منتديات منابر ثقافية

منتديات منابر ثقافية (http://www.mnaabr.com/vb/index.php)
-   منبر القصص والروايات والمسرح . (http://www.mnaabr.com/vb/forumdisplay.php?f=8)
-   -   قصة: *أسبوع واحد* (http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=31920)

أحمد فؤاد صوفي 06-17-2026 01:23 PM

قصة: *أسبوع واحد*
 
قصة: *أسبوع واحد*
*الفصل الأول*
تزوجنا بعد قصة حب عاصف، لم نكن نرى حولنا إلّانا، كنت سعيدة في بيتي، منحنا الرب كل شيء، بيت العائلة الكبير، آل إلينا، نسكن فيه وحدنا، حسب وصية الوالدة قبل وفاتها، رزقنا الله ابنتين بمنتهى الصحة والجمال، مشاريع زوجي وكل استثماراته كانت ناجحة، وتحقق نصيبًا عاليًا من الأرباح، كنا لا نقصر مع الفقراء والمساكين أبدًا، وعائلات كثيرة تتسلم منا راتبًا شهريًا يكفيها لمعيشة آمنة.
استمرت حياتنا هانئة بشكل مرضٍ نحسد عليه قرابة العشر سنين، أما ما كان ينغص علينا جو المحبة، أنّ للحسد عيون لا تنام، وللطمع قلوبٌ لا تشبع، إخوةٌ قربوا نسبًا وبَعُدوا أدبًا، فكانوا علينا لا لنا، وضدّنا لا معنا، ألسنةٌ حداد، وقلوبٌ شداد، لا يعرفون وصلًا ولا يصونون عهدًا، كراهيتهم معلنة، ذلك فقط لأنهم في وضع مادي أدنى من أخيهم، ويطمعون أن يستولوا على بيت العيلة، ويقومون ببيعه، على اعتبار أنه ورثٌ لهم، وهم لا يوفرون يومًا أو مناسبة، إلا ويتكلمون عنا كلامًا كالسيف، بدون اعتبار للقرابة أو للحق، ولا يملكون للرحمة مكانًا أو أي اعتبار.
في السنة العاشرة، مرضٌ أصاب زوجي، لم يقل لي ما هو، وما مدى خطورته، ولم يقبل يومًا أن أذهب معه عند مراجعته للطبيب،
*حبيبتي، ما عليك، دعي هذا الأمر لي، واطمئني.
وتمر الأيام، لم يفقد زوجي ابتسامته رغم الألم، ولا حنانه رغم الوهن، كان يذبل جسداً، ويزداد عطاءً، بل إنه زاد في عطفه عليّ وعلى الأولاد، ولكني كنت أراه يضعف يومًا بعد يوم، وترجّاني ألا أسأله شيئًا عن مراحل مرضه،
*أنا أتناول الأدوية بانتظام، اطمئني أرجوك.
مشاوير العمل أصبحت نادرة، مشوار كل يومين أو ثلاثة، وصار خروجه من البيت أقل كثيرًا من المعتاد، واستمر ذلك لأكثر من عامين، كان يذبل أمامي، وأنا أعلم بداخلي مدى خطورة المرض، وأدرك سبب إصرار زوجي على عدم الحديث عنه معي أبدًا
جاءت السنة الثالثة من مرض زوجي، صار خروجه نادرًا جدًا، وصار بعدئذ طريح الفراش، أنفذ معه برنامجًا صارمًا من الغذاء والدواء، وأقوم بواجبي بالطبع تجاه بيتي وتجاه أطفالي.
في نهاية السنة الثالثة، كنت أقوم بالمهام الاعتيادية في البيت، سمعت أنينًا خافتًا لا أدري مصدره، قفزت مسرعة إلى حجرة زوجي، وجدته هادئ الملامح، ساكن الألم، الموت مرّ عليه برفقٍ، بلا صخبٍ ولا وجعٍ، ولا فزع.
توقفت الحياة أمامي، كان حزني عظيمًا لا يحتمل، أصابني انهيار تام، جاء والدي ووالدتي، وقفا بجانبي، قام والدي بكل الإجراءات اللازمة، كنت منهارة في نفسي بشكل قاتل، وفي نفس الوقت، لم يكن في إمكاني أن أتخلى عن مسؤولياتي، فتحنا سرادق للعزاء، فحضر البعيد، وغاب القريب، وقف والدي يستقبل المعزين ويتقبل العزاء، ولم يحضر أحد من أخوة زوجي أبدًا، وكأن الحسد أعماهم، والشماتة قد أطفأت ما تبقّى في قلوبهم من نور.
مرت ثلاثة أيام لا غير، طرق الباب، فتحته مدبرة المنزل، برز وجه الشقيق الأكبر لزوجي، ووراءه شقيقته الصغرى، دخلا، لم يبدآ بالسلام، أو تقديم أي عزاء، بل اختصرا وجودهما بالقول:
*أنت تعلمين أنك تسكنين في بيت العائلة، كلنا لنا حصص فيه، ويساوي في الوقت الحالي ثروة كبيرة، ونطلب منك مغادرته خلال أسبوع واحد، حتى نتسلمه ونتمكن من التصرف فيه، وحصتك بعد البيع ستصلك أينما كنت، ثم قاما بدون كلام، خرجا كما دخلا، قسوة لا رحمة فيها، وبرودة لا عاطفة معها، اتجها نحو الباب الرئيسي، فتحاه وخرجا منه في صمت بشع.
كان بإمكاني أن أتمسك بالبيت طيلة فترة العدة، فأنا أذكر أن زوجي دفع ثمن البيت لوالده منذ زمن بعيد، ولا أعلم إن كان والده قد نقل الملكية له قبل وفاته، فهذه المواضيع لم تكن مما نتناقش فيه بيننا، وحتى لا أتعرض للمساءلة القانونية ومشاوير المحاكم، فكان عليّ أن أتناسى حالتي وحزني، وأترك البيت.
خلال يومين فقط، ضغطت على نفسي، وبمساعدة من مدبرة المنزل، وجهد والدتي ووالدي، قمت بترتيب حاجياتي وحاجيات الأولاد الأساسية، وتركت الجمل بما حمل، بدون أي نقاش، وانتقلت للعيش في منزلنا القديم، منزل والدي.
كان نصيبي في المنزل غرفة واحدة، تخلى عنها أخي الأصغر، لتصبح ملاذًا لي ولابنتيّ، الوضع لم يكن ميسرًا، فالطلبات كثيرة ويومية، واضطررت أن أبدأ ببيع ما أملكه من ذهب، جمعته من هدايا زوجي خلال حياتنا الهانئة،
*لا تستكثري على نفسك شيئًا، أنت تستحقين الدنيا وما فيها، هذا الذهب ستحتاجينه يومًا لك و لأولادنا، اجعليه ضمانًا لك.
-----------
يتبع ،،،

أحمد فؤاد صوفي 06-18-2026 04:03 AM

رد: قصة: *أسبوع واحد*
 
قصـــــــــة: *أسبوع واحد*
*الفصل الثاني والأخير*
بعد أسبوع واحد، وإذ بشقيق زوجي وأخته معه، يحضران إلى بيت والدي، يركبهما الغضب، وحالما فتحت لهما الباب، وبدون إلقائهما أي تحية،
*أين ذهبتم بالأملاك والعقارات والحسابات البنكية، إن لنا حقوقًا لن نتنازل عنها، وسنطاردك في المحكمة، أين ذهبت الثروة؟
ولشدة انزعاجي من طريقتهم في الدخول إلى البيت بدون احترام لحرمته، واتهامي بشيء جديد لا علم لي به، فقد كان جوابي:
*ما أدراني، اذهب واسأل أخاك في قبره.
ثم أغلقت الباب وراءهم بنزق، وعدت سريعًا إلى غرفتي وأنا غاضبة وشاردة، ولكني كنت أسائل نفسي، فعلًا، أين تبخّرت الأموال؟ أين غابت العقارات؟ كيف يختفي بحرٌ من الثروة كأنها ما كانت؟ زوجي رحمه الله لا يفعل ذلك، هذه ليست شخصيته التي أعرفها.
بعد تفكير، فأنا لم أستطع أن أصدق ما سمعت، وطلبت من والدي بتوكيل مني، أن يعمل لي حصر إرث لزوجي رحمه الله، ولم يقصر والدي، احتجنا إلى يومين لاستلام شهادة حصر الإرث، وكانت فارغة تمامًا، لا توجد أموال أو عقارات، لا يوجد فيها شيء.
استمريت على بيع قطعي الذهبية، لأصرف على البيت، وبحسابات بسيطة وجدت أن ذهبي قد يكفيني ثلاثة أعوام أخرى أو ما يزيد قليلًا، قلت في نفسي،
*منذ الآن علي أن أبحث عن عمل لتأمين دخل لأسرتي.
بدأت البحث عن عمل من خلال إعلانات الوسائط الاجتماعية ومواقع الأخبار، وبدأت الاتصال بجميع من أعرفهم من الأصدقاء، وخلال ذلك لم يغب عن فكري موضوع ثروة زوجي، كان مليونيرًا، لديه أموال فائضة، وعقارات كثيرة، أين اختفت كلها.
خلال بحثي في البيت عن أوراقي الشخصية، لأجمعها من أجل التقديم للوظيفة، وجدت أوراقًا تعود لزوجي، وبطرف عيني فوجئت باسمي على ورقة قديمة منها، وتساءلت، كيف يكون اسمي هنا، ولماذا، ما علاقتي أنا بهذه الأوراق.
أخذت الوثيقة وعرضتها على أبي، ونحن الاثنان لم نفهم منها شيئًا، توجهت بالسؤال إلى والدي،
*أرجوك يا والدي، خذ الورقة غدًا، واعرضها على المحامي الذي كان زوجي يتعامل معه، واجعلني أفهم وأطمئن.
في اليوم التالي، والدي لم يتوانَ عن طلبي، بل أسرع إلى مكتب المحامي يستفسر منه،
*عزيزي، هذه ورقة واحدة من نموذج يتألف من ثلاث ورقات، يستخدمونه عادة في الدوائر العقارية تحديدًا، وأنت تعلم، النماذج لا تتشابه، لكل دائرة نموذجها الخاص.
*حسنًا، ولكني لم أستفد شيئًا، كيف لي أن أعرف سبب وجود اسم ابنتي هنا؟.
*عليك أن تذهب إلى الدائرة العقارية الرئيسية وتسأل عن ذلك، بشرط أن يكون لديك وكالة خاصة من ابنتك.
في وقت مبكر من صباح اليوم التالي، أسرع والدي في الذهاب إلى الدائرة العقارية، حاملًا معه الورقة التي تحمل اسمي، وبيده الوكالة العامة التي كنت قد صدرتها باسمه من قبل، لم يستغرق الأمر سوى أقل من ساعة، حتى جاء مدير الدائرة ووراءه الموظف المسؤول،
*لقد قام ولدكم منذ عامين بنقل جميع أملاكه إلى اسم زوجته، ولم يحتفظ لنفسه بأي شيء على الاطلاق.
فرح العجوز، وغادر الدائرة متجهًا إلى البيت، ولكن خطر في باله خاطر آخر، عاد إلى الدائرة وطلب سجلًا للأملاك التي أصبحت الآن كلها باسم ابنته، وبعد انتظار قصير حصل على السجل المطلوب، ثم وفجأة خطر في باله خاطر آخر،
*سأذهب إلى البنك أولًا وأسأل عن الحسابات، وبعد ذلك أعود إلى البيت.
دخل والدي البيت بخطواتٍ تركض أمامه، وكأن الفرحة قد أعادته شابًا، ضحكته العريضة تملأ محياه، نادى علينا دونما تأخير،
*انظروا، جميع الأملاك وحسابات البنك قد انتقلت منذ عامين لاسم ابنتنا.
امسكت السجل العقاري، أطالع أسماء العقارات الكثيرة التي بت أمتلكها، وكانت المفاجأة التي ألجمتني، أن بيت العيلة القديم كان أولها.
أحببت الانتقام ممن لم يصونوا الأصول وصلة القرابة، ولم يصونوا ذكرى أخيهم، الذي عانى ثلاث سنوات قبل أن ينتقل إلى رحمة الله، فماذا أفعل!
قمت بتصوير السجل، بعد أن وضعت علامة واضحة على البند الأول، الذي يبين أنني الشخص الذي يمتلك بيت العيلة الآن، وأرسلت الصورة والعلامة ظاهرة فوقه، لكل من أشقاء زوجي وزوجاتهم، وكذلك لشقيقاته، وكلها في نفس التوقيت، بعد أن كتبت تعليقًا تحتها من كلمتين لا غير "أسبوع واحد"، ثم أغلقت هاتفي، ووضعته بعيدًا.
أحسست بالراحة، وأسرعت إلى غرفتي، أضم ابنتيّ، ونمت الليل بطوله ملء جفوني.


الساعة الآن 10:20 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security team