منتديات منابر ثقافية

منتديات منابر ثقافية (http://www.mnaabr.com/vb/index.php)
-   منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير (http://www.mnaabr.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   غرفة العنبر (http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=31948)

أ محمد احمد 07-12-2026 05:45 AM

غرفة العنبر
 
بسم الله الرحمن الرحيم




https://upload.hawamer.com/d.php?has...806d636c6591e9


في عام 1699، اكتشف المهندس المعماري البروسي أندرياس شلوتر، وهو يعيد تصميم القصر الملكي في برلين لصالح الأمير فريدريش الثالث، كميات ضخمة من العنبر الخام مخزنة في أقبية القصر. تصوّر شلوتر غرفة كاملة تُكسى جدرانها من الأرض إلى السقف بألواح من العنبر. لم يشرع في العمل رسمياً إلا في يناير 1701، حين تُوّج فريدريش ملكاً على بروسيا تحت اسم فريدريش الأول، وكان القصد الأصلي أن تُنصب الغرفة في قصر شارلوتنبورغ، في محاولة لمنافسة أبهة قصر فرساي الفرنسي.

استقدم شلوتر النحات الدنماركي غوتفريد وولفرام لتنفيذ التفاصيل الدقيقة، غير أن المشروع تعثر مراراً؛ فبعد وفاة الملكة صوفي شارلوته عام 1705 فقد شلوتر حظوته في البلاط ونُفي، وطُرد وولفرام بدوره. تولى الحرفيان غوتفريد تورو وإرنست شاخت من دانتزغ (غدانسك حالياً) إكمال العمل، وبحلول عام 1713 كانا قد أنجزا نحو 95 بالمئة من ألواح الغرفة ومنحوتاتها.

من برلين إلى هدية دبلوماسية
توفي فريدريش الأول عام 1713، وخلفه ابنه فريدريش فيلهلم الأول، "الملك الجندي"، الزاهد في الفنون والمهتم ببناء جيش قوي. أمر بوقف العمل وتخزين المواد في ترسانة برلين، حيث بقيت حتى نوفمبر 1716، عندما زار القيصر الروسي بطرس الأكبر البلاط البروسي عقب انتصاره في معركة بولتافا على السويد.

في تلك الزيارة أهدى فريدريش فيلهلم الأول الألواح غير المكتملة إلى بطرس الأكبر تكريساً لتحالف ضد السويد، وفي المقابل أرسل القيصر كتيبة من الجنود طوال القامة، لتنضم إلى فرقة "عمالقة بوتسدام" الشهيرة التي كان الملك مولعاً بجمعها. فُكِّكت الألواح وحُزمت في نحو ثمانية عشر صندوقاً، ونُقلت براً عبر كونيغسبرغ إلى سان بطرسبرغ في رحلة استغرقت نحو ستة أشهر.

الاستقرار في قصر كاترين
وصلت الغرفة إلى روسيا في حالة سيئة؛ تلفت المواد اللاصقة وتفكك بعض العنبر أو تحلل تماماً، ولم يستطع أحد في البلاط إعادة تجميع الفسيفساء المعقدة، فبقيت مخزنة حتى بعد وفاة بطرس الأكبر عام 1725.

لم تكتمل إلا في عهد ابنته الإمبراطورة إليزابيث، التي نقلتها عام 1755 إلى قصر كاترين في تسارسكويه سيلو قرب سان بطرسبرغ. تولى المصمم الإيطالي بارتولوميو رستريلي توسعتها بعنبر إضافي من برلين ومرايا وزخارف ذهبية. بحلول اكتمالها، غطت الغرفة نحو 180 قدماً مربعة بستة أطنان من العنبر والأحجار الكريمة، باثني عشر لوحاً رئيسياً وثماني عشرة عمود مرايا، وكانت تُضاء ليلاً بنحو 565 شمعة تمنحها وهجاً ذهبياً وصفه الزوار بأنه أشبه بالسحر. من بين مكوناتها أربع لوحات فسيفسائية فلورنسية ثمينة من العقيق واليشب والأوبال، أهدتها الإمبراطورة النمساوية ماريا تيريزا، تصوّر الحواس الخمس. نالت الغرفة لقب "أعجوبة الدنيا الثامنة"، بقيمة تقديرية تتجاوز اليوم 140 مليون دولار.

الاجتياح النازي والنهب
في يونيو 1941 شنت ألمانيا النازية غزوها للاتحاد السوفيتي. حاول القائمون على القصر إخفاء الغرفة بتغطيتها بورق جدران عادي، لكن الحيلة لم تنطلِ على جنود ألمان متخصصين بالآثار، الذين فككوا الألواح خلال أيام معدودة بعد دخولهم القصر في سبتمبر 1941 ونقلوها إلى قلعة كونيغسبرغ، حيث أُعيد عرضها تحت إشراف مدير المتحف ألفريد رودِه.

الاختفاء الغامض
مع تراجع القوات الألمانية عام 1944 وتصاعد القصف البريطاني، فُككت الغرفة وعُبئت في صناديق تحسباً لنقلها. لكن القصف المكثف ثم اقتحام الجيش الأحمر للمدينة أوائل 1945 حوّلا القلعة إلى أنقاض، ومنذ ذلك الحين لا يوجد أثر موثق لمصير الألواح.

استُجوب رودِه من قبل الاستخبارات السوفيتية (كي جي بي) بشأن مصير الغرفة، لكنه وزوجته توفيا فجأة بمرض التيفوس في ظروف غامضة قبل جلسة استجواب تالية، ثم اختفت جثتاهما من المشرحة، كما اختفى الطبيب الذي وقّع شهادتي وفاتهما ولم يُعثر له على أثر لاحقاً. أما إريش كوخ، الحاكم النازي لبروسيا الشرقية والمرتبط بعمليات نقل الكنوز الفنية من المنطقة، فظل حتى وفاته سجيناً عام 1986 دون أن يكشف معلومات حاسمة.

لعنة" غرفة العنبر
ارتبطت بالقضية سلسلة وفيات غامضة أثارت حديثاً عن لعنة تلاحق كل من يقترب منها:
- الجنرال غوسيف، ضابط استخبارات سوفيتي كُلّف بالتحقيق في مصير الغرفة، توفي في حادث سيارة بعد أيام من حديثه لصحفي عن عمله.

- جورج شتاين، جندي ألماني سابق تحول إلى صياد كنوز متفرغ للبحث عن الغرفة منذ أواخر الخمسينيات، عُثر عليه مقتولاً في غابة بافارية عام 1987 في ظروف لم تُحسم، بين قول إنه انتحار طقسي وقول إنه اغتيال.

إلى جانب شتاين عمل الألماني الشرقي باول إنكه، وموّل أبحاثهما البارون إدوارد فون فالتس-فاين، الذي أسس "نادي غرفة العنبر" وعرض مكافأة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يعثر عليها.

النظريات المتعددة
-الدمار الحربي: التحقيق السوفيتي الذي قاده ألكسندر بروزوف بعد الحرب خلص إلى أن الغرفة دُمّرت بين 9 و11 أبريل 1945 أثناء معركة كونيغسبرغ، إما بفعل القصف الجوي أو الحرائق التي رافقت اقتحام الجيش الأحمر.

-الإخفاء في مخابئ سرية: نُسبت روايات إلى ضباط إس إس مفادها أن الغرفة خُزّنت في مخبأ تحت الأرض في كونيغسبرغ أو نُقلت إلى منجم بوتاس، دون أن تُفضي أي منها إلى دليل قاطع.

- الغرق البحري: احتمال نقلها على سفينة غرقت في بحر البلطيق أثناء عمليات الإجلاء الألمانية في الأشهر الأخيرة من الحرب.

- رواية مضادة: زعم بعض المصادر أن الجيش الأحمر نفسه أتلفها أثناء الفوضى، وهي رواية قوبلت بتشكيك واسع من المؤرخين.

مما زاد الغموض أن السلطات السوفيتية أبقت موقع القلعة نفسه مغلقاً أمام أي تحقيق مستقل طوال الحقبة السوفيتية، وفي عام 1968 أمر الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف بهدم أنقاضها بالكامل، ما أثار شكوكاً حول محاولة طمس أدلة. بُني على الموقع لاحقاً مبنى "بيت السوفييتات" غير المكتمل حتى اليوم. وفي عام 1997، عثرت الشرطة في مدينة بريمن الألمانية على إحدى لوحات الفسيفساء الفلورنسية الأربع (لوحة الحواس) بحوزة عائلة جندي شارك في تعبئة الغرفة أثناء الحرب، وهو أول دليل مادي ملموس يظهر منذ عقود دون أن يقود إلى بقية الغرفة.

كما تحوّلت القضية إلى ورقة سياسية: ففي عام 1991، خلال زيارة رسمية لألمانيا، أعلن الرئيس الروسي بوريس يلتسين أنه يعرف مكان إخفاء الألمان للغرفة وأنه يريد استعادتها، دون أن يتبع ذلك أي كشف فعلي. وكشفت وثائق جهاز الأمن الألماني الشرقي (الشتازي) بعد سقوط جدار برلين عن ملف يضم نحو 180 ألف صفحة خُصصت وحدها لتتبع أثرها، ما يعكس حجم الهوس الرسمي والشعبي بالقضية طوال الحرب الباردة.

إعادة البناء
عام 1979 قررت السلطات السوفيتية إعادة بناء الغرفة اعتماداً على الصور الفوتوغرافية الأبيض والأسود القليلة الباقية (إذ لا توجد صور ملونة موثقة للأصل) ووثائق أرشيفية، بقيادة حرفيين متخصصين أبرزهم ألكسندر جوروفليف، الذي أشرف على استعادة تقنيات نحت العنبر القديمة المفقودة. استغرق العمل 24 عاماً وكلّف نحو 11 مليون دولار، بتمويل جزئي من شركة "روهرغاز" الألمانية. افتُتحت رسمياً عام 2003 في قصر كاترين احتفالاً بذكرى تأسيس سان بطرسبرغ الثلاثمئة، بحضور بوتين والمستشار الألماني شرودر، وما تزال معروضة حتى اليوم.

وثّق الصحفيان البريطانيان أدريان ليفي وكاثرين سكوت-كلارك القضية في كتاب تحقيقي بعنوان "The Amber Room: The Untold Story of the Greatest Hoax of the Twentieth Century" (2004)، إلى جانب عدة روايات تشويقية حملت جميعها العنوان نفسه.

خاتمة
تختزل قصة غرفة العنبر مساراً من طموح ملكي بروسي إلى هدية سياسية، إلى تحفة روسية فريدة، لتنتهي فريسة لحرب عالمية طمست أثرها وسط حلقة من الوفيات الغامضة والتحقيقات المجهضة. ويبقى مصيرها الحقيقي أحد أعقد الألغاز الفنية في التاريخ الحديث، بينما تشهد نسختها المُعاد بناؤها على قدرة الحرفية الإنسانية على استعادة ما بدا أنه ضاع إلى الأبد.



الساعة الآن 12:08 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security team