل الذي تخيله بورغلوم في البداية.

كان يريد أن تكون المنحوتات أكبر، وكان مخططه الأصلي أن تظهر الشخصيات من الرأس إلى الخصر تقريبًا، وليس مجرد الرؤوس.

أي أن جبل رشمور كان يمكن أن يبدو مختلفًا تمامًا لو تم تنفيذ الخطة الأصلية بالكامل.

لكن الأموال والمشكلات الفنية وطبيعة الجرانيت والظروف السياسية والعالمية حالت دون ذلك.

ومع اقتراب الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية أصبح من الصعب الاستمرار في توسيع المشروع.

مشروع النقش العملاق
كان لدى بورغلوم فكرة أخرى طموحة.

لم يكن يريد أن يكون الجبل مجرد أربعة وجوه.

كان يريد إضافة نقش ضخم على الجبل يشرح أهم أحداث التاريخ الأمريكي.

كان التصور يتضمن تسعة أحداث رئيسية في تاريخ الولايات المتحدة، تمتد تقريبًا من 1776 إلى 1906.

لكن ظهرت مشكلة كبيرة:

إذا نُقشت الكلمات على الجبل، فسيكون من الصعب جعلها كبيرة بما يكفي حتى يتمكن الناس من قراءتها من مسافة بعيدة.

كما أن طبيعة الجبل والتغييرات التي حدثت أثناء نحت جيفرسون جعلت المشروع أكثر صعوبة.

وفي النهاية تم التخلي عن فكرة النقش العملاق.

قاعة السجلات داخل الجبل
لكن بورغلوم كان مصممًا على ترك رسالة للأجيال القادمة.

فخطط لإنشاء مكان داخل الجبل أطلق عليه اسم قاعة السجلات.

كانت الفكرة أن تحتوي القاعة على وثائق مهمة من تاريخ الولايات المتحدة، بحيث يستطيع الناس بعد مئات أو آلاف السنين معرفة من صنع النصب ولماذا.

وكانت الخطة طموحة جدًا.

كان من المفترض أن تحتوي القاعة على نسخ من وثائق تاريخية مهمة، وتماثيل أو تمثيلات لشخصيات أمريكية بارزة، ومعلومات عن العلوم والصناعة والفنون الأمريكية.

وكان من المخطط أن يكون مدخل القاعة ضخمًا، تعلوه زخارف ونقوش تشير إلى مستقبل الولايات المتحدة.

بدأ حفر قاعة السجلات بالفعل
لم تكن قاعة السجلات مجرد فكرة على الورق.

بين 1938 و1939 بدأ العمال حفر ممر داخل الجبل.

تم تفجير وحفر نفق داخل الجرانيت يبلغ طوله نحو 70 قدمًا.

لكن المشروع توقف عام 1939 عندما أصبح التمويل مشروطًا باستخدام الأموال لإكمال وجوه الرؤساء بدلًا من الاستمرار في القاعة.

وهكذا بقيت القاعة غير مكتملة.

ماذا يوجد داخل القاعة اليوم؟
بعد عقود، وفي عام 1998، وُضع داخل الموقع مستودع تذكاري يحتوي على لوحات تشرح قصة جبل رشمور وتاريخ المشروع والولايات المتحدة.

ووُضعت هذه المواد داخل خزنة من التيتانيوم محمية بالحجر.

لكن المكان ليس قاعة ضخمة مكتملة كما كان بورغلوم يتصور، وإنما بقايا مشروع لم يكتمل.

إدارة المشروع والحكومة
شهد المشروع أيضًا خلافات بين بورغلوم والحكومة.

في عام 1933 أصبحت إدارة الموقع تحت إشراف خدمة المتنزهات الوطنية.

وكان بورغلوم شخصًا قوي الشخصية، ولم يكن مرتاحًا للتدخل الحكومي في مشروعه.

وبعد عدة خلافات تمكن لاحقًا من استعادة قدر كبير من السيطرة على المشروع.

وخلال الثلاثينيات استمر السيناتور بيتر نوربيك في العمل من أجل تأمين التمويل اللازم لاستمرار النحت.

كما ساعدت برامج الإغاثة الحكومية في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت على استمرار العمل.

وفاة غوتزون بورغلوم
في السنوات الأخيرة من المشروع كان بورغلوم يتنقل كثيرًا من أجل تأمين التمويل ومتابعة العمل.

وفي الوقت نفسه بدأ ابنه لينكولن بورغلوم يتحمل مسؤوليات متزايدة في الموقع.

ثم جاءت النهاية المفاجئة.

في 6 مارس 1941 توفي غوتزون بورغلوم في مدينة شيكاغو بعد عملية جراحية.

كان عمره 73 عامًا.

وبعد وفاته تولى ابنه لينكولن الإشراف على المرحلة الأخيرة.

نهاية المشروع
لم تكن وفاة بورغلوم السبب الوحيد في توقف المشروع.

فالعالم كان يدخل مرحلة الحرب العالمية الثانية، وكانت الولايات المتحدة تتجه نحو تعبئة ضخمة.

كما لم تعد هناك أموال أو ظروف مناسبة لمواصلة خطط بورغلوم الكبرى.

وفي 31 أكتوبر 1941 أجريت آخر عمليات الحفر والنحت في جبل رشمور.

وأُعلن المشروع مكتملًا.

وبذلك استغرقت عملية إنشاء النصب حوالي 14 عامًا، من عام 1927 إلى عام 1941.

كم صخرة أزيلت من الجبل؟
خلال المشروع أزيلت كمية هائلة من الجرانيت.

وتقدر الكمية التي أزيلت من الجبل بحوالي 450 ألف طن من الصخور.

والأكثر إثارة أن معظم هذه الكمية لم تُزل بواسطة النحت اليدوي، وإنما باستخدام الديناميت والحفر والآلات، ثم جاءت أعمال النحت الدقيقة في المراحل النهائية.

حجم الوجوه
يبلغ ارتفاع كل رأس نحو 18 مترًا.

وهذا يعني أن الأنف والعينين والفم وغيرها من التفاصيل التي تبدو صغيرة عند رؤيتها من بعيد هي في الحقيقة ضخمة للغاية.

ولو وقف شخص بجانب الوجه، سيبدو صغيرًا جدًا مقارنة بالرأس المنحوت.

وهذه الضخامة هي التي تجعل تفاصيل الوجوه تبدو واضحة للزائر رغم وجودها على واجهة جبل.

لماذا لم يُكملوا الأجساد؟
كان بورغلوم يريد إظهار الرؤساء بصورة أكبر، وصولًا إلى منطقة الخصر.

لكن تنفيذ هذا الجزء كان يحتاج إلى إزالة كميات أكبر من الجرانيت، وكان يتطلب وقتًا وتمويلًا إضافيًا.

كما أن طبيعة الصخور لم تكن مثالية في جميع المناطق.

ثم جاء موت بورغلوم والحرب العالمية الثانية.

لذلك توقفت الأعمال عند الشكل الذي نراه اليوم.

جبل رشمور والسكان الأصليون
هناك جانب مهم لا يمكن تجاهله عند الحديث عن جبل رشمور.

فالجبل يقع في بلاك هيلز، وهي منطقة مقدسة لدى شعب لاكوتا.

وترتبط المنطقة بتاريخ طويل من النزاع بين الحكومة الأمريكية والسكان الأصليين بشأن ملكية الأرض.

ولهذا فإن جبل رشمور لا يُنظر إليه بالطريقة نفسها من الجميع.

بالنسبة لكثير من الأمريكيين أصبح رمزًا لتاريخ الدولة ورؤسائها.

لكن بالنسبة إلى بعض السكان الأصليين، فإن وجود النصب في بلاك هيلز يمثل أيضًا جزءًا من تاريخ الاستيلاء على أراضيهم ومحو أو تهميش تاريخهم.

وهذا يجعل رشمور نصبًا ذا معنى تاريخي وسياسي معقد، وليس مجرد معلم سياحي.

جبل رشمور اليوم
بعد انتهاء النحت أصبح جبل رشمور واحدًا من أشهر الرموز الأمريكية.

وتحول الموقع إلى معلم سياحي كبير، وأصبح الملايين يعرفون صور الوجوه الأربعة حتى لو لم يزوروا الولايات المتحدة.

ومع مرور العقود استمرت الحكومة الأمريكية في تطوير المنطقة المحيطة بالنصب، فأضيفت مرافق للزوار ومسارات ومناطق مشاهدة ومركز للزوار وغيرها من الخدمات.

وأصبح الموقع اليوم جزءًا من منظومة المتنزهات والمواقع التاريخية الوطنية في الولايات المتحدة.

أربعة رؤساء.. وأربعة معانٍ
عند النظر إلى جبل رشمور من بعيد يبدو أن الفكرة بسيطة: أربعة رؤساء منحوتون في جبل.

لكن خلف هذه الوجوه قصة طويلة.

جورج واشنطن يمثل ولادة الولايات المتحدة.

توماس جيفرسون يمثل توسعها.

أبراهام لينكولن يمثل الحفاظ على الاتحاد.

ثيودور روزفلت يمثل التطور والنمو والقوة الحديثة.

ولهذا لم يختر بورغلوم هؤلاء الأربعة لمجرد أنهم رؤساء مشهورون، بل لأنه أراد أن يحول الجبل إلى نوع من كتاب تاريخ ضخم منحوت في الصخر.

الخط الزمني الكامل للمشروع
1923: دوين روبنسون يقترح إنشاء منحوتات ضخمة في بلاك هيلز.

1924: غوتزون بورغلوم يزور المنطقة ويبدأ تطوير فكرة النصب الوطني.

1925: الحصول على الموافقات القانونية للمشروع.

10 أغسطس 1927: إقامة مراسم بداية المشروع بحضور الرئيس كالفن كوليدج.

4 أكتوبر 1927: بدء النحت الفعلي.

4 يوليو 1930: تدشين وجه جورج واشنطن.

1933: انتقال إدارة الموقع إلى خدمة المتنزهات الوطنية.

30 أغسطس 1936: تدشين وجه توماس جيفرسون بحضور الرئيس فرانكلين روزفلت.

17 سبتمبر 1937: تدشين وجه أبراهام لينكولن.

1938: بدء العمل في قاعة السجلات.

2 يوليو 1939: تدشين وجه ثيودور روزفلت.

1939: توقف العمل في قاعة السجلات.

6 مارس 1941: وفاة غوتزون بورغلوم.

31 أكتوبر 1941: آخر عملية حفر وإعلان اكتمال المشروع.

1998: وضع المستودع التذكاري داخل قاعة السجلات غير المكتملة.

الخلاصة
جبل رشمور ليس مجرد أربعة وجوه منحوتة في جبل.

إنه نتيجة مشروع بدأ بفكرة بسيطة لجذب السياح إلى ساوث داكوتا، ثم تحول بفضل رؤية غوتزون بورغلوم إلى مشروع وطني ضخم.

استغرق إنجازه نحو 14 عامًا، وشارك فيه حوالي 400 شخص، وأزيلت خلاله مئات الآلاف من الأطنان من الجرانيت باستخدام الديناميت والحفر والنحت اليدوي.

وكان من المفترض أن يكون المشروع أكبر بكثير مما نراه اليوم، إذ كان بورغلوم يريد إظهار الرؤساء بأجساد أكبر وإنشاء قاعة سجلات ضخمة داخل الجبل ونقش أحداث مهمة من تاريخ الولايات المتحدة على واجهته.

لكن التمويل، وطبيعة الجبل، والخلافات الإدارية، ووفاة بورغلوم، ثم ظروف الحرب العالمية الثانية، أدت إلى توقف العمل عند الوجوه الأربعة.

وهكذا بقيت واشنطن وجيفرسون ولينكولن وروزفلت محفورة في الجرانيت، لتصبح واحدة من أشهر المنحوتات في تاريخ العالم، ولتحمل في الوقت نفسه قصة طموح هندسي وفني هائل، وتاريخًا سياسيًا معقدًا، وإرثًا لا يزال يثير النقاش حتى اليوم.


الساعة الآن 08:03 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.