منتديات منابر ثقافية

منتديات منابر ثقافية (http://www.mnaabr.com/vb/index.php)
-   منبر البوح الهادئ (http://www.mnaabr.com/vb/forumdisplay.php?f=30)
-   -   مُهاجر (http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=29619)

مُهاجر 12-16-2025 07:36 AM

رد: مُهاجر
 
خارج نطاق استنباط المعنى،
حين تهشم قلبك مطارق الغدر من أقربهم،
وحين تحكم الظاهر وتمرر الأمر على فلاتره،
يفلت منك الخير الكامن وراءه؛

ذلك الذي تقاصرت لديك الهمة عن الخوض في تبعاته،
والتي تكون نهايتها رحابة وشمولية في الرؤية،
بعدما حدها حرصك على الحفاظ عليهم.

مُهاجر 12-16-2025 07:37 AM

رد: مُهاجر
 
تعجب...
حين يأتيك العتاب ممن سقت له الحقيقة المطلقة،
وقابلها بتشريحٍ بمشرط التشكيك المُحال؛

كأن الوضوح جريمة،
واليقين تهمة، والصدق عِلّة تُستأصل لا نورًا يُحتمل.
تمنحه عينك، فيرتاب في بصرك، وتفتح له باب المعنى،
فيكسره بسؤالٍ لا يطلب جوابًا،

فالنفوس إذا ألفت الظلال، خاصمت الضوء،
وإذا أمنت الوهم، عادت الحقيقة عليها وبالًا.

مُهاجر 12-16-2025 07:40 AM

رد: مُهاجر
 
محور الاهتمام قشور بيان، وخفايا في جوف إنسان.

وتأويل كلام، وصاحبه منهك الحال؛ يلاحق المعنى ولا يدركه،
ويقبض على اللفظ وقد أفلت منه الجوهر. تتزاحم الأقوال في فمه،
وتبقى الحقيقة رهينة الصمت، كأن البيان ستار، وكأن العمق امتحان
لا يجتازه إلا من أخلص النظر، وتجرد من زينة القول، ونفذ إلى ما وراء القشور؛
فثمّة فرق بين من يحسن البيان، ومن يلامس العيان،
وبين من يرص الألفاظ رصا، ومن ينفذ إلى المعنى نفاذا.

مُهاجر 12-16-2025 07:42 AM

رد: مُهاجر
 
حول أحراش المعنى...
سواقي «الأنا» ترفد القلب تعلّقًا،
وعلى أعتاب التعجّب تنهال أطنان من العتاب.

أتراه وفدُ الحرص ألقى عليه ظلاله،
أم يكون نتاجَ شكٍّ إلى القلب والعقل يُساق؟

مُهاجر 12-16-2025 07:44 AM

رد: مُهاجر
 
تلك الشواهد من آثار ما تبقى من بيوت قديمة،
والتي تحكي روايات شتى؛ فكم اكتنفها نوبة فرح،
وكم جثم على صدرها أثقال حزن أنهكت عزيمة ساكنيها،
وتلك الشقوق على جدرانها تحكي الفراق الذي نال من قاطنيها.
وكذا حالنا ونحن نعدو في طرقات الحياة إلى مصارع حتفنا،
نطأ فيها صدى الذكريات، ونستنشق عبير الماضي،
فنحن بين جدران الزمن، أحياء بأشباح ما مضى،
ونتلمس آثار وجودنا بين فرح دام لحظة،
وحزن عمره حياة.

مُهاجر 12-16-2025 07:46 AM

رد: مُهاجر
 
في دائرة الصدى، يتناثر الكلام كما الغبار؛ يُعاد في كل فم كأنه سراب،
لا يملأ فراغًا، ولا يزرع أثرًا، ويظل العدم أعظم من أي لفظ يُستعاد.
وكل كلمةٍ مكررةٍ، كحلمٍ بلا نهاية، تطفو على سطح الفكر بلا وزن،

وتعود لتسقط حيث بدأت، كما لو أن الحروف نفسها
تعترف بعجزها عن حمل معنى جديد.

فما يُعاد ليس أكثر من صدى صدى،
وصرخة في الصمت، ووميض بلا نور،
وكأن اللغة قد نسيت سرّها الأول،
فغدت محض قناعٍ للخيال،
وبهلوانية للغموض، ومراوغة للوجود.

مُهاجر 12-16-2025 07:48 AM

رد: مُهاجر
 
في الغياب يتعلّم القلب لغة الصمت،
والروح تكتب على الجراح قصائد انتظار،
والذكرى تهمس: كل فراق يولد شوقًا،
وكل شوقٍ يخلق حضورًا آخر.

ثريا نبوي 12-18-2025 08:21 AM

رد: مُهاجر
 
أكثر من رائع ما أبدعته لنا هذه الأيام شاعرنا المهاجر
يفيض بلاغة ورومنسية عذبة؛ وجداول حكمة رقراقة
دمت بهذا الألق الشاعري وأكثر
وتقبل تحياتي

مُهاجر 12-19-2025 11:29 PM

رد: مُهاجر
 
الحب:
من تلك الحروف تُبعث السكينة في قلوب من يتجشَّمون الصعاب ليلامسوا حقيقتَه؛ فكثيرٌ يسمع عنه، ولكن لا يرى أثرَه.
ليكون الفكرُ والتفكُّرُ هما من يرسم ماهيَّتَه وكنهَه، وفي هذا الزمان يصعب أن يكون المرء صافيًا من غير وجوده، خاليًا من الشوائب والمنفِّرات!
تلك العاطفة التي تربط بين البشر ليتقاسموا بها الحياة،
ولتكون في أبهى معانيها وجميل مبناها.



فحبُّ الوالدين للأبناء غريزةٌ فطريةٌ فطرَ اللهُ خلقَه عليها،
ليكون بذلك الحبُّ مهجةَ الفؤاد، وبه تقرُّ العينان.
فالإنسان، كما أنّه مفتقرٌ ومحتاجٌ إلى الغذاء والشراب ونحو ذلك،
فهو في المقابل يحتاج إلى ما يُشبِع نفسَه وعاطفتَه
من دفء الحنان، وذاك الصدر الحاني الذي يُنسيه نَصَبَ وهمومَ الحياة.
فالحبّ، في معناه ومصدره:
الأمن،
والأمان،
والاستقرار النفسي للأبناء.


وهو القاعدة الصلبة التي بها تُبنى شخصيّاتهم ليكونوا على صلاحٍ والتزام،
والتي بها يكون ذاك التفاعل بين أفراد المجتمع، ليكون الاحتواءُ والارتواء.
ومن المشاهدات التي بها نرى ذاك الفِطام الذي يكون منه التباينُ والفراق بين من وجب عليهم احتضانُهم باشتياق.



من هنا تكون نقطةُ الارتكاز عمّا نُشاهده في واقع الحال، حين نجد تلك الجموع من الشباب الذين يلهثون خلف عواطفهم،
يَرْنُون ويسعون ليجدوا من يرويها لهم، ويُخفِّف عنهم ذاك الخواء وذاك العذاب!


ومن فرط ذلك لا يُميِّزون بين من لهم مُصادقٌ وصادق، وبين من يُجاريهم ويجرّهم إلى الفساد.
فمن الآباء
من يهجر تلك الكلمات التي تُحرِّك الساكن على اليسار، ليلقي بها ما ضاق به ذرعًا،
وأثقل لديهم كاهلَ الانتظار،
ويبخلون بترديدها على أسماعهم،
وعن احتضانهم وضمّهم في بعاد.


ذلك الجهل الذي لا يحتاج إلى تبديده قراءةُ كتاب،
ولا دخولُ دورةٍ ليعرف ما وجب عليه فعله في ذلك الحال؛
لأنها فطرةٌ نالها الإنسان وحاز عليها، بل قاسمه حظَّها حتى:
الطير،
والحيوان.



وأنا أكتب هذا المقال، يُحلِّق في فكري ذلك الموقف لأعيشه في حضرة المربّي الأوّل،
«رسولِ الله ﷺ»،
فقد رُوي أنّ ولدًا من أولاد بناته جاء إليه فقبَّله، فقال رجلٌ من الأعراب:
أتُقبِّلون أبناءَكم؟! إنّ لي عشرةً من الولد ما قبَّلتُ واحدًا منهم.
فقال ﷺ:
«أَوَأملكُ لك أن نزعَ اللهُ الرحمةَ من قلبك؟»
أي: ماذا أفعل إذا كان الله قد نزع الرحمة من قلبك.
وبذلك الحنوّ والتقبيل للأبناء نزرع في قلوبهم الأمنَ والأمان،
ونملأ أفئدتهم من معين وشهد القبول والاستيعاب.


ولعلّني أقف هنا لأترك لمن يمرّ على ما سطّرتُه أن يُضيف لنا ما من شأنه تعزيزُ تلك الثقة التي تزعزعت في ظلّ هذا التهافت والتدافع من وسائل التواصل، والتي خلقت ذاك البون الشاسع بين الأبناء والآباء.
أعلم بأنّ هناك من سبقني في طرح هذا الموضوع، غير أنّي بدأتُ من الحاجة الماسّة لأن يكون البيتُ هو اللبنةَ الأساسَ للنهوض بالمجتمع أصلًا.
ولنا أن نوسّع الدائرة لتشمل أفراد المجتمع من حيث تقريب الشارد والمخطئ بالتي هي أحسن، من خلال جذبهم إلى ما يُخرجهم من شرنقة الفراغ العاطفي، الذي يئنّ الكثيرون من وقع سياط ويلاته، ليكون نتاجه الآهات والأنين.



ولنا تسليطُ الضوء على علاقة:
«الأخ بأخته»،
حيث نجد تلك الجسور التي تُهشَّم بين الأخوين،
ولن يكون هنالك نقطةُ التقاءٍ أو حديث،
إلّا إذا تطلّب ذلك الشقاقُ والنزاع، في أحسن الأحوال!

مُهاجر 12-19-2025 11:32 PM

رد: مُهاجر
 
قال لي صاحبي يومًا:
لم نكن نريدهم أن يُغدقوا علينا حبًّا، ولا أن يُسمعونا كلمات العاطفة،
كلّ ما أردناه أن يتركونا أحرارًا في اختيار من نحب،
وأن نختار مع من نرغب في العيش.
أن يتركوا قلوبنا تعيش بسلام!
لكنهم سلبوا أحلامك بكل بساطة،
وسلبوا فرحك وحياتك.


وفي النهاية تعيش مقهورًا،
ثم تعود إليهم فتعتذر، وتضحك معهم،
وكأنّ شيئًا لم يكن!
رغم أنّك المظلوم والمقهور.



عن نفسي، لم أطلب منهم الحبّ ولا الاحتواء الذي يتحدّثون عنه؛
فقد كان لديّ نصفي الآخر الذي أبني عليه حياتي،
ومستقبلي، وفرحي، وحزني.



كنت أسير في الطريق الصحيح، أخطّط كما ينبغي.
لكنهم بعثروا كلّ شيء،
فلا أنا نلتُ منهم حبًّا،
ولا هم تركوني أعيش مع من أحب.
وفي النهاية أعود إليهم، أضحك وأبتسم وأتحدّث،
وإذا تعب أحدهم أسرعت إليه،
وإذا احتاج أحدهم شيئًا وقفت إلى جانبه،
وكأنّ شيئًا لم يحدث،


وكأنهم لم يتسبّبوا في صناعة قهرٍ نفسيّ داخليّ،
ومشكلاتٍ لا تنتهي.




قلت:
أخي الكريم،
لعلّنا حين نمرّ على بعض الكلمات نجدها تُداعب العقل والوجدان،
ونراها لا تعدو أن تكون ضربًا من النرجسيّة والتنظير.
هكذا أراها — وأنا لا أستثني نفسي من جملة أولئك —
وقد كنت أتساءل عن سبب ذلك.



فوجدت مردّه وعلّته في أنّنا لا نتلمّس الحقيقة،
ولا نُكلّف أنفسنا عناء تتبّع واقعها،
فنُصدر الحكم عليها ليكون بداية البحث وخاتمته،
وآخر المطاف.



ولعلّ قائلًا يقول:
إنّك تقول ما تقول، ولم تعش واقع الحال،
ولم تُكابد ذاك الواقع الذي أحرق ربيع القلب،
فصار صيفًا يابسًا بعد أن كان يُبهج الأبصار.
ومع هذا، يبقى الواقع هو الفرض القائم،
ولا يُجدي حياله بكاء ولا صراخ.



وأقف معكم عند تجربة أحد الأصدقاء،
وهو إلى اليوم بمنزلة الأخ الشقيق لي.



يقول:
كانت طفولتنا — ولا أبالغ — حياة جحيم،
بعد أن طلّق أبي أمّي،
وجلب زوجته الجديدة لتُصبّ علينا ألوان العذاب.
حُرمنا الطعام والشراب،
وطُردنا من البيت ليكون الشارع لنا مقرًّا،
وغالبًا ما كان الجيران ينتشلوننا من
حاويات القمامة،
ليمنحونا العطف والإشفاق.



ومع ذلك،
كبرنا، وبفضل الله عملنا واجتهدنا،
واليوم نعمل في مكان مرموق،
ولنا أُسرٌ واستقرّ بنا الحال.
أمّا أبي،
فله علينا حقّ الأبوة،
وما جرى نحاول تناسيه،
امتثالًا لأمر الله في شأن الوالدين،
وما لهما من حقٍّ مصون.



ولعلّ ما صدر منه كان فَلْتة زمانه،
غير أنّ طمر الأحزان لا يكون سهلًا لدى الجميع،
فبعض الصور حين ترد إلى الذاكرة،
لا تترك مجالًا للغفران،
إذ يتجاوز الأمر القدرة،
ويغدو ضربًا من المعجزات لدى بعض النفوس.
لا ألوم، ولا أُعذر من يقف بين هذا وذاك،
لكنّ العقل يظلّ هو من يُسيّر ويُحدّد وجهة الإنسان.



وهنا يبرز تساؤل:
كيف يشقى بعض الآباء من أبنائهم،
بعدما جلبوا لهم الخزي والعار،
ثم يحسمون الأمر بقولهم:
«أنا متبرّئ منه / منها»،
وكأنّ شيئًا لم يكن؟
بينما الواقع يقول بخلاف ذلك،
فالمشكلة لا تنتهي بتلك الكلمات؛
لأنّ الاسم يظلّ مُلاحقًا لصاحبه،
كالروح مع الجسد،
لا ينفكّ أحدهما عن الآخر.



ومن هنا كان طرقنا لهذا الباب،
ليكون قرعًا لجرس الإنذار،
كي لا تكتوي الأجيال القادمة
بما اكتوت به الأجيال السابقة.




أخي الكريم،
لا تزال هناك تنهدات،
وحشرجاتٌ تسكن الحلق كالغصّة،
غير أنّ علينا في الوقت ذاته
أن نُدير دفّة الواقع،
وألّا نُطيل الوقوف على الأطلال.
أعلم يقينًا
أنّ الكلام سهل التلفّظ،
وأنّ الفعل تعترضه عوائق مُدلهمّة،



ومع ذلك:
الله مع الذين جاهدوا،
والنصر حليف من سعى لتغيير واقعه.
وفي المحصّلة:
لسنا الوحيدين الذين ذاقوا العذاب والحرمان،
وإن اختلفت التفاصيل،
وتفاوتت أحجام المعاناة.

مُهاجر 12-19-2025 11:53 PM

رد: مُهاجر
 
بقايا قصاصات حديث دار بيننا
تتناثر كأوراق الخريف على أرصفة الذاكرة
وأوصال سجال احتدم هاهنا
تعانقت فيه الكلمات ثم افترقت
بين رجاء ينهض وعتب لا يهدأ
ومقاعد شاهدة قد استضافتنا
تسمرت في صمتها تحفظ أسرار الهمس
وتؤرخ للقاء كان دفئا ثم صار جفاء
كم مرت علينا لحظات حسبناها خالدة
فإذا بها عابرة
وكم عقدنا على القلوب وعودا
فإذا بها تنقض عند أول مفترق
أيكون بعد الحب كره يغتالنا
فينحر الود في خاصرة الذكرى
ويجعل من القرب مسافة
ومن الطمأنينة خوفا
أيكون بعد اللقاء هجر يباعد بيننا
فتذوي الملامح
وتبرد التحايا
ويصير الصوت صدى
والاسم غريبا على الشفاه
يا لقسوة التحول حين يبدل القلوب
ويا لمرارة السؤال حين لا يجد جوابا
أنخطئ حين نحب
أم نجزى لأننا صدقنا ؟

مُهاجر 12-21-2025 12:43 PM

رد: مُهاجر
 
في صندوق أسراري احتراق،
يطفئ أهازيج الوفاق،
ومن حضيض المعاصي يُساق حظي إلى المضايق،
فما أزال أذوق منها الوبال وأرتشف المذاق المرّ المراق.
تعتريني فتغريني،
وتجازيني فتلاحقني،
وأنا منها وإليها أفرّ،
أطلب الوصال وأنا أسير الفصال.
كم أرتجي الفكاك منها،
غير أن النفس مولعة بالهلاك،
تُمني وتُغوي، ثم تتركني صريع الانفكاك.
صريع على صراط الغي مسجّى،
والروح في مراتع الندم تعلن الحداد،
وبقايا كنهِي تتوسد حياد الصمت،
بين ندم يطاردني،
وصمت لا ينطق إلا بالعناد.
أبيت يومي وغدي وقد سربلني السهاد،
أعزف ألحان أشجاني،
والموت قد أفرد لي شراعا،
يناديني من وراء الغياب.
يا نفس، أما استرعاك داعي الوداع،
أما هزّك مصافح القلوب والأرواح حين الفراق؟
أستجير بك،
وأنت تذيقينني ألوان العذاب،
وتسقينني من كؤوس الاضطراب.
أسير، وتحملني همومي،
نحو المآسي حملا لا يُطاق،
إلى المفاجع،
والتناقض،
والقواطع،
وإلى البلاء المساق.
كم ألوذ بحمى الاختصار،
وأعبر على جسر الاعتذار،
أبلل صفحتي بدمع يُراق،
وأجففه بوعد بقاء،
يرقعه الرجاء إذا تمزق المسار.
أقف على أعراف الارتجاع،
وقد عقدت العزم على كبت غرائز تُذاع،
والشيطان يهمس في الظلال،
والقلب يعصره اختناق لا يُطاق.
دوامة من التناقضات،
تقض مضجعي مخافة الإملاق،
وتذرني بين خوف ورجاء،
بين سقوط وارتقاء.
هي قصة أفرّ من نهايتها،
وأخطها بحروف حرقتي،
وأجعل مدادها رجاء حلو المذاق،
علّه يطفئ نار الاحتراق،
ويبدل التيه بالاتساق.

مُهاجر 12-22-2025 10:53 AM

رد: مُهاجر
 
ما زالت الأيام ترددها كأغنية،
تهيج القلب والوجدان،
وتوقظ في الصدر شجونا وحنانا.
أنثر بذورها بين ربوة وبستان،
وأسقيها من جداول دمعي هتانا،
فتخضر في الروح أملا وأمانا.
تكبر بين ناظري،
فتنبت كهيئة إنسان،


حتى إذا ما اكتمل نضجها تفرع جمالها،
وتهادى في القلب نبض ولهان.
كم سامرت النجوم أحكي لها الأشواق،
وأبث لها الأشجان،
فترسل لي من نورها سلوانا واطمئنانا،
وتهدهدني وتواسيني ألطاف صبر،


تذكرني بعاقبة الأيام ومآلات الزمان.
يفتح لي دفتر الذكريات،
عقلي الذي سجل تلكم اللحظات،
والعبرات تسابق الكلمات،
فتسبق الدمع العبارة،


وتتثاقل على الشفاه الحكايات.
وتعصرني أطيافها وتأسرني،
فأغدو بين شد وجذب،


وحيث النهاية يقيدني الخذلان،
وتخذلني الخطى،
ويصمت في الصدر البيان.
وفي أقبية الحزن، حيث أنين البعد،
وآهات جعلتها موشحة،
تفننت في أداء طقوسها،


فكانت ليل وجد،
وسهاد فكر،
وترنيمة أحزان.
وما يزال تاليها يجدد الألحان،
ويعيد على القلب ما كان،
ذكرا وحرمانا.


وبعد حقبة من الأعوام...


وقفت يوما أتلمس جمال البحر،
وحيث المدى البعيد أرسلت رسالتي إلى ذاك الحبيب،
تحملها طير اليمام،
عطرتها بعطر الشوق،
ولففتها بخيط الرجاء،


وقد خططتها بحبر من بقايا دمع،
لطالما أذهب جله طول انتظار،
وداعي الحنين،
وصدق الإيمان.

مُهاجر 12-22-2025 09:51 PM

رد: مُهاجر
 
" بين الظل والنور: حكايتي مع ابني البكر "

حين تنعكس الرغبة حاجة ملحة، فتكون ترجمتها على أرض الواقع؛ فتنبثق منها تجربة عملية تجاوز متاهات التنظير، وتنفلت من عقال الفرضيات والتخمين، لتغدو مثالًا يعاش في لحظته، وبذلك تنكسر على صخرته هتافات الاستحالة والمستحيل.
وهكذا تعلّمت أن الرغبات إن لم تُحوَّل إلى أفعال بقيت ظلالًا لا تُدفئ، وأحلامًا لا تُثمر.

ولعل القرار الذي اتخذته حديث العهد، مع تجاوز العمر الذي حدّه رسول الله ﷺ فيما يخص تربية الأبناء، قد لا يكون مردود ثماره جني البر ورفعة شأن الأب؛ غير أنني أيقنت أن اللحظة التي يُستيقظ فيها الضمير هي اللحظة الصحيحة، ولو جاءت متأخرة؛ فالمعنى لا يُقاس بوقت الحضور، بل بصدق النية وحرارة العزم.

غير أنك — تأتي متأخرًا، خير لك من ألا تأتي — لعلة عاذرة ألمّلم بها بقايا التقصير الذي أنجب أثقالًا أنهجت عضد الاصطبار.
وكنت كلما التفت إلى الوراء أدرك أن أثقالي لم تكن تُعجزني بقدر ما كانت تُعلّمني، وأن الانكسار أحيانًا هو الباب الذي يعلّم المرء كيف يقف وقفة لا تهزّها الرياح.

ابني والعضيد...
كانت علاقتي به علاقة المكلف الملزم برعاية شؤونه، والسهر على توفير سبل الراحة له؛ أبدلت تعبه راحتي، واستبدلت ببكاء حوائجه شدة حاجتي.
ومع الأيام فهمت أن العلاقة ليست رعاية جسد فحسب، بل رعاية روح، وأن الأبوة ليست تكليفًا يُؤدّى، بل حنان يُمنح، وقلب يُفتح.

كانت علاقة المستفيد والعميل المخلص الذي يوفر حاجات عميله.
وظللت أظن أن الخدمة تكفي، حتى أدركت أن بعض القلوب لا تفتحها الأيادي، بل تفتحها الكلمات، وأن ابني لا يريد خادمًا يلبي طلباته، بل أبًا يربت على كتفه ويُشركه في ظل قلبه.

مرت سنوات والخدمة لم تنقطع، تحكمنا وتقيدنا المواثيق والعقود المبرمة في محكمة الدين الحنيف.
لكنّي تعلّمت أن العقود وحدها لا تبني جسور القرب؛ فبناء الجسر يحتاج قلبًا حيًا، لا مجرد التزام مكتوب.

إلى أن جاء اليوم الذي تعلمت فيه أن في تلك المعاملة خطأ عظيمًا يحاسب عليه القانون؛
لا قانون البشر، بل قانون الله الذي لا يُجامل ولا يُساوم، ولا يستثني ولا يرحم من أعرض بعد أن بُصّر، وغفل بعد أن أُنذر؛ قانون رباني لا تخطئه العين، ولا ينجو من ميزانه قلب تجاهل ما أوجبته السماء.

وفي تلك اللحظة شعرت بأن شيئًا جديدًا على وشك أن يبدأ؛
أن الطريق أمامي لم ينته بعد، وأن ابني البكر، الذي كان يومًا عبءً وأمانة، سيصبح في الفصل القادم مرآتي ورفيقي ودرس حياتي الأعمق.

وهكذا أترككم عند هذه اللحظة، على أبواب الفصل الثاني من حكايتي مع ابني البكر…
فمن يود أن يكتشف معي دروس الأبوة الحقيقية، وأن يرافقني في رحلة جديدة من الحب والاعتراف والتعلّم، فليتابع الفصل القادم، حيث ستتكشف المفاجآت، وتتضح الدروس، ويبدأ ما لم يبدأ بعد.

مُهاجر 12-22-2025 09:53 PM

رد: مُهاجر
 
لا أذيعكم سرًّا بأن ما أكتبه الآن مرتجل، من ذلك قد تتقدّم فكرة قبل فكرة، وقد أستدرك بعض المواقف إذا ما سقطت سهواً لذات السبب، وما يلفظه بناني هو وليد الفرصة واللحظة، فكلما سنحت لي الفرصة جعلت بصمتي هنا.

للفصل الثاني ننطلق، بعد أن أرْسَينا قواعد البداية. كيف كانت عسيرة المخاض! فليس من السهل الولوج إلى أغوار قلب الآخر من أول المشوار، بعد أن نخر وحفَر ذلك البون بين تلاقي الفكر بالفكر مع تفاوت الأعمار، وحساسية القرب إذا كان بين الأب والإبن.

ففي سائد المتعارف عليه – عرفًا – أن هناك سدودًا وحدودًا بين الأبناء والآباء، لكون بعض المسائل حساسة فلا يمكن إبداؤها للطرف الآخر. وفي ظني، ما أحدث ذلك هو الأفكار التي باتت وكأنها القاعدة التي بُني عليها الحكم: بأن أسرار الأبناء لا يمكن أن تُبدى للآباء!

لهذا تجد الأصدقاء هم السرادق ومخازن الأسرار.

لذلك، ومن ذلك… احتاج الأمر مني فترة ليست بالطويلة حتى أكسر تلك القيود التي قيدت العقول.

في أول لقاء بيني وبين ابني – بعدما قررت كسر الجليد بيننا – كان صمته يعمّ أرجاء المكان. كنت أنا الذي أسأل، والإجابة مني تعود.

أحاول استنطاقه وجرّه للحديث، وهو يعلق بجملة، وبعدها يلوذ بالصمت من جديد.


سارت بنا الأيام، ومعي يوميًا أحدث في جدار تحفظه فجوة، وبعد جهد جهيد بدأت أتسرب إلى كوامن داخله.

أتجول في دهاليزه: مرة في قلبه، ومرات كثيرة يحلو لي المقام في عقله وتفكيره.

في الكرات الأولى كانت محاولات مني عن طريق جسّ النبض، أفتح له مواضيع هو مهووس بها، تارة في هواياته، وتارة أخرى في أحلامه، ومرات كثيرة في مخاوفه، حتى أحدثت من ذلك في بعض طباعه تغييرات طفيفة، بدأت معها تظهر علامات الانفتاح والثقة تدريجيًّا.

مُهاجر 12-22-2025 09:54 PM

رد: مُهاجر
 
وبعد توالي الأيام، بدأ يُخرِج بعض ما لديه من هواجس أرقّت ليله ونغّصت عليه نهاره، إذ كانت حاضرةً في كلّ يوم، وهو يصطلي بنارها، متأرجحًا بين الإقدام والإحجام، بين اتخاذ القرار وإنهاء الأمر، وما بين إصدار القرار وتحمل عواقبه المُرّة. ولهذا، احتاج إلى يدٍ وعقلٍ ينتشلانه من دوّامة التردّد.
وسبق أن أخبرني بذلك الأمر تلميحًا، وكأنّه هامشٌ من الأخبار.
أمّا اليوم، فقد صرّح به صراحة، بل وأكّد حاجته إلى إنهائه، وقطع شِريانٍ ما طالما غذّاه ذلك الحرصُ على البقاء، ولو تحت سياط الإسقاطات والإهانات من قِبَل ذلك الصاحب الذي يُصاحبه.
يخبرني بأنّ له زميلًا في الفصل، وهو من نفس القرية التي نحن فيها، وأنّه الصاحب القريب منه، ولطالما ستر عليه عيبه، وكم من المرّات أشاح بوجه العتاب عنه، وكم ساق له من الأعذار الأُلوف.
ومع هذا… لا يزال الحال كما هو!
تركته حتى تنفّس الصعداء، وكأنّه ألقى صخرةً عظيمة لطالما جثمت على صدره سنواتٍ طويلة.
قلت له:
"استمر معه، واصبر واصطبر على ما تلاقيه منه."


فتعجّب من جوابي، وأخذ ينظر بدهشة، وقد ألحق نظره بجملة اعتراض… ولما استمرّ على هذا الحال، قلت له:
"هل لديك غيرُ هذا القرار؟"
تلعثم، وحينها أسلمتُه بعدما فقد الجواب.
.............
باغتُّه بالسؤال كي أُبيّن له أنّ الحلول معدومةُ الوجود، وأنّ الرغبة في الخلاص والتخلّص من ذلك الرباط الذي بينه وبين زميله ليست كافية إذا لم تكن الرغبة ملازمةً لذاك القرار وتلك الرغبة، لأنّ التخلّص من الماضي الذي يرافق سيرته منذ صفوف الابتدائية ليس سهلًا.
وقد صارحته بأنّه — حتى لو أعطيته الحل — فلربّما ينكص على عقبيه ويعود إلى زميله من جديد، وبأنّ الحلول التي أُبديها له ستخضع للتمحيص، وتمرّ عبر قنوات النفس وميل الهوى، وفلترةِ طولِ الصحبة؛ وبالمختصر… لعلّها حلولٌ موضعيةُ التخدير، آنيةُ التأثير.
وفي الفصل التالي سأضع بين أيديكم الحل.

مُهاجر 12-22-2025 09:55 PM

رد: مُهاجر
 
حين أتي بالحلول، فليس لكوني المختصّ في علم الأسرة، بل يأتي ذلك من باب الاطلاع، ومجاراة بعض الحالات التي لا تخرج من حَيِّز "الروتين الحياتي" — إن جاز لي الوصف — فهي متكرّرة الحدوث، تعود كلما أشرقت شمس أو غربت، وتستنسخ ذات الوجع كلما انقضى يومٌ أو أقبل آخر.
والمصيبة — بل أمّ المصائب — حين يكون الحلّ واضحَ المعالم، ساطعَ الدلالة، ومع هذا نتجاهله، لنعيش في رحم المعاناة، نَرْتَضِع مرارتها، ونستنشق أوجاعها، وليتنا — ويا ليتنا — نكون الطرف المستفيد!
والحقيقة أن ذاك الذي نتشبّث به لا يقيم لنا وزنًا، ولا يعنيه أمرُنا أصلًا، ولا يرى في حضورنا سوى ظلٍّ لا يُلتفت إليه!
أبعد هذا يكون جنون؟! أم الجنون نفسه يستحي أن يُنسَب إلينا؟!
لنعد لابني المكلوم؛
فتحت له باب الحوار على مصراعَيه، وأشركته في أمر القرار، وقذفت إليه السؤال قذفًا لا مواربة فيه:
كيف تتخلّص من التعلّق بالطرف الآخر؟
سكت برهة، فكان مني الجواب:
أن نُسَدِّد عليه الانتقاد، وأن ننزع منه الحصانة التي منها جاءنا العذاب؛ من غير افتراء، ولا مبالغة في الانتقاد، فهي حقيقتُه التي تستّر بها بدعوى الإخاء، وتزيّا بها ليدفع عن نفسه انكشافَ خوائه.


هناك نطق وقال:
هذا هو الحلّ الذي أكّد لي المؤكّد، وأوقد لي فتيل الخلاص من هذا العذاب.
فكم تنازلتُ! وكم تغافلتُ وعفوتُ!
ولكن كان الإمعانُ في الخطأ… والمضيُّ في الجفاء… كأنه كان يتقوّت بإدماء روحي!
فقلت له:
اجعلها حلقةً في أذنك، واجعل أبناءك ومن بعدهم ذريتك يتناقلونها ويتوارثونها:
كرامتك… ثم كرامتك… ثم كرامتك.
إيّاك والتنازل عنها؛ فإن فعلت، فكبّر على إنسانيتك أربعًا، وادفن ما بقي من ملامح روحك تحت تراب البِلى!
والآن، قُل لي — وبكل صدق — في نظرك: من هو الصديق؟

مُهاجر 12-22-2025 09:58 PM

رد: مُهاجر
 
توقفتُ سابقًا عند سؤالِ ابني عن معنى الصداقة.
فقال:
الصداقة أن تكون مع صاحبك مُلازِمَه ومُسامِرَه.
قلت:
هذا تعريفك للصداقة؟!
قال:
لا أُحسن صياغتها؛ فذاك كان العطاء من مُقِلٍّ في الوصف.
قلت:
الصداقة ـ لمن أراد إحصاء معناها ـ لن يكفيها مئة كتاب وديوان؛ إذ تتناسل وتتراكب المعاني لها، كأنها نهرٌ يجري بلا ضفاف، ولم أجد كمثل هذا الوصف الذي يُجمل شمائلها ولو أضاء بعض معناها:
"الصداقة الحقّة:
نورُ روحٍ يطمئنّ،
وعهدُ وفاءٍ لا يهون،
وهي روحٌ في جسدين،
وحفظٌ للغائب إذا غاب،
ودفاعٌ عنه إذا احتدم الخطاب،
وتذكيرٌ بالله إذا مالت النفوس،
فهي نعمةٌ تُسكن القلب،
ولا تزول ما دام الصدق والإحسان."
وفي هذا الزمن شَحَّ وجودها، وما نراه اليوم لا يعدو أن يكون مصالح مشتركة، وأوقاتًا تُقضى لقتل لحظات الفراغ، فلا نرى فيها أثرًا للوفاء، ولا وهجًا للصفاء، ولا صدقًا يتجاوز حدود المصلحة الذاتية؛ بل مجرد ظلال تتراقص على جدار الوحدة والفراغ النفسي.
أخبرني يا عضيدي...
عن صاحبك هذا، كيف حاله معك كي نستقصي أثره ونُصنِّفه من أيِّ نوعٍ هو؟

قال:
هو طيّبُ المعاملة حين نكون معًا، وإذا زاد فوق الواحد آخرُ انقلبت المعاملة لأكون موضع التقليل من الشأن، وكأني الغريب بينهم.
في بداية الأمر حسبته نوعًا من المزاح، أو سياسة "جسّ النبض" كبالون اختبار يعرف به ردّات الفعل.
غير أنّ الأمر تجاوز حسن الظن الذي كنتُ أدفعه دفعًا، ومن ذلك أتهم نفسي؛ فلعلّي أُفرط في حساسيتي.
ولكن انفلت الأمر وتجاوز الحدّ، ونبَّهته أكثر من مرة غير أنه غير آبه!
أصارحكم القول ـ يا من تمرّون هنا ـ:
ابني من النوع الانطوائي الذي يُضيِّق على نفسه تعدّد المعارف؛ فهو وحيدُ نفسه، وذاك الزميل يجده المتنفَّس والرئة التي يتنفس منها، ويجد فيه تجسيد الصداقة والأخوّة.
ومن ذلك يستميت لاستمرار الصحبة خوفًا من غربةٍ ستكون له مصاحِبة إذا ما قرر الرحيل عنه.
أخبرتُه أنّ الاستمرار على هذا الحال هو السقوطُ في وحل الذل، واستمراءُ الإهانات؛
فالصديق لا يمكن أن يجعل صاحبه مادةً للسخرية، ولا يجعلَه في موضع المُهان.


فالكرامة هي رأس مال الإنسان، ومن كان هذا شأنه وجب عزله، لأن الإنسان بلا كرامة كجسد بلا روح، وأي حياة تُحيا بلا كرامة هي عبثٌ بلا ضياء، ولا فرق بينه وبين سرابٍ يختفي عند أول اختبار.
أخبرته بأن يكون الاستثناء، وأن يكون رداؤه الاستعلاء الذي به يدوس كلَّ من لا يقيم له وزنًا، وأن يكون المعادلة الأصعب، والشخصية التي تُجمِع الناس حولها، وأنه لا ينقصه شيء؛ فهو المتفوق على أقرانه بالعلم والمعرفة، المتلفف بالأخلاق والأدب، الموسوم بحسن العمل.
وأخبرته: إذا ما راودتك نفسك يومًا، ونبض قلبك أن تخضع للإهانة، فاخلع تلك النفس من مكانها واسحقْها بقدمك.
إيّاك والمساومة بكرامتك، فالمساومة بها أول خيانة للنفس، وأولى خطوات الانكسار الروحي.
وفي اليوم التالي،
وبينما نمشي كعادتنا، أخبرني بأنه قطع تواصله معه، وانتقل من مكانه في الفصل، وأغلق الباب في وجهه، وأنّ واحدةً من أهله حاولت معرفة السبب، فقال لها: "فقط أريد التغيير".
وقد استحسنتُ تصرفه، وأكّدتُ له ألّا يُبدي أي انفعال، ولا يُصرّح بأنّ ما فعله جاء نتيجة امتعاضٍ من تصرفاته؛ لأن الوثوق بالنفس وعدم المبالاة هما القاتلان لنفس ذلك المتعالي؛ فهي رسالة غير مباشرة بأنّي مكتفٍ بنفسي وقائمٌ بذاتي، وأن الحرية الحقيقية لا تُنال إلا عبر الصمود والوعي الذاتي.
وسألته حينها عن حاله بعد تلك الخطوة: كيف يراه؟


قال:
وكأني وجدتُ نفسي من جديد،
وكأني مولودٌ من جديد،
وكأني رجعت من غربةٍ طال فيها الغياب،
وكان سحرًا انفكّ عني،
وأجدني حرًّا طليقًا، وقد حفظتُ بذاك كرامتي، ولولاك لكنتُ في سجن التردد أقتات!
قلت له:
الفضل ـ بعد الله ـ يعود لك أنت؛ فما أنا إلا نافخٌ فيك روحَ العزيمة، ومذكّرك بأن الكرامة لا تُشترى بثمن، وأن المواجهة وحسم الأمر أعظم وسيلةٍ للخلاص من براثن الأحمال الثقيلة، لأن النفس الحرة لا تُهان إلا إذا رضيت الذل لنفسها، وأن كل كرامة محمية هي قنديل يضيء طريق الروح في ليالي الغربة والاختبار.

مُهاجر 12-23-2025 12:01 PM

رد: مُهاجر
 
قد تقلّ الرسائل، وقد يطول الصمت، لكن القلوب إن اجتمعت في المحبة لا تعرف الفقد، والأرواح إن تلاقت في الوفاء لا تعرف الغياب.
فالرسائل ما هي إلا جسر يذكرنا بما في الصدور، أما الروح فتبقى متصلة، والنية صافية، والحب حاضر، وإن خفت الصوت وغاب الكلام.


وإن لم تلتقِ الحروف، التقت القلوب، وإن لم يزداد الخطاب، زاد الوصل في الصمت، وإن لم تُرسل الرسائل كل حين، يظل القلب يسكب لك دفء الود، ويمدّ لك أجنحة العاطفة حيثما كنت.



فاطمئن، فالروح لا تبعد، والمحبة لا تذبل، وإن قلّ الكلام، بقي الوصل متجدّدًا، لا ينقطع، ولا يزول.

مُهاجر 12-23-2025 09:14 PM

رد: مُهاجر
 
حين يمعن الإنسان فكره في مجريات الحياة، ويدير بصره في جنباتها، يدرك ضيق مساحته الفردية إذا ما قيست بسعة الوطن، ورحابة الأرض التي تقلّه، وامتداد السماء التي تظلّه، ونفَس الهواء الذي به تستدام الحياة ويحفظ الوجود. وفي خضم هذا الإدراك، تتجلى الهوية بوصفها الوعاء الجامع، والحصن المنيع، الذي يحفظ للإنسان ملامحه، ويصون له أصل مرجعه، ويثبّت جذوره في أرض المعنى والانتماء.



وفي ظل تسارع محموم فرض إيقاعه على الأفراد والمجتمعات، بات الإنسان منساقا مع تيار لا يتوقف، كرهًا كان ذلك أو اختيارا، فتضاعفت الحاجة إلى مرجعية تضبط المسار، وتمنح الثبات وسط التحول. ولم تكن العادات والتقاليد في هذا السياق مجرد بقايا ماض، بل كانت ولا تزال ذاكرة جمعية، وحاضنة هوية، وجسر اتصال ممتد من السلف إلى الخلف، يحفظ الخصوصية ويصون الانتماء.




غير أن هذه العادات لم تسلم من شد وجذب، ولا من صراع رؤى، بين من يتشبث بها تشبث الحريص على البقاء، ومن ينظر إليها بعين الريبة، ويرى فيها عائقا عن التقدم، أو عبئا من بقايا زمن مضى. وبين هذا وذاك، تقف الحقيقة في موضع أدق وأعمق، فليست العادات جامدة في ذاتها، ولا هي منزّهة عن المراجعة، وإنما تتشكل بزمانها ومكانها، وتكتسب معناها من سياقها ووظيفتها وأثرها.




ولعل أكثر من يحمل لواء المحافظة عليها هم كبار السن، إذ يرون فيها سر التماسك الاجتماعي، وضمانة الوحدة، وركيزة الاستمرار، فيحثون الأبناء على التمسك بها، لا تعصبا، بل خشية التفكك، وخوفا من ضياع الروابط التي نسجت المجتمع على مدى أجيال. ويشتد وجعهم حين يشهدون هجر بعض هذه القيم، لما يرونه في ذلك من تهديد لبنية التعاون، وتمزيق لخيوط الوصل بين الأفراد.



أما الأجيال المعاصرة، فقد تنوعت مواقفها، بين من يلامس العادات بحياء، ومن يتعامل معها بانتقائية، ومن أعرض عنها كلية، ظنا أن القطيعة شرط الحداثة، وأن التجاوز دليل الوعي. وهنا يبرز الخطر الحقيقي، لا في الاختلاف، بل في الانسلاخ، ولا في المراجعة، بل في المحو، إذ تخشى المجتمعات أن تفقد بذلك جينها الثقافي، وتذوب في أنماط لا تشبهها ولا تمثلها.




ومع ذلك، فإن العادات والتقاليد ليست مقدسة بذاتها، ولا ينبغي أن تتحول إلى قيود تخنق الطموح، أو أعراف صماء تجهض الأحلام. فالمطلوب ليس هدم الأصل، بل تحريره من الجمود، ولا نسف الإرث، بل غربلته بوعي. ويكون ذلك عبر بث ثقافة الحوار، وتداول الأفكار، ومناقشة الممارسات، لتمييز ما يصلح للبقاء مما يستوجب التغيير، حتى تزاح الصخور من طريق التقدم، وتخصب أرض المجتمع بالوفاق لا بالتصادم.



وفي واقع اليوم، مهما علا صوت العادة، فإن أثره يضعف إذا فرض دون فهم، ويضمحل إذا واجه واقعا متغيرا بلا تكييف. ومن هنا، يصبح التحرك الواعي ضرورة، لا اندفاعا، ويغدو التوازن مطلبا، لا ترفا، حفاظا على التماسك الأسري، وصونا للعلاقات الاجتماعية من التصدع والتشرذم.




إن العادات والتقاليد إرث ممتد، لا يعيش في المتاحف، بل في السلوك اليومي، حيث تمارس أحيانا بعفوية، وكأنها تجري في العروق كما يجري الدم في الشرايين. وهي، في جوهرها، إطار تنظيمي يضبط العلاقات، وينظم السلوك، أكثر من كونها إلزاما قهريا، ولذلك ترسخت في النفوس، واستقرت في الوجدان.




ومن هذا المنطلق، فإن المحافظة على العادات الحميدة ضرورة حضارية، لما لها من أثر إيجابي في تنظيم الحياة، وتعزيز القيم، وترسيخ الانتماء. فهي ثقافة متوارثة، وهوية متجذرة، وذاكرة جمعية، والفخر بها فخر بالأصل، والتمسك بها تمسك بالجذور. وهي جزء أصيل من تاريخ المجتمع وتراثه وحضارته، تستحق أن تصان، وأن تنقل، وأن تبقى حية، جيلا بعد جيل.




فالعادات والتقاليد ليست آنية الأثر، بل ممتدة بامتداد الإنسان، وما طرح هذا الموضوع إلا استجابة لضرورة فكرية واجتماعية، تفرض إعادة النظر، لا للهدم، بل للبناء، ولا للقطيعة، بل للتجديد المتزن. وحين تكون هذه العادات باعثة على السلام الداخلي، ومولدة للانسجام الخارجي، فإنها تتحول إلى قوة جامعة، تشد أواصر المجتمع، وتحفظ توازنه، وتضمن استمراره.




وكلما ازداد الوعي بقيمة هذا الإرث، وبأهمية توظيفه توظيفا رشيدا، كان التمسك به أعمق، وكان أثره أبقى، وكان حضوره في حياة الأفراد والمجتمعات أرسخ وأصدق.

مُهاجر 12-23-2025 09:29 PM

رد: مُهاجر
 
كنت أقف عند عبارة، أراجع عند أعتابها موقعي من معناها، يصدح صداها من أفواه المحذرين، بأنها مقبرة المبدعين، ونهاية المفكرين، ومع ذلك يسير الجمع الغفير متوشحا بمحتواها، وهي منها براء، لجهله بمعناها، وحسبانه أنه على شيء، وما علم أنه يلصق نفسه بها ليكون مثالا يضرب، ومناطا للتذكير. تلك العبارة هي: «الإمعة».



هو ذاك الذي يسير مع الركب ويحدو بحدائهم، وهو عن معنى الحداء ناكص بليد، ولسان حاله ومقاله: حيث سار الجمع أنا معهم أسير، ويد الله مع الجماعة، وليت ذلك التفويض يكون عن علم يفيض. فكم نرى من تزاحم الأعياد التي أضيفت على العيدين، عيد الفطر وعيد الأضحى السعيد.
فاليوم جاء عيد الحب، به شر أريد، حيث الرذائل في كل قطر، والجهر بها كواد يسيل، هذا في الحرام إذا خرج عن إطار الشرع، وذاك متبجح به سعيد. أما من خص فيه زوجته بيوم زواجه، وأحضر وردا وباقة تأسر القلب العفيف، فقد ضاهي أقوام كفر، وكأننا مبتورو الأصل عن دين حنيف. فما العيد لدينا إذا كان في الزواج؟ فكل أيامنا معه عيد.




ثم يعقبه عيد الأم، وكأن الأم لم يعرف حقها إلا في ذلك اليوم، فالكل فيه موف حليم. يا حسرة على أم ترتجي وصل ابن، لا يطرق بابها إلا إذا دار عليه حول. والإعلام بات بوقا لكل ناعق ينادي: اليوم عيد، حتى لم يبق لنا أصل، وصِرنا نسبح في فلك التغريب. فالفضيلة في عرفهم رذيلة، والرذيلة باتت أصلا في أعراف الهجين.




أما لكم عقول يا بني قومي، لتستبدلوا الرخيصَ بالغالي؟ أما لكم قرآن ينطق بالحق، وفيه الوعد والوعيد؟ ما لكم أسلمتم سمعكم وأبصاركم وقلوبكم للغرب، تنتظرون منهم كل جديد؟ كفاكم تقلبا في مراتع التقليد، فقد كنا خير أمة، وما سُحقنا إلا حين خلعنا ثوب العز وانقلبنا صاغرين.




وكم تضحكني وتبكيني تلك المقولة حين أسمعها من متفلسف مسكين: «خذوا منهم المفيد واتركوا الشر المستطير»، فأقول متأففا: كفاك مواربة، فالحق أولى أن يقال: خذوا منهم الغث واتركوا السمين. أما ترى صدق هذا القول حين تنظر إلى حال المسلمين؟ ليتنا أخذنا منهم العلم، وغزونا به الفضاء، وابتكرنا به أمصالا تخفف آلام الموجوعين، أو صنعنا أمة تتسلح بالمعرفة، وتبدد ظلمة الجهل القبيح.




ومن هنا ما زلت ألهج بها: ألا تبت يد التقليد، ومن صار إمعة بحجة مجاراة الواقع الكئيب. وكم تحضرني قصة ذلك الشيخ، لا يحضرني اسمه، وهو يحكي عن ابنته في القطار، حين جلست بجانبها امرأة من الغرب غير مسلمة، فأخذت تحدثها عن عمر الفاروق أمير المؤمنين، حتى إذا ما فارقتها، إذا بابنته تطلب منه كتابا يحكي عن الفاروق، فيقول الأب متعجبا: كم حدثتك عنه مرارا، ولم يحرك ذلك شيئا في قلبك، فلما جاء ذكره على لسان من يخالف دينك، هرعت تطلبين كتابه!



وكم من هوية ضاعت في أتون التقليد، حتى بات بعضهم يتمنى أن يسلخ نفسه من انتمائه، ويرى مجتمعه متخلفا، ويتهمه بأنه سبب الانحدار والتأخر. فهناك ذاك الجين الثقافي الذي يتفاعل مع غيره، فينغمس الإنسان في شخوص الآخرين، ليخرج خلقا هجين الفكر، مزدوج الانتماء، يصارع بين أصل فطرته وطباع دخيلة، حتى ترى مسوخا من البشر، قلوبهم أقرب في قسوتها إلى الحجر.




وما كان للإنسان رداء عز إلا الاعتزاز بسالف عصره، حين كان أجداده سادة زمانهم. فبعد أن كنا متبوعين صرنا تابعين. لقد كان الغرب في فتوة عهد الفاتحين يتباهون بتعلم العربية، واليوم ننظر إلى واقعنا ونضع عليه ألف خط وخط.




فما نزال في قاع الغفلة نتنفس، إلا من رحم ربي، وكم من متباه بشهادته وهو مفلس من الثقافة، ليس له منها إلا ورقة يزين بها جداره. والتقليد لا يقف عند الأعياد، بل يتسع ليشمل المأكل والمشرب، والصحبة، وما نراه ونسمعه من أحوال تشيب لها المفارق.




وما نعانيه اليوم أننا نعلم الخطأ، ولكننا نعالجه بخطأ أعظم. وليس في هذا تسويد للواقع، ففي الشباب خير كثير، وإن أثقلتهم الغفلة والتسويف، فهم بين مطرقة الألم وسندان الأمل. والحل ظاهر، يبدأ بمعرفة الطريق، وبنية صادقة لا يقطعها قاطع.





ومن يقع في الخطأ، إذا نبه وحذر، فخير له أن يتواضع للحق، وألا تأخذه العزة بالإثم، فالنفس اللوامة أكرم عند الله من القلب المكابر، والحكم فرع التصور، والرجوع إلى الحق فضيلة لا منقصة.

مُهاجر 12-23-2025 09:35 PM

رد: مُهاجر
 
جف نهر العشق في سواقي قلبي، فاستسقيت من غمام الرجاء، من وابل الأمل، ومن ندى الصفاء. حروفي ترزح بالعويل، ومآقي تجود بدمع رطيب يروي عطش القلب ويغسل الغليل من الجرح العميق.



يا نوال الأمنيات، أسعفيني بصبح قريب، فقد سئمت من ليلي الكئيب ومن ظلال الوحدة التي تلفني وتكتم أنفاسي. كلماتي وحروفي ومصطلحاتي واستعاراتي ومجازاتي تواطأت على رسم خواطري بطعم حزين، بطعم مرارة الليالي الصامتة وبصدى الصمت المديد.



يقولون عني معذب، مغفل، حالم، يائس، قانط، لكن هذه قصتي وواقعي، غير أن القنوط لم يبلغ مداه، ولم يستوطن قلب الحنين، ولم يجمد حر الشوق في قلبي. فما للروح أن تموت، وما للشوق أن يندثر، وما للأمل أن يفنى.
كلماتك ناغمت بديع الكلام، غير أنها تتهادى بين الوهم والإيهام، فأجد حالي ممددا بين هذا وذاك، بين نور الحقيقة وظلال الضباب، بين مد وجزر الغرام وعمق انتظار اللقاء.




فلنمض معا، يدفعنا أمل يساق، ولعل حظوظ الزمان تعلن اليوم الوفاق، ويعود القلب مترعا بالهناء، وتشرق الأرواح بنور الصفاء، ويطيب لنا العيش في ضياء الوفاء، وتستقر النفوس على طمأنينة لا تزعزعها ريح ولا هبوب.




وفي ختام اليوم، حين ينسدل السكون على نوافذ الهمس وتهمس الرياح بأسرار الليالي، أدرك أن الشوق باقٍ، والحلم حي، وأن القلوب مهما بعدت تظل مترابطة، تتشابك أرواحها في نسيج واحد من حب وأمل. فما ضاع فجر من يملك الصبر، ولا خاب من سعى للوصول إلى صباح اللقاء. فلنمضِ معا بخطى ثابتة وعزيمة لا تضعف، نحو غد يحمل الوفاق ويضيء الطريق بنور الإيمان والصفاء.

مُهاجر 12-23-2025 09:43 PM

رد: مُهاجر
 
ما عاد للانتظار مساحة إشفاق تضمّد أثر الجراح، بل صار زميلا للألم ومعينا على تعميقها، ومهما امتد الليل فإن الفجر لا يغيب، والرجاء لا يموت، وما للروح أن تخبو وما للقلب أن يضعف.



ومن ثقب كثقب إبرة أتنفس الأمل، غير أنه ينفض أركان اعتقادي، ويحيي مخاوفي، ويبث إرجافاته ليقضي على ما تبقى من يقين، لكن عزيمتي ثابتة، وقلبي يعرف طريق الفرج، وما للحزن أن يستقر.



يهمس في أذني ذكر الحبيب، مواسيا دموع غربة تصدح بها أملاك الليل البهيم، أفرد أشرعتي، والريح لي رفيق تأخذني نحو المغيب، حيث الأمل يشرق من جديد، وحيث كل حرف ينادي بلقاء، وكل كلمة تزهر شوقا ووفاء.
بحت فيها عن آهاتي، ومعاناتي، وطول انتظاري، ناظرا من يرفق بحالي ويواسي اغترابي في عالم كئيب، وما زال الألم يزحف وما زال الأمل يلوح في الأفق، فكم استباح سعادتي واغتال أحلامي جان بليد، وما يزال يرخي جدائل جرمه على ما تبقى من صبر جميل.



موغل ذاك البعد في أعماقي، تزورني أطياف حبيبتي لتمسح عن قلبي أحزاني وما تكدس فيه من حزن دفين، أية يد ترفع عني السواد وأي نور يضيء دروب الغياب؟ أي صبح جميل يشرق ليبدد حلكة الليل الثقيل؟ فقد طال بي المقام وأنا أقرع باب الفرج القريب، وما زال قلبي يطرق أبواب الرجاء.



مهشم العزم، تتناهشني ضباع الظالمين، وتستقبلني بالشماتة وجوه الحاقدين، لكني أغترف من نهر الرجاء، معلق الآمال برب العالمين، رفعت حاجتي إليه، وفي قلبي غرست اليقين، فقد بصرت بما حل بي، فأدرجته حلما نائما يوشك أن يقطعه استيقاظ على واقع جميل، واقع يزهر الأمل ويعيد الحياة لقلوبنا الضامرة.

مُهاجر 12-24-2025 05:24 AM

رد: مُهاجر
 
من أمعن النظر في مسير هذه الحياة، أيقن أنها جبلت على تقلبات ومتغيرات، تجتمع في حناياها الأضداد، ويتعاقب في جنباتها السلب والإيجاب، والحلو والمر، والسعادة والشقاء، والفرح والبكاء.



غير أن كثيرا من الناس يحبس بصره عند مشاهد النكبات والويلات، ويقيم سمعه على صدى العويل والصرخات، فيغفل عن التيار الهادر، المتدفق بالايجاب، وما ينبض في أعماقه من جميل المعاني، وبديع الدلالات.
فتنشأ من تلك النظرة القاصرة أزمات شعورية، وارتدادات وجدانية، واضطرابات نفسية، ينتهي أثرها إلى هزيمة داخلية صامتة، تنخر في الروح، وتهدد بقاء الإنسان ووجوده.



والحياة، على كثرة ما فيها من عثرات، عامرة بالغنائم والفرص، ولا يفقه ذلك إلا العاقل اللبيب، الذي يطوع البلايا، ويؤالف الهزات، فيجعل منها سلما للارتقاء، وبداية طريق نحو التفوق والنجاح، والسير بثبات على درب الكفاح.
ولا ريب أن للخطأ وقعا موجعا، وعاقبة ثقيلة، ومصيرا وخيما،



غير أن الإنسان مطالب بمواجهة الواقع لا الهروب منه، إذ لا يقف أمامه إلا خياران لا ثالث لهما:
إما تسليم يعقبه بوار،
وإما تجاوز يعقبه ازدهار،
فمن اختار السعي غلب، ومن آثر الركون خاب.

مُهاجر 12-24-2025 05:27 AM

رد: مُهاجر
 
لعل كلمة «الخطأ» تحمل في طياتها ما يغاير صائب الأمور، غير أن ما نجهله أحيانا أنه قد يكون محفزا ودافعا لتغيير القبلة، وتصحيح الوجهة، وتدارك المسار، حتى تستقيم به الأحوال وتعتدل الأفعال.



وحين نأخذ «الخطأ» مجردا، من غير أن نربطه ببيئته التي نشأ منها، ونسبر هويته، ونفكك كنهه، ونستجلي حقيقته، نكون قد حكمنا عليه قبل أن نفهمه، وجاوزنا العدل إلى العجلة، والبصيرة إلى الغفلة.


وكلما حللنا طبيعته، تيقنا أنه كالهواء، يتنقل ويطوف بالجميع، لا ينجو منه أحد، ولا يسلم من أثره بشر، لنُدرك به ما يباينه، وما عنه ينفصل، وما منه ينبثق، فيكون سببا للتوثيق أو جسرا للانعتاق، فيفارقه المرء ولو بعد حين.
وما أجمل أن نجعل من المثالب التي تصيبنا، من غير قصد ولا ترصد، مفاتيح نفتح بها أبواب المراجعة، وسلالم نرتقي بها مدارج الإصلاح، فنفكك ذواتنا لنعيد تركيبها، ونكسر القالب لنصوغ قالبا أصلب وأقوم، ونجعل من الخطأ مرآة مقارنة، وصورة مخالفة، نعيد بها برمجة الأقوال، وتقويم الأفعال، تاركين بعض المساحات الضيقة نلقي فيها فتات الهفوات، لا لنخفيها، بل لنقيمها ونقوم معوجها.




وقفة إكبار، وشكر موصول، وعرفان غير منقوص، لذاك الخطأ العلمي، الذي كان سببا لسبر مكامن المعرفة، واستنطاق خزائن العلم، فكان منه الإقدام لا الإحجام، والاقتحام لا الإحجام، والولوج في كل فن وعلم، تنوع مذاقه، وتعددت مسالكه، فكم جنينا من ثماره، وكم غنمنا مما لذ وطاب، وكم ارتقينا به درجات بعد درجات.



ولك مني التحية، أيها الخطأ العملي، فلولاك لما تعثرت بذاتي، ولا اصطدمت بحدودي، ولا اكتشفت قدراتي، ولا أدركت حقيقة حالي، فكنت المعلم الصامت، والناصح القاسي، والمرآة التي لا تجامل.



ومن ذاك تجلت لي عظمة ما أودعه الله في، فانطلقت من جديد، وقد تعانق ظاهري بباطني، وتوافقت سريرتي مع علانيتي، وانسجم قصدي مع فعلي، فكأنني ولدت ولادة أخرى، أنقى بصيرة، وأرسخ عزيمة، وأصدق توجها.
ولا يفوتني أن أثني على الخطأ الاجتماعي، حين اضطرني إلى إعادة النظر، وإعمال الفكر، ومراجعة الموروث، في أمر العادات والتقاليد، التي حسبتها يوما هذيانا، وعددتها بقايا تخاريف، حتى أدركت، بعد أن نبهني الخطأ، أنها هوية تحفظ، وجذور تمتد، وشرايين تضخ المعنى في جسد المجتمع.
ولك الشكر، أيها الخطأ الديني، حين كشفت لي الانفصام، وفضحت التناقض، وأظهرت الخصام، بين ما نؤديه من عبادات، وما ينعكس منها على واقع الحياة، وتلك الغربة التي لا يؤنس وحشتها إلا فهم معنى العبادة، وحقيقة معرفة الله، لا طقوسا تؤدى، ولا شكلا يتكرر.




ومن جملة الشكر أيضا ذاك الخطأ العاطفي، حين علمت أن القلب لا يُملك، والمشاعر لا تُوهب، وأنها مشرعة بلا نوافذ ولا أبواب، غير أن الحكمة تقتضي صونها، والعقل يفرض تحصينها، بإبعادها عن مواطن الاستقطاب والاجتذاب، حتى لا نتجرع المر ألوانا، ولا نذوق الندم أضعافا.



وأيقنت أن القدر، في نهاية المطاف، هو صاحب القرار، وأننا لسنا إلا أسبابا، نمضي بها وإليها، فينفذ فينا ومنها ذاك القرار، عدلا كان أو ابتلاء، رحمة أو امتحانا.



لقد بت مقتنعا أن الخطأ هو معلمي الأول، ومرشدي الخفي، وسراج الطريق، إذا جعلته مؤشرا للمراجعة، وميزانا للمحاسبة، ومفتاحا للإصلاح، أقيم به ذاتي، وأقوم به نفسي، وأسعد به في هذه الحياة، قبل أن يحين الحساب.

مُهاجر 12-24-2025 05:30 AM

رد: مُهاجر
 
لماذا وريقات الحياة تتقلب
بين صدمات حزن وفرح،
وتتأرجح بين بسمات تشرق، ودمعات تترقرق؟



جوابه:
أن هذه الحياة لا يدوم نعيمها ولا عذابها،
ولا يستقر فرحها ولا حزنها،
لأنها على التقلب جبلت،
وبالتحول وسمت،
ليكون الإنسان فيها بين كماشتين وحالتين،
وبين منزلتين ومرتبتين،
بين خوف يشد الخطى، ورجاء يبعث السرى،
وبين يأس يثقل الروح، وأمل يساق ليسقي الجروح.
أما في الآخرة فهناك المستقر والمستودع،



والفصل الذي لا يقبل الجمع،
ولا يحتمل النقيض ولا المباين اللصيق؛
إما نعيم مقيم لا يزول،
أو شقاء عميم لا يحول.
من هنا يكون التأسيس لتلك المرحلة،
وعلى هذا يكون البناء لا المجادلة،
ومنه تنشأ مغالبة الواقع لا الفرار منه،
والتعايش معه لا الاستسلام له،
كي يسير مركبنا على يم الحياة،
لا تعصف به الرياح، ولا تغرقه الجراح.
وأما الحاجة إلى من يمد لنا يد العون والحنان،
فقد تشح، وقد تغيب، وقد تخونها الأزمان،
وحينها لا يصح التعويل على الأيدي الفانية،
ولا الركون إلى القلوب المتقلبة،


بل يكون الاتكاء على ما لا يخيب،
والاستناد إلى من لا يغيب.
فما كل دمعة تجد كفا تمسحها،
ولا كل أنين يجد صدرا يحتضنه،
لكن من أحسن الاعتماد،
أوتي الثبات،
وسلم من الانكسار،
ومضى في دربه وإن أثقلته الأحزان.

مُهاجر 12-24-2025 05:35 AM

رد: مُهاجر
 
ولو سلمنا بأن تلكم الأوجاع، وذاك الفشل المذاع،
ليس إلا جناية إنسان تربصت به الدوائر،
فأسقطته في دهاليز الأحزان،
أفلا يكون ذلك في حقيقته أمرا مبرما في لوح محفوظ،
نفذ ليكون واقعا مَعيشا، وحالا ملامسا؟
فما من ساكن في هذا الكون ولا متحرك
إلا وقد اكتنفه القدر وحمله،
غير أن ذلك لم يكن جبرا مطلقا
يسلب الإنسان اختياره،
بل كان للإنسان فسحة إرادة،
وإن قيدت مآلاتها بحدود الأسباب والمسببات،
حتى إذا انتفضت العوامل
وتكاثفت الموانع،
انطفأ حلم، وانكسر أمل،
فتألم القلب قبل أن يشتكي اللسان.



ومن هنا، فإن تحرير الفكرة
لا يستقيم باستحضار الماضي وحده،
ولا بتقديس أطلاله،
بل باستيعاب الحاضر
واستشراف المستقبل،
حتى لا يتحول الأمس إلى قيد
ولا يصبح الوجع هوية،
ولا تغدو الذكريات سجنا
نقيم فيه إقامة دائمة.



فالإفراط في اجترار الحسرات
لا يورث إلا البؤس،
ولا يحصد من التنهدات
غير الويلات،




ولو سلمنا بوجود أسباب
قادت إلى هذه الخيبات،
فإن الركون إليها
واتخاذ دور الضحية
لا يزيد الجراح إلا اتساعا،
ولا يمنح الجلاد
إلا مبررا إضافيا للبطش.
إن استدعاء القدر
ليس شماعة للهروب،
ولا ذريعة لتعليق العجز،
بل هو باب للرضا الواعي،
ومعبر للتوكل الحي،
أما تعليق الإخفاقات عليه
فليس إلا استسلاما مقنعا،
وتخليا مؤجلا عن القدرة
على النهوض من جديد.




فالذي يرتهن للماضي
ويسكن الأطلال،
يدفن في ركام الذكريات
قدرته على التجاوز،
ويئد في صدره
إمكان رسم أفق جديد،
بينما الأجدر به
أن يسقي أمله
باستشراف فجر مختلف،
ويلونه بفرشاة التفاؤل،
ويجعل الله السميع البصير
ركنه وملاذه،
وعليه يفوض أمره
تفويضا لا يشوبه يأس
ولا يخالطه وهن.




وليس في استحضار الذكريات حرج،
ولا في التماس العزاء بها ضعف،
ما دامت جسرا للاتزان
لا معبرا للغرق،
وسندا للروح
لا سكينا للصدر،
فالذكريات إن أحسنت إدارتها
كانت دواء،
وإن أسئ استعمالها
صارت داء.




ولئن تعاقبت النصائح،
وتعددت الأصوات،
واختلط الوعظ بالحكم،
فإن المأزق الحقيقي
ليس في كثرة الأقوال،
بل في كيفية تلقيها،
إذ كثيرا ما تمر الحكم
مرور الكرام،
ولو أمعن فيها الفكر
لأنقذت النفس
من مستنقع الاستنزاف.




غير أن النفوس
تألف المألوف،
وتستسلم لجاذبية الحزن،
فتجعل من الأنين
نشيدها اليومي،
ومن جلد الذات
طقسا لا ينقطع،
فلا تسمع إلا صدى وجعها،
ولا ترى إلا ظل ألمها.




والحقيقة الثابتة
أن التغيير لا يهبط من الخارج
ما لم تفتح له الأبواب من الداخل،
وهنا مكمن العطب،
حين تلقى عصا العزيمة،
وتخنق الرغبة في العبور،
وتؤجل المصالحة مع الحياة.
فالنجاة ليست في إنكار الألم،
ولا في تقديسه،
بل في فهمه،
وتجاوزه،
وتحويله من عبء مثقل
إلى درس منقذ،
ومن ذكرى موجعة
إلى خبرة واعية،
ومن سقوط مؤلم
إلى بداية نهوض جديد.

مُهاجر 12-24-2025 05:41 AM

رد: مُهاجر
 
أبحث عن زمن تتلاشى فيه عديد الأقنعة،
وتسقط فيه الوجوه المستعارة،
لأنزوي بعيدا عن واقع
نعيش دقائقه المثقلة،
ولحظاته المفزعة.



حيث لا أسمع ولا أرى
تلك الأعذار الواهية،
التي استنزفت منا الأحلام الوديعة الواعدة،
وقطفت ورود التقدم اليانعة،
حتى غدت الساحات قاحلة،
والأماني ذابلة.




من نافذة الأمل أطل برأسي،
أرمق يومي بعين الاعتبار،
وأستذكر أمسي بوعي الاختبار،
وأناجي غدي برجاء الانتظار.



وهناك، حيث يتجسد واقعي،
ينازعه واقع آخر،
معفر بضجيج المناكفات،
مكدود بصخب الخصومات،
يتوسل ألا يجردوه من بشريته،
وألا يسلبوه حقه في البقاء والاختلاف.




غير أن الرجاء،
وإن ضاق مسلكه،
لا يزال يتشبث بنبض القلب،
ولا يزال يطرق أبواب الأمل،
رغم ثقل المسير،
وشح النصير.





فالخطأ،
وإن بدا سقطة،
فهو في جوهره عتبة،
وعثرة تعقبها عبرة،
وسقوط يلد قياما،
إذا ما أخلصت النية،
وتجدد العزم.




كم تمنيت أن نقوم كلما وقعنا،
وألا نخلد إلى الانكسار،
وأن نعيد الكرة مرة بعد مرة،
حتى تستبين الأسباب،
وتنقش الدروس
في القلب والعقل نقشا لا يزول.
فذلك هو لسان حال
من غاص في لجج هذا الواقع،
فعرف قسوته،
واكتشف حكمته،
وأيقن أن السير في دروبه
لا يكون بالإنكار،
ولا بالفرار،
بل بالمواجهة والصبر،
والتعلم من كل عثرة،
حتى يبلغ الإنسان
معنى النهوض،
وحقيقة الاستمرار.

مُهاجر 12-24-2025 05:44 AM

رد: مُهاجر
 
تلك العبارة تحمل الكثير من المعاني النفسية،
تخرج النفس من معترك ودوامة التحبيط،
وتبعدها عن متاهات اليأس المقيت،
ومن هذا الاسترسال في ذات الخطأ،
دون مراجعة الطريق وإعادة النظر في المسار.



فالكثير منهم يقع في هذا، فمنهم من أدمن الخطأ،
ولا يرى للحياة معنى إلا الوثوب فيه،
ومنهم من يتقلب في عذابات الضمير،
تارة يهرب من الخطأ، وسرعان ما يعود إليه من جديد،
ولا يفصل بين الهروب والعودة سوى برهة قصيرة،
ومنهم من عرف الطريق بعدما تعلم من الخطأ،
فأدرك أين يكمن الصواب في كنه ذاك الخطأ،
ولا يحظى بذلك البصير إلا من وهبه الله عقلًا رشيدًا،
وعزيمة صادقة، ورغبة صلبة، ليخرج وقد ولد من جديد،
متجدداً، متصالحاً، حاملاً دروس الماضي نورًا لطريقه.



ولنا أن نسأل من غاص وتشبع من تلك الأحزان
التي ولّدها الخطأ:
هل ذهب ما فيه من حزن طويل؟
وهل أزاح عنه ما يغيض؟
أم هو مجرد استمراء وتبلد إحساس؟
حتى تساوى لديه الليل والنهار،
وهو يسف الآهات والأنين،
من غير أن يبحث عن المخرج الذي تعيده البسمة والسعادة؟
إن من يصل إلى تلك القدرة،
يدرك أنه مر بمرحلة تأمل لما جرى له،
وتصالح مع ذاته،
ووصل إلى مرحلة الشكر والامتنان لذلك الخطأ.




فذاك هو الدواء لذاك الداء،
فقد نال السعادة من عاش واقعه،
وتأقلم مع عطايا القدر،
وسلم الأمر لله واحتسب الأجر،
فكلما سعى لإصلاح المثالب،
وعاد إلى جادة الصواب،
ظل متماسكا، وواصل السير على نهج الحكمة،
ففي التعلم من الخطأ حياة،
وفي الصبر على العثرات رفعة،
وفي اليقين بالله قوة،
وفي الرجوع إلى الصواب عزٌ ونجاة.

مُهاجر 12-24-2025 11:34 AM

رد: مُهاجر
 
يُحكى أن رجلا من الصالحين كان يوصي عماله في المحل بأن يكشفوا للناس عن عيوب بضاعتهم إن وُجدت. وذات يوم جاء يهودي فاشترى ثوبا معيبا، ولم يكن صاحب المحل موجودا، فقال العامل: هذا يهودي، لا يهمنا أن نطلعه على العيب. ثم حضر صاحب المحل فسأله عن الثوب، فقال: بعته لليهودي بثلاثة آلاف درهم، ولم أطلعه على عيبه.


فقال: أين هو؟ قال: لقد رجع مع القافلة. فأخذ الرجل المال معه، ثم تبع القافلة حتى أدركها بعد ثلاثة أيام. فقال لليهودي: يا هذا، لقد اشتريت ثوبا به عيب، فخذ دراهمك وهات الثوب. فقال اليهودي: ما حملك على هذا؟ فقال الرجل: الإسلام، إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من غشنا فليس منا. فقال اليهودي: والدراهم التي دفعتها لكم مزيفة، فخذ بدلها ثلاثة آلاف صحيحة، وأزيدك على ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وقال عمر بن عبد العزيز: كونوا دعاة إلى الله وأنتم صامتون.



كانت هذه حكاية رويتها لأبنائي قبل النوم، فكان لها وقع خاص، وحوار شائق بنكهة البراءة. ومن عادتي عند الانتهاء من أي قصة أن أفتح باب التساؤل، وأن نفكك شخوصها وأحداثها، ثم نختم بالفائدة المستفادة منها.


خرجنا من تلك القصة بمعنى عميق، أن المؤمن إنما يتعامل مع الله قبل أن يتعامل مع الناس، ومن هنا يحاسب أنفاسه، ويزن أقواله وأفعاله، ويحرص على أن تكون معاملاته على ما يرضي الله، لا على ما تمليه المصلحة العاجلة أو المكاسب الزائلة. فالوضوح عنده مبدأ، والصدق مسلك، فلا يجعل من الغاية المادية سببا لطمس إنسانيته، ولا ذريعة لتبرير الغش والخداع.


فالمؤمن كتاب مفتوح، لا يحيط به غبش الريبة، ولا تنال منه سهام التشكيك، ولا تهدم كيانه معاول التخوين، لأنه متسق في ظاهره وباطنه، ثابت في قوله وفعله، فلا يقول ما لا يعمل، ولا يعمل ما يخجل من قوله.


وهنا تتجلى حقيقة الدعوة الصامتة؛ تلك الدعوة التي لا تحتاج إلى ضجيج، ولا تقوم على الجدل، بل تتسلل إلى القلوب تسلل النسيم، وتتجاوز حدود الأنا، لتخاطب الفطرة والعقل معا. هي رسالة يتلقاها الآخر بالفعل قبل القول، فيجد نفسه مشدودا لمعرفة سر هذا السلوك، ومصدر هذا الخلق، ومنبع هذه القيم.


فبطل القصة لم يعرض بضاعة الإسلام عرضا لفظيا، ولم يسرد محاسنه بالكلام، بل جعل من فعله ترجمانا صادقا، ومن أمانته جسرا يعبر عليه الآخر إلى الحقيقة. وهكذا كان البيان عن معاني الإسلام أصدق، وكانت رسائله أعظم أثرا، إذ أحيت قلبا كان موصدا، وبعثت روحا في رحلة بحث عن الحق، وما يسعد الإنسان في دنياه وآخرته.



ومن هنا يطرق السؤال باب الوعي: هل للدعوة الصامتة، في شتى مرافق الحياة، هذا الأثر العميق؟ أم أن البوح المباشر هو أنجع السبل؟ لعل بعض الناس يتجاهل الإشارات، ولا يلتفت إلى التلميحات، فتضعف الحصيلة عنده، غير أن الفعل الصادق يبقى أبلغ من ألف كلمة، وأبقى من ألف خطاب، لأنه يزرع في القلوب قبل أن يخاطب العقول.


فالدعوة الصامتة ليست سكوتا عن الحق، ولا ضعفا في البيان، بل هي حكمة في إيصال الرسالة، ووعي بسنن التأثير، وسلوك يسبق المقال. هي خلق يمشي على قدمين، وبرهان لا يحتاج إلى منبر، ولسان حال يقول: هكذا يكون الإسلام حين يُعاش، لا حين يُقال.

مُهاجر 12-24-2025 01:02 PM

رد: مُهاجر
 
كم للحياة من أطوار متقلبة، وكم لمن يسير في مناكبها من حال يموج ويمور، فلا يكاد يثبت على قرار، ولا يستقر على حال. فهي دول بين إقبال وإدبار، وتقلبات بين صفاء وكدر، وذلك هو المعنى الأصح والأدق حين نتأمل مسيرتها بعين البصيرة لا بسطحية العابرين.


نطوي صفحات أيامنا، فإذا بين سطورها من يسفح سواد حبره على ناصع بياضها، فيلطخ الجمال، ويشوّه المعنى، ويكدر صفو الرحلة. وليس ذلك إلا صدى قلوب اختبأ في سويدائها حقد دفين، فتفرعت منه شعب الحسد، وتشعبت عنه مسالك الغدر، واستفحلت فيه نوازع الأذى. والعجيب أن هذا الأذى قد يصدر ممن لا معرفة تجمعنا بهم، ولا عشرة سابقة تصلنا إليهم، سوى لقاء عابر أو تواصل عابر، ومع ذلك يتولد التنافر، ويشتد التناحر، من غير علة يقبلها العقل أو يبررها المنطق.



وقد يحاول المرء أن يقارب ويهادن ويساير، أملا في احتواء البوادر قبل استفحالها، فيمضي عمره يتلقى القواصم، حتى تتآكل في داخله معاني الإخلاص، وتبهت القيم، ويثقل عليه حمل الحلم، فيغدو الصبر حملا لا فضيلة. وفي المقابل، ثمة من يبتر الخبال من جذوره، ويختار السلام، وينجو بنفسه من استنزاف لا طائل منه، مؤثرا العافية على دوام الخصام، ومقدما صفاء الروح على جدل لا ينتهي.



وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل للصبر حد يقف عنده، ومنتهى ينتهي إليه؟ فالصبر فضيلة إذا كان وعيا، ورذيلة إذا صار استكانة، وهو خلق محمود إذا كان ضبطا للنفس، ومذلة إذا تحول إلى تعطيل للذات. والحكمة أن يُعرف للصبر موضعه، وأن يُضبط بميزان الكرامة، فلا يُجعل ستارا للظلم، ولا مبررا لإهدار النفس.



تمر بنا محطات الحياة ونحن نعلم يقينا أنها جبلت على اللقاء والفراق، فهذا مولود، وذاك مفقود، وبهذا التوازن تمضي الأيام. ومع ذلك نخاصم وننازع، ونحمل في كواهلنا أثقال العداء، كأننا نجهل أن السلام أهون كلفة، وأن الوئام أقرب سبيلا، وأن الصراع لا يورث إلا الإنهاك.



والصبر، وإن كان شحيح الحملة، كثير الفاقدين، يبقى من أعظم الصفات إذا وُضع في موضعه، إذ اقترن وعده بالفرج، وربطت عاقبته بحسن المنال. غير أن للصبر وجوها تتباين، في لونه وطعمه وريحه ومنتهاه، فهو ليس احتمالا أعمى، بل بصيرة نافذة، ومعرفة بحدوده، وإدراك لمخبوئه. وقد دعا إليه كتاب الله، وجعل له منزلة، ورصد له أجرا، لكنه لم يدع إلى صبر يهدر الكرامة أو يقتل المعنى.



وللصبر لذة لا يعرفها إلا من ذاقها بوعي، فهو يصقل الذات، ويهذب النفس، ويكشف المكنون، حتى تهفو الأرواح لمعانقة السكينة. وبه تروض النفس الجامحة، ويستقر العفو في القلوب، لا عن ضعف، بل عن قوة، ولا عن قهر، بل عن سمو.



وفي المقابل، ثمة من جعل الحسد وقود حياته، يتغذى على عثرات الآخرين، ويقتات من كبواتهم، وهو واقف على باب النجاح، لا يدخله، لأن مفاتيحه ليست في يده. وتبقى الدوافع في جوهرها واحدة، هي الأنا المتضخمة، التي لا تحتمل رؤية من ينافسها، ولو كانت مثقلة بالتقصير.


والناس في هذا الباب صنفان لا ثالث لهما: صنف يرفع أناه فوق كل اعتبار، فيقصر عطاؤه على ما يعود عليه بالنفع، ويغلق قلبه دون حاجات القريب والبعيد، ماضيا في دربه لا يلتفت لصوت الضمير. وصنف آخر يقصي نفسه ليدني غيره، فيواسي، ويعطي، ويبذر الأمل في قلوب أنهكها الألم، لا يبخل بجهد، ولا يضن بابتسامة، لأنه فهم أن العطاء بقاء، وأن الإيثار حياة.



وشَتّان بين هذين الصنفين، فالفارق بينهما سحيق، والمسافة بينهما بعيدة. وليس المقصود بالصبر الخضوع للمهانة، ولا القبول بمعاملة لا تليق بالإنسان، وإنما المقصود ألا يُقطع حبل الوصل ابتداء، وأن يُمنح التدرج فرصته، وتُسلك طرق الإصلاح بما لا ينفر ولا يؤذي.



وتلك هي فلسفة العاقل الذي خبر الحياة، فعلم أنها لا تملك وجها واحدا، بل تتقابل فيها الأضداد؛ فالخير يجاور الشر، والصدق يجاور الكذب، والوفاء يجاور الخيانة. واللبيب من يتكيف مع هذه السنن، ويجعل لنفسه متنفسا يتنفس به الحياة، دون أن يحبس روحه في زنازين الألم.



وخلاصة القول أن الصبر، وإن كان مر المذاق، فإنه يحلو بعاقبته، إذا اقترن بالحكمة، وسندته البصيرة، وحُرس بكرامة النفس. فبه يسمو الإنسان، وبه ينجو، وبه يبلغ غاية السلام، فيرتقي، ويكون من الظافرين.

مُهاجر 12-24-2025 01:12 PM

رد: مُهاجر
 
كم للحياة من أطوار متقلبة، ولمن يمشي على مناكبها يموج ويمور بين تقلب الحال والأحوال، لا يكاد يثبت على حال، فذاك هو المعنى الأصح والأدق. نطوي صفحات أيامنا، بين سطورها من يسكبون سواد حبرهم على ناصع صفحاتها، مختبئين في سويداء القلوب، بين حقد دفين يتفرع منه الحسد والغدر، وبين عوالم الخير والمودة والوفاء.



العجيب أن ذلك قد يصدر من أناس لانعرفهم، وقد يجمعنا لقاء عابر، أو تصافح بحروف على عديد المواقع، ومع هذا يكون التنافر والتناحر، دون سبب يُفسره العقل، فيبقى الإنسان مذهولًا، متسائلًا عن سر تلك القلوب، عن ما يُغذي ضغائنها، وعن حدود الصبر التي قد تُستنزف قبل أن يرف له جفن.
فالإنسان الواعي يُقارب ويهادن ويساير، متأملاً الخروج من بوادر الخلاف، فيصقل الصبر في داخله، وينتظر أن تثمر الحكمة، بينما يبقى الآخر، ضعيف الحول، صامتًا أمام سياط التجريح، غير قادر على تجاوز العناد، متشبثًا بالأنا، مشغولًا بالذات، متناسيًا قيمة الإخلاص، مغلقًا قلبه عن أي شعور بالضمير، ومحرومًا من بهجة العطاء.



أما الإنسان الذي يتحلى بالوعي، فيقصي ذاته ليقرب غيره، يفتح الأبواب للخير، يملأ القلوب بالسعادة، يواسي الهموم، ويبعثر ورود الأمل، فلا مكان للغضب أو الحقد في قلبه، فيرتقي فوق الصغائر، ويعلو فوق الأنانية، فيصبح صوته نبرة رحمة، وكلماته منارة، وعطاؤه نورًا يُضيء الظلمات، ويحول القسوة إلى عطاء، والغل إلى تسامح، والانتقام إلى صدق في النية، وحسن تعامل مع الآخر.



الصبر هو الملاك الخفي، وهو مفتاح الفرج، وهو الجسر بين الكدر والصفاء، بين الحيرة واليقين، بين السقوط والارتقاء، ومن يقدره، يرفع مقامه، ويصقل ذاته، ويهذب أخلاقه، ويعلو بقيمه، فيصبح العطاء مستمرًا، والإبداع متألقًا، والتجارب دروسًا متجددة، والقلوب مفتوحة على الخير والصفح والرحمة.
النقد البنّاء هو ربيع الفكر، يفتح أبواب الإدراك، ويغرس الحكمة في النفوس، ويوقظ العزيمة، ويحوّل السقوط إلى درس، والفشل إلى تجربة، ويشعل شعلة السعي نحو الكمال، ويمنح الإنسان القدرة على تجاوز كل عائق، ليصبح كالشمعة، تنير دروب الآخرين دون أن تفنى، كالنهر الجاري، ينساب بين الصخور متجاوزًا كل عائق، مغذيًا الأرض من خيره، وموصلًا العطاء إلى كل محتاج.



أما النقد الهدام فهو الريح العاتية، يقلب المعاني، ويعمي الأبصار، ويشل المبادرات، ويقتل روح الإبداع، ويترك أثرًا مدمرًا في النفوس، فيصبح الإنسان رهين الخوف والقلق، مترددًا بين التراجع والانكسار، محاصرًا بسياط التجريح، فاقدًا لمعنى العطاء، ومقيدًا بإرادة الآخرين، ضائعًا بين الظنون والاتهامات، متخبطًا في دهاليز الحيرة.



لذلك، فإن التمييز بين النقد البنّاء والنقد الهدام هو علم وفن ومهارة، من عرفه أفلح، ومن لم يعرفه انغمس في تيه الانكسار. النقد البنّاء هو الذي يصقل الروح ويقوي العزيمة، ويعطي القلب نورًا، ويغرس في العقل بذور الفهم، ويهذب النفس، ويخرج الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة، ومن حيرة العجز إلى ثقة الأداء، ومن ضيق الأفق إلى اتساع المدارك، فيصبح الإنسان قادرًا على تحويل كل تجربة إلى منارة، وكل موقف إلى درس، وكل كبوة إلى فرصة، وكل لحظة فشل إلى عودة أقوى.




بهذا يكون الإنسان قد بلغ حكمة التعامل مع نفسه ومع الآخرين، وقد أصبح متنبهًا لقيمة العطاء، واعيًا بحدود الصبر، متفردًا بالوعي، متناغمًا مع الحياة في تقلباتها، ورافعًا راية التفوق، مزهرًا الخير، باحثًا عن الحقيقة، صانعًا من كل موقف درسًا، ومن كل كلمة أثرًا، ومن كل تصرف جسرًا يصلح النفوس، ويغذي العقول، ويشعل جذوة الإبداع، ويزرع في القلوب الأمل، فيصبح الإنسان نموذجًا حيًا للتميز، ومثالًا للوعي، ومرجعًا للفكر، وموسوعة للحكمة، وقيمة تتوهج في كل زمان ومكان.

مُهاجر 12-24-2025 07:21 PM

رد: مُهاجر
 
تثور أحيانا تساؤلات كثيرة تقطع هجعة الراحة، فلا هي توقظ وعيا مطمئنا، ولا تترك للنفس سكينة آمنة، كأنها نداء خفي يطرق أبواب العقل حين يظن أنه بلغ قرار الطمأنينة. وليتها تضيف في سجل حياتي بصمة وجود، أو تترك في هامش الأيام أثرا يدل علي، فتكون لي محطة عبور لا مقام، ووقفة تأمل لا استسلام، أقلب فيها دفتر الذكريات المفقودة، وأعيد ترتيب ما بعثره الغياب، لعل العقل يستعيد نشاطه، وإن كان في يقظته هلاكه، إذ ليس كل هلاك خسارة، ولا كل سلامة نجاة.



غير أنها تفاقم الوجع، وتستحضر ألما نتقن الهرب منه، لا شجاعة، بل حفاظا على آخر ما تبقى لنا من رمق الحياة، فنفر منه بقدر ما نقوى عليه، ونعود إليه بقدر ما يقوى علينا، في دورة لا تنكسر، وسؤال لا ينطفئ.
هي صحارى الجفاء إذا امتدت، وفياف التيه إذا استحكمت، تقطع للسائر فيها الأنفاس، فلا ظل يستظل به، ولا أفق يهتدي إليه، سوى أثر قدميه يتقدمان، وقلبه يتراجع.



وفي زقاق الحياة، نحسب أننا الوحيدون من الخلق الذين كُتب لهم على هذه البسيطة البقاء، وأن ما سوانا عدم عابر أو ظل زائل، فإذا بالحقيقة تكشف وجها آخر، وتدلنا على أن الوجود أوسع من أجسادنا، وأعمق من أعمارنا.
فهناك عوالم تشاركنا الحياة، لا تُرى بالأبصار، ولا تُلمس بالأيدي، وليست من بني جنسنا، ولا من الذين خُلقوا من نار ولا نور، لكنها تسكننا كما نسكنها، وقد تجاوزت النبات والحيوان والطير، وكل ما يخطر ولا يخطر على بال.



تلكم العوالم هي المشاعر والأحاسيس، لا تُرى فتُجحد، ولا تُلمس فتُنفى، لكنها تحكم الفعل قبل الإرادة، وتسبق القرار قبل القناعة، وتختمر في العقل، وتمتزج في القلب، وتصوغ الإنسان قبل أن يظن أنه صاغ نفسه.

مُهاجر 12-24-2025 07:24 PM

رد: مُهاجر
 
أهجر نومي قهراً، حين يشاغبني طيفك...
وإن كان طيفاً زائراً، من غير ملامح.

مُهاجر 12-24-2025 07:26 PM

رد: مُهاجر
 
قد يقودك قلبك إلى حتفك...
وليس شرطاً أن تكون نهايتك بفناء جسدك...
قد تكون نهايتك بذهاب كرامتك وعقلك.

مُهاجر 12-24-2025 08:11 PM

رد: مُهاجر
 
رأيت من أعظم الابتلاءات ما يقصم ظهر صبر الإنسان حين يكون قلبه مرهونًا عند من يستحيل أن يكون نصيبه.

مُهاجر 12-25-2025 01:37 PM

رد: مُهاجر
 
لعل من بين الناس من يسير في حياته وفق خطة واضحة المعالم، أو على الأقل يمتلك قدرا من التنظيم يهديه الطريق، فيحمل مبادئ لا يحيد عنها، ووجهات نظر تعبر عن فكره، وقيمًا أخلاقية لا يساوم عليها، وأفكارا يميز بها بين الصواب والخطأ بوعي واتزان. فهؤلاء لا يعيشون عبثا، ولا يتحركون ارتجالا، بل يسيرون على بصيرة، ويقفون عند حدود رسموها لأنفسهم قبل أن يرسمها لهم غيرهم.



غير أن بين البشر من يصنفون في خانة الاستثناء، فيمنحون ما لا يمنح لغيرهم، ويؤذنون لأنفسهم بكسر نظام اعتادوا احترامه، وتبديل قناعات ظنوا أنها لا تتزحزح، وإعادة ترتيب الأهداف بما لا يسمح لسواهم، وكل ذلك بطيب خاطر ورضا نفس، لأنهم يرون في أولئك المختلفين منزلة خاصة، ومكانة لا ينازعهم فيها أحد.


لكن للاستثناء وجها آخر لا يقل قسوة، إذ قد يكون المرء ضحية له لا مستفيدا منه، فتضيع حقوقه في زحام المجاملات، ويؤجل استحقاقه لأن غيره نال التقديم، ويطلب منه الصمت حفاظا على خاطر مستثنى، فيتحول العدل إلى ترف، والحق إلى مؤجل، والإنصاف إلى خيار مؤجل لا موعد له.
وأولئك المستثنون قد يثيرون نفورا مكتوما في محيطهم، بسبب ما خصوا به من امتياز، فمنهم من يدرك ذلك فيستثمره بحكمة، أو يستغله بأنانية، ومنهم من يجهله جهلا تاما، فلا يدري سر الجفاء ولا سبب النفور، فيمضي في طريقه غير مدرك لأثره في قلوب الآخرين.



إن من امتلك رصيدا حقيقيا من المبادئ الراسخة، والأخلاق الثابتة، والرؤية المتزنة، لا عذر له أن يبدد ذلك كله في رعشة عاطفة، ولا مسوغ له أن يهدم بنيانه القيمي من أجل استثناء عابر، فبذلك يهدم ما بناه، ويفرط فيما شاده عبر السنين، ويقايض الثبات بالهوى.



أما من كان يعيش بلا بوصلة، ويتخبط في مسارات الحياة، ويضرب أكباد الفراغ بسياط تضييع الأوقات، فله أن يتشبث بمن يراه طوق نجاة، ونقطة تحول، إذ الحاجة تصنع التعلق، والفراغ يولد الارتهان، غير أن ذلك لا يمنح الشرعية لكل استثناء، ولا يبرر التفريط في الذات.



فالاستثناء الحق لا يمنح اعتباطا، ولا يسلم دون روية، بل يكون ثمرة التمحيص والتنقيب، والنظر المتجاوز لظاهر القول وبريق الحديث، لأننا حين نسلم القياد لغيرنا، نذوب في رؤاه، وننقاد لمعتقداته، فإذا بلغ التعلق منتهاه، استعصى الفكاك، وتعذر الانعتاق.



وعلى الصعيد الاجتماعي قد يلين الأمر، أما في ميادين العمل فإن الاستثناء إذا نزل من قمة الهرم كان أشد وطأة، إذ تتقلص القدرة على الاعتراض، ويغيب ميزان العدالة، فإذا وقع الحيف وجثم الظلم، بدا المشهد جليا حين ينال الامتياز من لا يستحق، ويحرم منه من هو أحق.


وحينها لا يملك كثيرون سوى التذمر والحديث الجانبي، يفرغون فيه الغضب والحنق، ويوجهون سهام النقد إلى المستثنى والمستثني، في غياب القدرة على التغيير، وضعف أدوات استرداد الحق.


أما من علم أنه في معية الاستثناء، واتخذ من تلك المزية مطية لجني المكاسب، وسحق الحقوق، والصعود على أكتاف الآخرين، فحقيق به أن يناله سخط الناس ونفورهم، لأن الامتياز حين يستغل يتحول إلى ظلم، وحين يوظف في غير موضعه يصبح خيانة للأمانة.


وفي المقابل، فإن من خص بالاستثناء وهو لا يعلم، فلا يد له فيما وقع، ولا وزر عليه فيما نسب إليه، وإن رأى الوجوه مكفهرة من حوله، لأنه يجهل السبب، ولا يدرك مواضع الخلل.


ومن نال الاستثناء حقا، فالأجدر به أن يجعله جسرا للخير، وكلمة طيبة، وخدمة صادقة، وأن يكون وسيلة لجمع المتفرق، ورد الحقوق إلى أهلها، لا سببا في سلبها أو تعطيلها.


أما إذا وقع الظلم، أو أخر الحق بسبب استثناء غير مستحق، فإن السبيل الأقوم هو سلوك الطرق النظامية والقانونية، ولا سيما في ميادين العمل، صونا للحقوق، ودفعا للظلم، وحفظا لميزان العدل من الانكسار.

مُهاجر 12-25-2025 01:55 PM

رد: مُهاجر
 
لا يخلو منتدى من المنتديات، ولا مجلس من المجالس، إلا ويطرق فيه باب الخلاف بين الرجل والمرأة، حتى كأن الخصومة بينهما قدر سرمدي، وصراع أبدي لا يبرح ساحته أحدهما إلا ليغلب الآخر أو يفنيه. يرفع كل طرف لواء المظلومية، ويسوق من الشواهد والمبررات ما ينوء بحمله الثقلان، ليبرر موقفه ويثبت دعواه، ويلقي بالكرة في ملعب خصمه فرارا من السؤال، وهروبا من مواجهة الذات.


وفي خضم هذا الجدال المحتدم يغيب العقل، وتتراجع الحكمة، ويصبح هدم حجة الخصم غاية في ذاتها، لا وسيلة لبلوغ الحق، فتضيع الحقيقة بين صخب الأصوات، ويغيب الميزان الذي به توزن الأمور. والحقيقة الجلية التي لا تقبل الجدل أن الحياة قائمة على الذكر والأنثى معا، وأن العلاقة بينهما في أصلها علاقة تكامل لا تصارع، وتعاون لا تنافر، وما يتسلل إلى هذه العلاقة من خلافات إنما هو عوارض وهوامش لا تنفك عن طبيعة الحياة المتقلبة، إذ لم تخلق الدنيا على وتيرة واحدة، ولا استقرت على حال واحدة.



فالذكر محتاج إلى الأنثى، والأنثى محتاجة إلى الذكر، حاجة الفطرة قبل حاجة الواقع، ومن تعامى عن هذه الحقيقة، أو حاول نفيها، إنما يمارس مكابرة تخرجه من منطق الحياة، وتضعه في مواجهة السنن التي أقام الله عليها الكون.



وقد جاء الإسلام فأرسى دعائم المجتمع، وسن النظم والقوانين التي تحفظ الحقوق وتصون الكرامات، وجعل العدل مظلة يستظل بها كل من ناله ظلم أو لحقه جور، فجعل الحقوق والواجبات متبادلة بين الجنسين، لا تطغى إحداها على الأخرى، ولا تستقيم إلا بمعرفة حدها ومداها. والجهل بهذه المنظومة هو أصل البلاء، إذ يجعل الإنسان يسير في مناكب الأرض متجاوزا الحد، وهو يحسب أنه يحسن صنعا، فيخاصم الخلق وهو ألد الخصام.



ومن أبرز ما يثار في هذا السياق حديث المرأة عن حقوق ترى أنها جردت منها، أو انتقصت، أو أهدرت تحت مسميات شتى، من عرف، أو تقليد، أو وصاية مغلظة. ويأتي في مقدمة ذلك حق الاختيار، اختيار المصير في الزواج، واختيار مسار التعليم، واختيار ما يتصل بالحياة الخاصة في حدود ما أذن به الشرع، بعيدا عن التقزيم، أو الإهانة، أو الانتقاص من الكرامة الإنسانية.



غير أن النظر المنصف يقتضي التفريق بين حق مشروع، ومطلب متوهم، وبين ما أقره الشرع، وما أملته الأهواء. فحق المرأة في المشورة والاستئذان في الزواج ثابت لا مراء فيه، كفله الإسلام صيانة لها، وحفظا لمصلحتها، غير أن هذا الحق لا يعني إقصاء دور الأسرة، ولا إلغاء نظر الولي، إذ كثيرا ما يكون رفض بعض الزيجات نابعا من إدراك أعمق لعواقب الأمور، لا من تسلط مجرد.



وفي المقابل، فإن من الفتيات من تأخذهن العاطفة، فتغفل عن السؤال عن كنه الخاطب، وأخلاقه، ودينه، واستقامته، فتقصر النظر على ظاهر القول، وبريق الشعور، دون تمحيص أو روية. ومن الحكمة أن تنقل الفتاة نظرتها من موقع الندية المتعجلة إلى موقع التأمل الرشيد، وأن تنظر إلى حرص الولي، إن كان صادقا، على أنه حماية لا قيدا، ووقاية لا حجرا.


أما التعليم، فقد بات حقا مكفولا، تسعى الدول إلى توفيره، وتفتح له الأبواب، حتى بلغت المرأة فيه مراتب عليا، غير أن بعض التحفظات التي تثار أحيانا لا تكون وليدة عداء للعلم، بل خوفا من انزلاق في السلوك، أو تجاوز في القيم، وهو خوف قد يكون مبررا في بعض صوره، ومبالغا فيه في صور أخرى، مما يستدعي الحوار لا القطيعة، والإقناع لا الفرض.




وأما الحب، فإنه لا يكون مشروعا إذا انفلت من ضوابطه، ولا يصح أن يتخذ ذريعة لتبرير علاقات عابرة، أو تواصل خارج إطار الزواج، تحت وهم النهاية السعيدة. فما وضعت ضوابط الشرع إلا سياجا يحفظ القلوب من الانكسار، ويصون النفوس من الخداع، ويقلل من آهات المكلومين والمخدوعين. وقد أظهر الواقع أن كثيرا من العلاقات التي رفعت راية الحب انتهت إلى خيبات موجعة، وكرامات منتهكة، لأن الحب حين ينفصل عن القيم يتحول إلى أداة هدم لا بناء.



ولا يصح أن يضفى على الخطأ ثوب الشرعية لمجرد شيوعه، ولا أن يجعل التواتر دليلا على الصواب، فكم من باطل شاع، وكم من حق حورب، والميزان في ذلك كله هو ما وافق الشرع، وحقق المصلحة، ودفع المفسدة.




وفي خضم هذه المطالب، يقع الإشكال حين تتحول الأعراف إلى دين، وتلبس العادات لبوس المقدسات، فيحرم الحلال، ويقيد المشروع، باسم الحرص تارة، وباسم الغيرة تارة أخرى. ومع ذلك، فإن معالجة هذا الخلل لا تكون بالتصادم الأعمى، ولا بالتمرد الفج، بل بالحوار الهادئ، والتدرج الحكيم، وإيضاح الفرق بين ما هو عرف حسن، وما هو قيد مصطنع.



ولا يمكن إنكار أن بعض النساء في هذا الزمان حملن أعباء مضاعفة، فجمعن بين مسؤوليات العمل ومتطلبات البيت، وتحملن ما كان يفترض أن يتقاسمه الطرفان، مما جعل الحاجة إلى إعادة التوازن أمرا ملحا، لا صرخة عاطفية. وليس في ذلك انتقاص من دور الرجل، بل تصويب لمساره، ليعود إلى موقع القوامة بمعناها الحق، لا بتسلط ولا بإهمال.




وما من ظلم يقع على المرأة إلا وكان وراءه بعد عن منهج الدين، أو جهل بأحكامه، فالإسلام رفع شأن المرأة، وحفظ كرامتها، وجعل إهانتها دليلا على لؤم الطبع، لا رجولة الخلق. ولو التزم الناس بأدب القرآن، وسنة النبي، لامتلأت البيوت رحمة، وسكنت القلوب طمأنينة، ولساد التراحم بدل التنازع.
إن جوهر الإشكال ليس في الحقوق ذاتها، بل في الوعي بها، والتمييز بين مشروعها ومتوهمها، وبين ما يسترد بالحكمة، وما يطلب بالصبر، وما يعالج بالحوار. فالثقافة، والتوعية، والرجوع إلى أصول الدين، هي السبيل لتبديد ظلمات التعصب، وتفكيك عقول الجمود، وبناء علاقة صحية بين الرجل والمرأة، قوامها العدل، وسقفها الرحمة.




فالكون كله قائم على التناغم، من الذرة إلى المجرة، ومن الذكر إلى الأنثى، والخير هو الأصل، والشر عارض طارئ. وما بقاء الحياة إلا بالتكامل، وما اندثارها إلا بالصراع. ومن هنا، فإن الواجب قبل الخوض في أي قضية أن يكون لنا من المعرفة نصيب، ومن الوعي رصيد، حتى لا نخوض لجج الخلاف بغير بوصلة، ولا نرفع رايات المطالبة بغير بصيرة.



فإذا كان الميزان هو الشرع، وكان الحوار هو الوسيلة، وكانت الحكمة هي النهج، استقامت الطريق، وهدأت النفوس، وعاد لكل ذي حق حقه، بلا إفراط ولا تفريط.

مُهاجر 12-25-2025 05:49 PM

رد: مُهاجر
 
لا تزال تلك الرحلة إلى البقاع المقدسة، منذ سنوات طويلة، عالقة في عقلي، وقد تشربها قلبي، فما مررتُ بموقف إلا وخطّ أثره في دفتر ذكرياتي، حتى صارت الرحلة لوحة تتنفس بين صفحات حياتي.



فكانت الرحلة برفقة نفسي، رفيقة الروح التي لم تفارقني، وهي أول تجربة في حياتي، تجربة اجتزت فيها حدود الزمان والمكان، واختبرت فيها أعماق ذاتي، واستشعرت فيها نفحات الروحانية التي لا يعرفها إلا من سار في دروب السكون والتأمل.



في كل لحظة رافقتها تفاصيل دقيقة، ولو دقّت حالها، فتعمدت العيش في كل لحظة بكل شعور، مستشعراً كل واجب ومندوب ومسنون جاء به الدين الحنيف، وكأنّ الزمن كله قد تراجع أمام عظمة تلك اللحظات، وكأن القلب قد صاغ له مساراً بين السماء والأرض.



ولم أجد كمثل ذلك يخط طريقك لتصل إلى تلك المقامات، التي استقر فيها وامتزج فيها أبدال الله في الأرض، فكان كل حجر وكل تلّ، وكل نسيمٍ يمرّ عليّ يذكّرني بعظمة الخالق وبحكمته التي تحيط بكل شيء.



وكي لا أغوص في عمق الرحلة، واستجلب لكم الملل، توقفت عند المواقف التي بينت لي معنى الحياة، بعدما انعتقت وانفصلت عن عالم المحسوس، فقد كنت أسير جسداً في الأرض، وروحاً تحلّق في الملكوت، أرى ما وراء الحجب، وأسمع ما وراء الكلمات، وأشعر بما لا يلمسه إلا من فتح قلبه للسماء.
فعندما وصلت مشارف الحرم، رأيت المكان بلا بنايات تناطح السحاب، ولا مركبات تنبعث منها الملوثات، بل كانت بطحاء تحيط بها التلال، سكونٌ يملأ المكان، ونقاءٌ يحيط بالروح، وكأن الأرض نفسها تنحني إجلالاً للقداسة.
كنت حريصاً على اقتفاء الأثر، حتى وإن خضب الطريق ذلك الأسفلت المنيع، وأنا أقلب نظري رجعت إلى الوراء لألف سنة، يتلوها الأربعمئة من بعثة المعصوم، تلك دار عمر، وذاك دار الأرقم، ورأيت الصحابة في الأسواق يتناجون ويتذاكرون، ينظرون إليّ تعجباً، وقد أتيتهم من عالم ثانٍ، عالم الروح والصفاء.




دخلت الحرم، ورأيت الكعبة، وأولئك الطائفون الملبون، كلّ له حاجته، وكلّ له دعاء يرفعه إلى السماء، وكم أحزنني كثيراً تلك المشاهد حين وجدت الغفلة والتقاط الصور، وكأنهم في نزهة سياحية، وكنت أقول في نفسي: ألا يستحون أمام قدسية المكان؟



طفت وسعيت، وفي السعي انتقلت إلى عهد الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وسعي أمنا هاجر، وهي تضرب برجلها لتسقي الذبيح إسماعيل، وعن ماء زمزم لا تسل، ففيه السر العظيم، سرٌ لا يراه إلا من سلك الطريق بصدق القلب، ومن فتحت روحه لتلقي النور.



وفي كل خطوة، شعرت بأن الزمن يتلاشى، وأن القلب يتسرب إلى رحاب السماء، وأن الروح تجد فيها مرساها، فتصبح الرحلة ليست مجرد مسير بين المكان، بل مسير بين النفس والله، بين الخلق والخالق، بين الأرض والسماء، بين الحاضر والخلود.

مُهاجر 12-25-2025 06:22 PM

رد: مُهاجر
 
وأنا في رحلتي تلك، وفي مكاني ذاك، توجهت إلى الشارع عازماً الذهاب لزيارة تلك المعالم: جبل أحد، ومسجد قباء، والبقيع. أوقفت سيارة الأجرة، وإذا بقائدها رجل عجوز يسألني: أين العزم؟ فأخبرته بأن وجهتي جبل أحد وقباء والبقيع.



تعجب مني، فقال: يا بني، البقاع التي تذكرها في المدينة المنورة وليست مكة!


أخبرته أن يوصلني إلى الحرم، وفي السيارة اعتذرت منه بعدما اختلط عليّ الأمر، فقال: كلٌ له همومه، وكلٌ له تفكيره، وكلٌ يحمل في قلبه ثقل الحياة وأوجاعها، وكلٌ يسعى بين الدروب ليخفف عن نفسه وطأة الأيام، وكلٌ يبحر في عواصف الحياة ليصل إلى برّ السلام الداخلي. ثم تنهد تنهيدة طويلة، كأنه يسحبها من أعماق قلبه، وسكت طويلاً، كأن الزمان توقف ليصغي إلى صمته، وكأن المكان احتوى ثقل الحزن الذي يحمله.


بعدها سألته عن سبب حزنه، فقال: فقدت زوجتي منذ سنة، وهذا حالي. جعلت الشارع سلواي أتناسى به همي، لكن أعظم هم عندي لا يزول إلا حين أعود إلى البيت، حين أفتح الباب وأجد كل زاوية تنطق باسمها، وكل ركن يذكرني بضحكتها، وكل صورة تعانق قلبي، وكل رائحة تهمس لي بأن الحب لم يمت، بل بقي حياً في صمت المكان، وفي ذكرياتنا المشتركة، وفي أعماق روحي التي لا تعرف النسيان. في تلك البقعة بكينا، وهناك ضحكنا، وهناك تواسينا، وهناك الحياة نفسها أحسست بها تدق في كل شيء حولي، كأن روحها ما زالت تعانق روحي، كأن حبنا لم ينقطع، بل امتد من القلب إلى القلب، ومن الذكرى إلى الذكرى، ومن الماضي إلى الحاضر، ومن الأرض إلى السماء.



حدثني وهو يدافع عن دموعه، ثم انقطع حديثه، وقد خفت عليه بعدما جاش بما في قلبه ونطق به لسانه، وكأن الكلمات لم تعد كافية لتسبر أغوار الحزن، وكأن الصمت أبلغ من أي حروف يمكن أن تنطق بها الشفاه.
هو يحدثني، وأنا في بعد آخر، في تلك اللحظة انفصلت عن الزمان والمكان. استقطبت الحاضر والمعاصر عن حال واقعنا، عن العلاقات العابرة التي ليس لها ميثاق، وتلك التي يحفظها الميثاق، عن الحب الذي يختزل كل شيء، عن الوفاء الذي يحفظ كل عهد، وعن الصدق الذي يروي القلوب ويملأ الأرواح سلاماً.



حينها برز في عقلي هذا السؤال: ما هو الحب؟ ما لونه؟ ما طعمه؟ ما معناه؟ علمت بأن لهذا السؤال آلاف المعاني لتلك المفردة، وأن كل قلب يجيب عليه بطريقته، وأن كل روح تراه بنظرتها الخاصة، وأن لكل تجربة مع الحب لونها ورائحتها وطعمها ووقعها في النفس، وأن الحب ليس كلمات عابرة، بل هو حياة تتنفس في العيون، وهو وفاء يكتب على الجدران، وهو صدق يروي الأيام، وهو تضحيات تسكن في الأعماق وتنبض في الصدور.



وأقطع ذلك الاسترسال باستحضار حال هذا الرجل الكبير في السن، ذلك الحب، كيف يراه؟ الكثير منا يجنح لتلك الكلمات العذبة المتبادلة، وللغزل العميق الذي يزين الحوارات، لكن كيف كان هذا الرجل يتعاطى معه؟ هل كان يغدق زوجته بتلك الكلمات العذبة؟ أم كان الحب لديهم فعلاً لا قولاً، حيث تُرجم ليكون الوفاء والإخلاص، والصدق والتضحيات، هو أساس معناه، هو جوهره، هو روح العلاقة، هو ما يبقى بعد زوال كل الكلمات، وما يصمد أمام مرور الزمن والعواصف؟


الساعة الآن 06:31 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security team