![]() |
الشِّعرى اليمانية
بسم الله الرحمن الرحيم
https://upload.hawamer.com/d.php?has...5515492bd19d92 في أعماق السماء الليلية، وسط زحام النجوم والكواكب، يتربّع نجمٌ واحدٌ على عرش الضوء، لا يُنازَع ولا يُجارَى. إنّه سيريوس، المعروف في التراث العربي والإسلامي بـ**"الشِّعرى اليمانية"**، أو ببساطة "الشِّعرى"، النجمُ الأبرق في السماء بأسرها بعد الشمس، والذي شهد له الإنسان عبر آلاف السنين بالجمال والسطوع والتأثير. الموقع والمواصفات الفلكية يقع سيريوس في كوكبة الكلب الأكبر (Canis Major)، ويحتلّ موقع قلبها وأكثرها توهّجاً. يبعد عن الأرض نحو 8.6 سنة ضوئية فحسب، مما يجعله أحد أقرب النجوم إلينا في الجوار الكوني المباشر، وهذا القرب النسبي هو أحد أسباب وهجه الاستثنائي في سمائنا. لسيريوس قدرٌ ظاهري بلغ −1.46، وهو أعلى سطوع ظاهري لأي نجم في السماء الليلية. لكن ما السطوع الظاهري؟ هو مقياس لمقدار ما نراه من الأرض، وكلّما قلّت القيمة كان النجم أكثر إضاءةً. وهكذا يتصدّر سيريوس قائمة النجوم الأشدّ بريقاً من منظور المراقب على الأرض. يُصنَّف سيريوس نجماً من النوع الطيفي A1V، أي نجمٌ أبيض مائل إلى الزرقة، بارد النور في ظاهره لكنّه في الحقيقة أعلى حرارةً من شمسنا، إذ تبلغ درجة حرارة سطحه نحو 9,940 كلفن مقارنةً بـ 5,778 كلفن لسطح الشمس. كتلته تبلغ نحو ضعفَي كتلة الشمس، وقطره نحو 1.7 ضعف قطرها، ويُشعّ من الضوء ما يساوي 25 مرةً ما تشعّه الشمس. سيريوس B — الرفيق الخفي ما لا يعرفه كثيرون هو أنّ سيريوس ليس نجماً واحداً، بل هو نظامٌ نجميٌّ ثنائي. فإلى جانب سيريوس الرئيسي (المعروف بـسيريوس A) يوجد نجمٌ رفيقٌ صغيرٌ خافتٌ يدور حوله، يُسمّى سيريوس B. اكتُشف هذا الرفيق عام 1862م على يد الفلكي الأمريكي ألفان كلارك، وأثار ذلك دهشةً واسعة، إذ كان الفلكيون يشكّون في وجوده منذ عقود قبل رصده فعلياً بناءً على تذبذبات في مسار سيريوس A. سيريوس B هو قزمٌ أبيض، أي نجمٌ في مرحلة الاحتضار النجومي، أنهى وقوده وانكمش إلى حجم كوكب صغير لكنّ كثافته هائلة. ورغم صغر حجمه، تبلغ كتلته نحو 98% من كتلة الشمس مضغوطةً في حجم لا يتجاوز حجم كوكب الأرض. يدور سيريوس B حول سيريوس A كلّ 50 عاماً تقريباً. الشعرى في التراث العربي والإسلامي لم يكن سيريوس مجرّد نجمٍ عند العرب، بل كان شخصيةً أسطورية تقف وراء الأفق. أطلق عليه العرب اسم "الشِّعرى اليمانية"، وسمّوا نجماً خافتاً بالقرب منه "الشِّعرى الشامية" أو "الغُمَيصاء". تقول الأسطورة العربية إنّ الشِّعرَيَين كانتا أختَين، وأنّ الغُمَيصاء بكت حتى اغرورقت عيناها وابيضّت (ولهذا هي خافتة)، بعد أن عبرت اليمانية درب التبانة وابتعدت عنها. والأعجب من ذلك أنّ الشِّعرى كانت معبودةً عند بعض القبائل العربية في الجاهلية. وقد ذكرها القرآن الكريم صراحةً في قوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ﴾ (النجم: 49) فكان الردّ الإلهي على من يعبدونها أن أخبرهم أنّ الله هو ربّ هذا النجم وخالقه. ويرى المفسّرون أنّ ذكر الشِّعرى بالاسم في القرآن دليلٌ على مكانتها الكبيرة في الوجدان العربي، إذ لا يُعدَل عن الاسم العام إلى الاسم الخاصّ إلا لحكمة. وفي علم النجوم العربي القديم، كانت الشِّعرى من أهمّ المنازل النجومية ومن المؤشّرات الفلكية للفصول. وارتبط شروقها بمطالع الصيف وحرارته الشديدة، ولهذا أُطلق على أشدّ أيام الصيف حرّاً في التراث الغربي اسم "أيام الكلب" (Dog Days)، نسبةً إلى كوكبة الكلب الأكبر التي يتربّع فيها سيريوس. سيريوس في الحضارات القديمة لم تنفرد العرب بتعظيم سيريوس، بل تشاركتها حضاراتٌ عديدة. عند المصريين القدماء، كان سيريوس يحتلّ مكانةً دينية وعملية في آنٍ واحد. كانوا يُسمّونه "سوبدِت"، وربطوه بالإلهة إيزيس. ولعلّ أبرز ما يُقال عن سيريوس في الحضارة المصرية أنّ شروقه الأوّل قبيل الفجر كان يتزامن مع بداية فيضان النيل السنوي. وهذا التزامن الدقيق جعله نجم التقويم الأول في تاريخهم، إذ بنوا عليه السنة المصرية القديمة. بل يعتقد بعض الباحثين أنّ الأهرامات صُمِّمت بما يُعكس موقع سيريوس في السماء، وأنّ ممرّات بعضها تتجه نحوه تحديداً. عند اليونانيين، كان سيريوس يُعدّ نجم الهجير والحرارة اللافحة. وقد اشتقّوا اسمه من كلمة يونانية تعني "الحارق" أو "المتوهّج". وكانوا يعتقدون أنّه حين يقترن بالشمس في السماء يُضيف إلى حرارتها فيعظم الحرّ. عند قبائل الدوغون في أفريقيا، ثمّة قصّة غريبة تُثير الجدل حتى اليوم، إذ يدّعي بعض الباحثين أنّ هذه القبيلة الإفريقية كانت تعرف بشكل ما أنّ سيريوس نجمٌ مزدوج، وهو ما لا يُمكن تمييزه بالعين المجرّدة. ويبقى هذا الادّعاء موضع نقاشٍ علمي. كيف ترصد سيريوس من الوطن العربي يمكن رؤية نجم Sirius (الشِّعرى) في الوطن العربي بسهولة لأنه ألمع نجم في السماء. الطريقة المختصرة: الوقت الأفضل: من ديسمبر إلى مارس بعد غروب الشمس. المكان في السماء: يظهر جنوب-الشرق مساءً، ثم يتحرك نحو الجنوب. كيف تميّزه: نجم لامع جدًا يلمع أكثر من أي نجم آخر ويبدو أحيانًا وكأنه يغيّر ألوانه قليلًا. حيلة سريعة للعثور عليه: اتبع حزام كوكبة Orion (ثلاث نجوم مصطفّة)، ومد الخط للأسفل نحو الجنوب؛ ستجد الشعرى مباشرة. في الصيف: يكون قريبًا من الأفق أو غير مرئي ليلًا لأنه يطلع مع الشمس تقريبًا. في السعودية والخليج يُرى واضحًا في أمسيات الشتاء. للتلسكوب: إن امتلكتَ تلسكوباً متوسطاً، يمكنك في ظروف مثالية رصد سيريوس B الرفيق الخفي، لكنّه تحدٍّ حقيقي بسبب الوهج الهائل لسيريوس A الذي يكاد يطغى عليه. سيريوس ليس نجماً عادياً. إنّه رمزٌ عبر الزمن ربط السماء بالأرض، وجمع المزارع المصري برجل العلم الحديث، والشاعر الجاهلي بالفلكي المعاصر. ذُكر في أقدس كتابٍ نزل على البشر، وقاد الملاحين في أعماق الليل، وأثار الدهشة في كلّ عصر. وفي كلّ مرّة ترفع فيها بصرك إلى السماء الشتائية وترى ذلك البريق الأبيض الثاقب يومض كأنّه يُنادى، فاعلم أنّك تنظر إلى أضوأ نجوم السماء — الشِّعرى اليمانية — التي قال الله عنها: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ﴾. |
| الساعة الآن 12:43 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.