احصائيات

الردود
0

المشاهدات
28
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,782

+التقييم
0.66

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
اليوم, 06:54 AM
المشاركة 1
اليوم, 06:54 AM
المشاركة 1
افتراضي السفر إلى المستقبل
بسم الله الرحمن الرحيم








السفر عبر الزمن
قبل الشروع في هذا الموضوع، تجدر الإشارة إلى أن السفر عبر الزمن يُقسَّم عند العلماء والفلاسفة إلى شقين: السفر إلى المستقبل، والسفر إلى الماضي. وسنقتصر هنا على الحديث عن السفر إلى المستقبل، أما السفر إلى الماضي فلن نتطرق إليه لأنه يصطدم بجملة من الاستحالات المنطقية والفيزيائية التي رفضها جمهور العلماء أنفسهم. فمن أبرز أسباب استحالته أنه يفتح الباب أمام ما يُعرف بـ"مفارقة الجد" (Grandfather Paradox)، وخلاصتها أن المسافر لو عاد إلى الماضي وتسبب في موت جده قبل أن يُنجب والده، لاستحال أن يُولد المسافر نفسه، فكيف إذن قام بالرحلة التي أدت إلى منع ولادته؟ وهذا تناقض منطقي لا يقبل الحل. كذلك فإن الفيزياء الحديثة، ولا سيما مبدأ السببية الذي يقوم عليه فهمنا للكون، يفترض أن السبب يسبق النتيجة دائمًا، والسفر إلى الماضي ينسف هذا الترتيب من جذوره. ولذلك فإن أغلب الفيزيائيين يعدّون السفر إلى الماضي ضربًا من الخيال العلمي لا تسنده معادلات فيزيائية قابلة للتطبيق في عالمنا الواقعي،

مقدمة مبسطة: ماذا يعني السفر إلى المستقبل؟
قد يظن كثيرون أن النظرية النسبية نفسها غير صحيحة، وأنها مجرد فرضية خيالية لا سند علمي حقيقي لها، تشبه ما يُطرح في أفلام الخيال العلمي. غير أن الحقيقة أن النظرية العلمية التي تقوم عليها هذه الفكرة، وهي نظرية النسبية الخاصة، صحيحة ومثبتة تجريبيًا بشكل قاطع، كما سنرى لاحقًا في أمثلة عملية ملموسة مثل أقمار تحديد المواقع ورواد الفضاء.

لكن الأمر الذي يظل مستحيلًا عمليًا ليس النظرية نفسها، بل تطبيقها على نطاق واسع يشعر به الإنسان فعلًا؛ ذلك أن "السفر إلى المستقبل" بالمعنى العلمي الدقيق يعني أن يتمكن شخص من الوصول إلى زمن مستقبلي أسرع من الآخرين الذين بقوا في مكانهم، أي أن يمر عليه زمن أقصر بينما يمر على غيره زمن أطول، فيجد نفسه حين يعود وقد تقدم بهم الزمن أكثر مما تقدم به هو. وهذا يتطلب بلوغ سرعات هائلة قريبة من سرعة الضوء، وهو أمر مستحيل على الإنسان لأسباب فيزيائية وبيولوجية سنفصلها لاحقًا، وليس لأن النظرية ذاتها موضع شك.

ولتقريب الفكرة بمثال بسيط: تخيل توأمين، سافر أحدهما بمركبة فضائية بسرعة قريبة جدًا من سرعة الضوء لعدة سنوات بحساب ساعته هو، ثم عاد إلى الأرض، فوجد أن أخاه التوأم قد شاخ وتقدم به العمر عشرات السنين، بينما هو ما زال في مقتبل العمر. هنا لم يُخرق قانون فيزيائي واحد، بل إن الزمن نفسه قد "تمدد" بالنسبة للمسافر بسبب سرعته الهائلة، وهذا ما يُعرف بـ"مفارقة التوأمين"، وهي نتيجة مباشرة من نتائج النظرية التي سنتحدث عنها. والمشكلة إذن ليست في صحة هذه النتيجة النظرية، بل في استحالة توفير الشروط العملية التي تجعلها محسوسة بالنسبة للإنسان.

النظرية
الأساس العلمي لهذه الظاهرة هو نظرية النسبية الخاصة التي وضعها ألبرت أينشتاين عام 1905م. وتقوم هذه النظرية على مسلّمتين رئيسيتين: الأولى أن قوانين الفيزياء واحدة في جميع الأطر المرجعية التي تتحرك بسرعة ثابتة، والثانية، وهي الأهم هنا، أن سرعة الضوء في الفراغ ثابتة لا تتغير أبدًا مهما كانت سرعة مصدرها أو سرعة الراصد له.

وهذه المسلّمة الثانية هي التي قلبت مفهوم الزمن رأسًا على عقب. فإذا كانت سرعة الضوء ثابتة عند كل الراصدين مهما اختلفت سرعاتهم، فإن الزمن والمسافة لا بد أن يتغيرا لتبقى هذه السرعة ثابتة. ومن هنا نشأ مفهوم "تمدد الزمن" (Time Dilation)، الذي يعني أن الزمن يمر بشكل أبطأ بالنسبة للجسم المتحرك بسرعة عالية مقارنة بجسم ساكن أو أبطأ حركة. وكلما اقتربت سرعة الجسم من سرعة الضوء، ازداد هذا الأثر وضوحًا، حتى إنه عند سرعة الضوء نفسها يتوقف الزمن نظريًا عن المرور بالنسبة للجسم المتحرك.

السفر إلى المستقبل
إن ما يميز هذه الظاهرة أنها ليست فرضية نظرية بحتة، بل ظاهرة مؤكدة تجريبيًا وتؤثر في حياتنا اليومية دون أن نشعر بها؛ ذلك أن سرعاتنا على الأرض ضئيلة جدًا مقارنة بسرعة الضوء، فلا يظهر أثر تمدد الزمن عمليًا إلا عند السرعات الهائلة القريبة من سرعة الضوء، أو عند وجود فروق كبيرة في الجاذبية (وهو ما يُعرف بتمدد الزمن الجاذبي، المستمد من نظرية النسبية العامة).

ومن أبرز الأدلة العملية على ذلك تجربة الأقمار الصناعية لنظام تحديد المواقع (GPS)، فهذه الأقمار تدور حول الأرض بسرعة عالية نسبيًا وعلى ارتفاع بعيد عن جاذبيتها القوية، مما يجعل ساعاتها تتقدم عن ساعات الأرض بمقدار طفيف يوميًا نتيجة لتأثيرين متضادين من النسبية الخاصة والعامة معًا. ولولا تصحيح هذا الفارق الزمني الدقيق برمجيًا كل يوم، لتراكم الخطأ في تحديد المواقع حتى يصل إلى امتار خلال عدة سنوات. وهذا يثبت أن "النظرية" ليس خيالًا، بل واقع قابل للقياس بدقة متناهية.

تجربة رواد الفضاء: تطبيق عملي للنظرية

من أشهر الأمثلة الواقعية على هذه الظاهرة تجربة رائد الفضاء الروسي غينادي بادالكا، الذي قضى مجموع ما يقارب 878 يومًا في الفضاء عبر عدة رحلات إلى محطة الفضاء الدولية، وهو صاحب الرقم القياسي العالمي في مجموع أيام الإقامة بالفضاء. ونتيجة لدوران المحطة حول الأرض بسرعة تقارب 27600 كيلومتر في الساعة، فإن الزمن كان يمر بالنسبة له أبطأ قليلًا من مروره على من بقوا على سطح الأرض. وحين حُسب الفارق الزمني الناتج عن كل تلك الرحلات مجتمعة، تبين أنه سافر إلى المستقبل بمقدار يزيد قليلًا عن 1/44 من الثانية، أي نحو 0.02 ثانية تقريبًا، مقارنة بمن بقي على الأرض طوال تلك المدة.

وقد يبدو هذا الفارق ضئيلًا لا يُذكر، إلا أنه دليل قاطع وملموس على صحة النظرية عمليًا وليس نظريًا فحسب. فالعامل الحاسم في تضخيم هذا الأثر هو السرعة، وكلما اقتربنا من سرعة الضوء، ازداد الفارق الزمني بشكل غير خطي حتى يصبح فارقًا بالسنوات لا بالأجزاء من الثانية.

استحالة بلوغ سرعة الضوء
سرعة الضوء في الفراغ تبلغ بدقة 299,792 كيلومترًا في الثانية الواحدة (أي نحو 1,079,252,848 كيلومترًا في الساعة)، وهي ثابتة لا تتغير، وتمثل السقف الأعلى المطلق لأي سرعة في الكون بحسب النسبية الخاصة.

أما أسرع جسم صنعه الإنسان على الإطلاق فهو مسبار باركر الشمسي (Parker Solar Probe) التابع لناسا، الذي حقق رقمًا قياسيًا موثقًا بلغ 692,000 كيلومتر في الساعة، أي ما يعادل 192.22 كيلومترًا في الثانية فقط. وقد بلغ هذه السرعة عند أقرب نقطة من الشمس في مداره، بفضل مساعدة الجاذبية التي اكتسبها من عدة عمليات اقتراب متتالية من كوكب الزهرة، في 24 ديسمبر 2024م، وكرر بلوغ الرقم نفسه في عمليات اقتراب لاحقة خلال عام 2025م.

والفارق بين السرعتين هائل بما يفوق التصور: فسرعة الضوء تفوق سرعة أسرع جسم صنعه الإنسان بنحو 1560 مرة تقريبًا. بعبارة أخرى، لو أراد مسبار باركر نفسه، وهو أسرع ما أنتجته يد الإنسان حتى الآن بعد عقود من التطور التقني، أن يبلغ سرعة الضوء، لاحتاج إلى مضاعفة سرعته الحالية أكثر من 1560 مرة. وهذا يوضح حجم الهوة الشاسعة بين أقصى ما بلغته قدرة الإنسان التقنية وبين السرعة التي تتطلبها نظريًا ظواهر السفر الزمني الكبير الذي يتخيله الخيال العلمي.

ويضاف إلى هذه العقبة أن كتلة أي جسم مادي تزداد كلما اقتربت سرعته من سرعة الضوء، بحيث تحتاج المركبة إلى طاقة تقترب من اللانهاية لدفعها نحو السرعة القصوى، وهو ما يتجاوز أي مصدر طاقة معروف أو متصور حاليًا. كذلك فإن الجسيمات والغبار الكوني المنتشر في الفضاء، وهو أمر لا يُلتفت إليه عادة عند السرعات المنخفضة، يتحول عند سرعات قريبة من سرعة الضوء إلى قذائف مدمرة تخترق أي مركبة مهما كانت متانتها.

استحالة حياة الإنسان خارج الأرض
وحتى لو افترضنا جدلًا التغلب على عقبة الطاقة، فإن جسم الإنسان نفسه غير مهيأ للحياة خارج الغلاف الجوي الأرضي وحقله المغناطيسي الواقي، ولا يتحمل أصلًا السرعات الهائلة القريبة من سرعة الضوء ولا آثارها. فرواد محطة الفضاء الدولية أنفسهم، رغم بقائهم على ارتفاع لا يتجاوز 400 كيلومتر فقط، يعانون من جملة مشكلات صحية موثقة علميًا؛ منها فقدان كثافة العظام بمعدل يصل إلى نحو 1% إلى 1.5% شهريًا نتيجة انعدام الجاذبية، وضمور العضلات، وضعف جهاز المناعة، واضطرابات في السوائل داخل الجسم تؤثر في الرؤية وضغط الدم، فضلًا عن التعرض لجرعات إشعاعية أعلى بكثير مما يتلقاه الإنسان على سطح الأرض المحمي بالغلاف الجوي والحقل المغناطيسي. وكل هذه الآثار تظهر بعد أشهر قليلة فقط من الإقامة في مدار قريب نسبيًا من الأرض، فكيف بمركبة تسافر لسنوات بسرعات تقترب من سرعة الضوء بعيدًا عن أي حماية طبيعية؟

الخلاصة
لكي يتمكن الإنسان من السفر الفعلي إلى المستقبل بفوارق زمنية كبيرة يُحس بها، فإنه يحتاج إلى بلوغ سرعات هائلة تقترب من سرعة الضوء، وهذا أمر مستحيل عمليًا في حدود ما تسمح به تقنيات البشر الحالية والمستقبلية القريبة، لسببين مترابطين: الأول أن الطاقة اللازمة لبلوغ تلك السرعات تتجاوز أي مصدر طاقة معروف، والثاني أن جسم الإنسان نفسه لن يتحمل تلك السرعات ولا ظروف العيش خارج الأرض لمدد طويلة، كما تثبته المشكلات الصحية الموثقة لدى رواد الفضاء حتى في مدار قريب لا يتجاوز بضع مئات من الكيلومترات. ولذلك تبقى النظرية حقيقة علمية مثبتة تجريبيًا كما رأينا في تجربة رواد الفضاء وأقمار تحديد المواقع، لكنه يظل محصورًا في فوارق زمنية دقيقة جدًا و هو جزء من الثانية، لا بالقفزات الزمنية الكبرى التي يتخيلها الخيال العلمي.



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: السفر إلى المستقبل
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ابن خلدون .. هل كنت تتجسس على المستقبل اعزاز العدناني منبر الحوارات الثقافية العامة 8 08-17-2022 05:34 PM
بيلي كولينز: المستقبل عادل صالح الزبيدي منبر الآداب العالمية. 0 06-19-2016 07:03 PM
أبناؤنا , بناة المستقبل د محمد رأفت عثمان منبر الحوارات الثقافية العامة 1 01-14-2015 02:43 AM
نحو المستقبل ..!! يونس عاشور منبر النصوص الفلسفية والمقالة الأدبية 0 10-23-2011 08:29 AM

الساعة الآن 08:57 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.