![]() |
*مَلْحَمَة* *مَنْقُوشَةٌ وَدِمَاءْ*
*مَلْحَمَة* *مَنْقُوشَةٌ وَدِمَاءْ* *1* *فِرْدَوْسُ الذَّاكِرَة* في صَبِيحَةِ صَيْفٍ كَانَ جَمِيلا اَلضَّوءُ يَغْسِلُ وَجْهَ الطَّرِيقْ اِشْتَهَيْتُ مَنْقُوشَةً مِنَ الزَّعْتَرْ بِرَائِحَةِ الْأَرْضْ تَخْبِزُهَا لَنَا "أمُّ دُرَيْدْ" بالصَّبْرِ والْمَحَبَّة تَحْتَ شَجَرَةٍ عَتِيقَةٍ تَعْرِفُ أَسْمَاءَنَا وَتُخَبِّئُ في ظِلِّهَا ضَحِكَاتِ الْعِيْدْ لَهَا فُرْنٌ صَغِيرٌ كَقَلْبٍ دَافِئٍ لَا يَخُونْ وَطَاوِلَةٌ تَفُوحُ حَنَانًا وَعَرِيشَةُ ظِلٍّ تَتَدَلَّى مِنْهَا أَغَانِي الْمَكَانْ وتَنْسِجُ الظِّلَّ من خُيُوطِ الْحَكَايَا وحَطَبٌ ثَقِيلٌ كَأَنَّمَا اخْتَزَنَ أَنْفَاسَ السِّنِينْ دُكَّانُهَا لَهُ سُورٌ قَصِيرٌ هُنَاكَ عِنْدَ الزَّاوِيَة خَلْفَهُ غَابَةٌ يُسْمَعُ هَمْسُهَا، فَتُغَنِّي السَّاقِيَة اَلْمُصْطَافُونَ يَعْرِفُونَهَا كَأَنَّهَا عُشٌّ يَجْمَعُ إِلَيْهِ قُلُوبًا وَافِيَة *2* *زِلْزَالُ الْفَاجِعَة* أَسْرَعْتُ، وَخُطَى الْلَّهْفَةِ تَسْبِقُنِي فَإِذَا بِالْعَرِيشَةِ رُكَامْ وَالْفُرْنُ أَنِينْ الْحَطَبُ شَظَايَا تَبَعْثَرَتْ فِي حُضْنِ الْتُرَابْ وخَيْطُ دَمٍ مَنْقُوشٌ عَلَى الرَّصِيفْ يَمْتَدُّ فِي الْمَدَى كَأَنَّهُ أَثَرٌ لِلْغَائِبِينْ سَأَلْتُ مَنْ تَبَقَّى مِنْ شُهُودِ الْحِكَايَة أِيْنَ أُمُّ دُرَيْدٍ قَدْ ذَهَبَتْ فَقَالُوا: دَوْرِيَّةٌ مَرَّتْ تَقْتَاتُ مِنَ الْحِقْدْ تَرْتَدِي وَجْهَاً مِنَ الرَّمَادْ وَتَجُرُّ خَلْفَهَا رَائِحَةَ الْحَدِيْدْ أَكَلُوا، شَرِبُوا، ضَحِكُوا وَحِينَ جَاءَ وَقْتُ الْحِسَابْ اِقْتَرَبَ صَغِيرُهُمْ مِنْهَا تَطَلَّعَ فِي عَيْنَيْهَا وَأَهْدَاهَا رَصَاصَةً فِي قَلْبِهَا ثُمَّ أَدَارَ لَهَا ظَهْرَهُ وَهَرَبْ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ أَحْفَادًا مُشَرَّدِينَ وَوَلَدَاً يُفَتِّشُ عَنْ ظِلِّ أُمٍّ وَوَطَنٌ يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ سَوْطِ جَلَّادٍ وَرُتَبْ أَلَمٌ أَلَمَّ بِقَلْبِي كَادَ عَقْلِي أَنْ يَفِرَّ مِنَّي صَرَخْتُ مِنْ قَلْبٍ كَسِيرْ: أَيَا وَطَنِي اِسْتَفْرَدُوا بِكَ، قَتَلُوكْ، صَلَبُوكَ عَلَى أَعْمِدَةِ الرِّيحْ وَمَنَعُوا عَنْكَ حَتَّى الشَّهِيقْ يَا جَمْرَةً فِي خَاصَرَةِ الرُّوحْ سَرَقُوا الْخَيْرَ مِنْ أَرْضِكْ، تَرَكُوكَ عَارِياً في مَهَبٍّ عَاصِفْ وَقَتَّلُوا أَبْنَاءَكَ، صُنَّاعَ مَجْدِ الْحُرُوفِ، أَصْحَابَ الْأَدَبْ *3* *اِنْبِلَاجُ الْفَجْرْ* ثُمَّ جَاءَ الصَّبَاحْ سَمِعْنَا شَقْشَقَةَ الطُّيُورْ وكَأَنَّ السَّمَاءَ أَبَتْ إِلَّا أَنْ تُعِيدَ كِتَابَةَ الْوُجُودْ فَجْرٌ مُهِيبٌ، يَمْشِي عَلَى مَهَلٍ نَحْوَ الْعُيُونْ وَالّْلَيْلُ يَهْتِفُ: اللهُ أكبرُ… اللهُ أكبرْ… العَسْكَرُ عَنِ الدَّرْبِ انْدَحَرْ وَكَبِيرُهُمْ فِي جُنْحٍ مِنَ الّْلَيْلِ هَرَبْ وَفِي لَحْظَةٍ مِنْ عُمْرِ الزَّمَانْ اِمْتَلَأَتِ السَّاحَاتُ بِالنَّدَى، بِالْهُتَافْ، بِالْحُرِّيَّة اِنْتَهَتْ خَمْسُونَ عَاماً أَوْ تَزِيدْ بِعَوْنٍ مِنَ اللهِ لَنْ تَعُودْ اِنْحَسَرَ الْخَرابُ فِي بَلَدِي صِرْتُ أَرْفَعُ اِسْمِي بِرَايَةٍ بَيْضَاءْ يَشُقُّهَا خَيْطُ دَمٍ مِنْ تَوَاقِيعِ الشُّهَدَاءْ وَأَقُولُ: أَنَا مِنْ هُنَا، هَذِهِ الْأَرْضُ أَرْضِي أَنَا إِلَى هُنَا أَنْتَمِي صِرْتُ فَخُورًا بِاسْمِي فَخُورٌ أَنا، بِكُلِّ حَسَبٍ لَنا وَنَسَبْ *4* *نِدَاءُ الْأَرْضْ* يَا أَبْنَاءَ الْأَرْضْ، يَا شُهَدَاءِ الْحَقْ، يَا بُذُورَ الْغَدِ فِي رَحِمِ الْحَيَاةْ، هَذَا وَطَنُكُمْ عَادَ إِلَيْكُمْ أَسْرِعُوا وَعُودُوا إِلَيْهْ اِزْرَعُوا الْقَمْحَ عِنْدَ عَتَبَاتِ الْبُيُوتْ وَاتْرُكُوا لِلْأَطْفَالِ أَنْ يَضْحَكُوا فِي الطُّرُقَاتْ اِزْرَعُوا الْعَدْلَ فِي الْقُلُوبْ اِهْدُمُوا زَنَازِينَ الْخَوْفْ وَانْثُرُوا الْمَحَبَّةَ فَوْقَ روَابِيكُمْ وَالشُّطْآنْ اِمْلَؤُوا الدُّرُوبَ خَيْرَاً نَامُوا مِلْءَ الْعَيْنِ دُونَ وَجَلْ فَالْكَرَاهِيَّةُ لَمْ يَعُدْ لَهَا أَبْوَابْ وَالشَّرُّ لَيْسَ لَهُ فِي أَرْضِنَا مَمَرٌّ أَوْ جُذُورْ كُونُوا فِي دَارِ الْفَخْرِ مَرْفأَ ظَفَرٍ وأَمَانْ *5* *عودة الأمل* سَيَعُودُ الْأَطْفَالُ يَوْمَاً إِلَى ظِلِّ الشَّجَرْ وَتَعُودُ رَائِحَةُ الزَّعْتَرْ تَفُوحُ مِنَ الْتَنُّورْ كَأَنَّهَا نَشِيدُ حَيَاةْ وَهَا هِيَ ذِي "أمُّ دُرَيْدْ"بَاقِيَةٌ لَمْ تَمُتْ بَلْ كَانَتْ تَخْتَبِئُ خَلْفَ الضَّبَابْ تَنْتَظِرُنَا عِنْدَ مَطْلَعِ السَّحَرْ *** |
| الساعة الآن 01:52 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.